18/09/2026
تونس في: 18 سبتمبر 2026
بيـــــــان
في افتتاح السنة القضائية، غياب الحركة القضائية
وانهيار ضمانات حسن سير القضاء واستقلاله
إنّ المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين ومتابعة منه للوضع القضائي العام خلال الفترة الماضية، وعلى إثر صدور الأمر الرئاسي عدد 209 لسنة 2026 المؤرخ في 21 أوت 2026 المتعلق بترقية القضاة من الصنف العدلي وتعمّد وزارة العدل الاستحواذ بالكامل على الصلاحيات المخولة لمجلس القضاء العدلي المؤقت الذي أحدثه رئيس الجمهورية بموجب المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 كبديل لمجلس القضاء العدلي الشرعي والمنتخب وإقدامها خارج كل اختصاص يخول لها ذلك وفي مخالفة صريحة للنصوص القانونية المنطبقة، على نشر جداول الكفاءة لترقية القضاة وإصدارها لعدد كبير من مذكرات العمل بشكل متواتر وشبه يومي فيما يشبه الحركة القضائية الواسعة،
وإذ يلاحظ مواصلة انتهاج سياسة تعطيل استكمال تركيبة مجلس القضاء العدلي المؤقت وتعطيل تركيز مجلس أعلى للقضاء العدلي على معنى أحكام الفصل 119 من دستور 2022 بما فتح الباب أمام وزارة العدل لوضع اليد كليّا على السلطة القضائية والانفراد بالإشراف على المسارات المهنية للقضاة بغاية تطويعهم خلافا لجميع المعايير الدولية المضمّنة بالمعاهدات والاتفاقيات المصادق عليها من طرف الدولة التونسية،
وبعد معاينته تكثّف إصدار مذكرات العمل خلال العطلة القضائية وفي مستهل شهر سبتمبر وبعد انطلاق السنة القضائية مطلع هذا الاسبوع شملت مئات القضاة ومن ضمنهم وكيل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وعدد كبير من الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف وأغلب وكلاء الجمهورية لدى المحاكم الابتدائيّة ليفوق العدد الجملي لمذكرات العمل ألفي مذكّرة (2.000) منذ انطلاق العمل بهذه الآلية، يسجّل مجموعة من الممارسات المتكررة والمخلة باستقلال القضاء وأساسا:
- الطابع السري لمذكّرات العمل التي تتخذ في المكاتب المغلقة خارج أي إطار معلن ينظم الحركة القضائية وقد أفضى ذلك إلى نتائج كارثية في ظل الفراغ المؤسسي المذكور وغياب كل مرجعيات الشفافية والعلنية كما أصبحت الجهة التي يتوجه اليها القضاة لتقديم مطالبهم في نقلهم وترقياتهم غير معلومة ولا الصيغة التي تتخذها هذه المطالب ولا آجالها المحدّدة بسبب غياب أي شكل معلن ينظم النظر في تلك المطالب،
- إلغاء إعلان الشغورات عبر المحاكم لضمان حسن توزيع القضاة بما تحتاجه كلّ محكمة من قضاة وضمان حق كل قاض تتوفر فيه الشروط القانونية في التقدم لنيل خطة قضائية طبق الشغورات المعلن عنها،
- غياب مبدأ تقييم القضاة ومبدأ التناظر بينهم على المسؤوليات القضائية بما يكفل تسمية أفضل القضاة كفاءة مهنية وأخلاقية لتلك المسؤوليات التي ينعكس من خلالها أداء القاضي في صلة مباشرة بحقوق المتقاضين وحرياتهم والمتعاملين مع المرفق القضائي من حيث إدارة المحاكم والبت في القضايا طبق ما تقتضيه الحوكمة الرشيدة للمحاكم وسيادة القانون وصون الحقوق وليس نتيجة الخضوع لاملاءات السلطة التنفيذية وتعليماتها،
- إلغاء مبدأ تعليل نقل القضاة بدون رضاهم وتعليل قرارات إسناد المسؤوليات القضائية والتجريد منها بما هو مبدأ جوهري يكفل الرقابة على حسن سير القضاء من خلال حسن إدارة نقل القضاة وإسنادهم المسؤوليات القضائية باعتبارهم يضطلعون بأهم المسؤوليات في الدولة في تسيير المحاكم والحكم في حقوق الناس وحرياتهم،
- الاعتباطية في إلغاء مبدأ التخصص في التسميات القضائيّة وفي توزيع العمل داخل المحاكم بما يهدر مبدأ الكفاءة ويؤدّي حتما إلى ضعف الأداء القضائي وإلى الأخطاء الفادحة والقرارات والأحكام القضائية غير السليمة على حساب حقوق المتقاضين وحرياتهم،
- المنحى العقابي للنقل والذي اتخذ في الفترة الأخيرة صبغة أكثر تعسفا خاصة تجاه مسؤولي جمعية القضاة التونسيين ومساندي الجمعية الذين استبعدوا تقريبا في مجملهم من دوائر محاكم تونس الكبرى وبنزرت ونابل،
- استعمال النقل الفجئية والمهينة بالمسؤوليات العليا بالمحاكم الكبرى وهي مسؤوليات أصبحت تعرف شغورات دائمة وعدم استقرار فادح بما أضر بسير العمل بتلك المحاكم،
- مواصلة نهج عدم تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية القاضية بإرجاع 49 قاضيا شملتهم مذبحة إعفاء القضاة في 01 جوان 2022 رغم مرور أكثر من 4 سنوات من صدور هذه الأحكام وبالتالي تأبيد المظلمة التي تعرّضوا لها،
- تواصل الشغور في المناصب القضائية العليا والتي تشمل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب والرئيس الأول لمحكمة المحاسبات وكذلك مناصب وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب والمتفقد العام ووكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية ورئيس المحكمة العقارية منذ أكثر من 3 سنوات رغم أهمية هذه المناصب وحساسيتها بما أفضى إلى تأبيد هذه الشغورات من طرف السلطة التنفيذية وتعطيل عمل المجلس المؤقت للقضاء بهدف السيطرة على السلطة القضائية،
وفي ظل هذه الخروقات الجسيمة:
أوّلا: يؤكّد على أن هدم جملة المبادئ والضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء ونزاهته وإقصاء ركن أساسي من ركائز القضاء المستقل وهي الحركة القضائية، قد أخرج القضاء من إدارة التصور الشامل والاصلاحي صلب مجلس مستقل وشفاف وأفضى بالنتيجة إلى واقع يحكمه التسيير اليومي من وزارة العدل لكل الشأن القضائي وتهيمن عليه الفوضى والعشوائية والاعتباط والتعسف كما أدى هذا الوضع عمليا إلى إشاعة سلوكات المحسوبية والولاء للسلطة التنفيذية على نطاق واسع.
ثانيا: يشير إلى أنه من آثار خضوع تسميات القضاة ونقلهم وترقياتهم للسرية التامة ظهور حملات التسريبات حول تلك النقل والترقيات وإسناد المسؤوليات والتجريد منها والحديث عن إيقافات وتتبعات ضد البعض منهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنها ما أشيع حول وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس في الفترة الأخيرة مع العلم أنه تداول على هذا المنصب منذ سنة 2023 ثلاث قضاة بمذكرات عمل بالرغم من أهمية المنصب وخطورته في حماية الحقوق والحريات أو المساس بها و هدرها لما يقع تحت إشراف وكيل الجمهورية بالمحكمة المذكورة ومسؤوليته من سلطة التتبع في العدد الأكبر من القضايا من حيث الكم ومن حيث الأهمية النوعية كقضايا الإرهاب والفساد المالي والقضايا المتعلقة بالسياسيين وبالصحفيين وبالقضاة وبرجال الاعمال ونشطاء المجتمع المدني ومن مارسوا حرية التعبير بشكل عام.
ثالثا: يستنكر مواصلة استفراد وزارة العدل بالمسارات المهنية للقضاة نقلة وترقية وإسنادا للخطط القضائية وتجريدا منها مع الحطّ من الدرجة في العديد من الحالات في غياب أبسط قواعد الشفافية والمساواة ودون إطلاع القضاة على معايير محددة مسبقا ودعوتهم للتناظر على أساسها بما يخلق حالة من الارتجال والعشوائية برزت خاصة في إسناد خطط السلسلة الجزائية ومنها خطة وكيل الجمهورية التي تشهد تغييرا متواصلا بالعديد من المحاكم في ظرف وجيز وخاصّة محاكم تونس والمنستير وقابس وصفاقس 2 مما أثر في أداء سير المرفق القضائي وعطّل بصفة كبيرة فصل القضايا.
رابعا: يسجّل أن إلغاء مبدأي التقييم والتناظر في كنف الشفافية والمساواة في إسناد المسؤوليات القضائية وخاصة منها المسؤوليات في السلسلة الجزائية في نطاق حركة دورية سنوية أدى إلى استبعاد أفضل القضاة كفاءة علمية واستقلالية ونزاهة من تلك المسؤوليات بما آل الى تزايد التقارير والمواقف الصادرة عن المنظمات المختصة في رصد الشأن القضائي وهيئات الدفاع بخصوص الانحرافات الإجرائية والمساس بإجراءات المحاكمة العدالة في القضايا الجزائية عموما وقضايا الرأي وحرية التعبير.
خامسا: يؤكد على أنّ الترقية الآلية حق ناضلت لتكريسه أجيال من القضاة صلب جمعية القضاة التونسيين ويعتبر أن ترقية عدد 51 قاضيا من الفوج 20 إلى الرتبة الثالثة من مجموع 71 كترقية عدد 71 قاضيا من الفوج 26 إلى الرتبة الثانية من مجموع 98 من القضاة المستوفين للشروط القانونية للترقية يعدّ تراجعا خطيرا عن اعتماد مبدإ الترقية الآلية كضمانة أساسية من ضمانات استقلال السلطة القضائية لما يمثله من انتقائية تستعملها السلطة التنفيذية لتطويع القضاة تبعا لحرمان 47 قاضيا من الترقية خارج أي إطار قانوني وفي غياب أي معيار موضوعي معلوم.
سادسا: يجدّد التنبيه الى أن إدارة المسارات المهنية للقضاة بواسطة مذكرات العمل المفتقرة لكل سند قانوني والمخالفة للدستور وللمعايير الدولية لاستقلال القضاء وغياب الحركة القضائية أدى إلى إفراغ محاكم ذات مرجع نظر واسع من عدد القضاة الكافي لعدد القضايا المنشور بها وحجمها بما أثقل كاهل من تبقى من القضاة بتلك المحاكم وعطل سير البت في القضايا وختم الأبحاث وتلخيص الاحكام والقرارات في الآجال المعقولة وتوجيه الملفات للمحاكم الأعلى درجة بعد ممارسة الطعون ووضع صعوبات جمة أمام المحامين في متابعة قضايا موكليهم وأمام كل المتعاملين مع المحاكم مقابل إغراق محاكم ذات مرجع نظر محدود وعدد قضايا محدودة بعدد من القضاة يفوق حجم العمل بكثير بما مس جوهريا بسلامة التوزيع المتوازن للقضاة وبحسن سير القضاء عبر المحاكم واستقرار العمل بها وبحقوق المتقاضين.
سابعا: يعتبر أن انتهاج سياسة التشفي والانتقام ضد عدد كبير من القضاة بتعمد نقلتهم لمحاكم تبعد مئات الكيلومترات عن مقرات سكناهم وتكرار ذلك في العديد من الحالات ترهيبا لهم ومحاولة لتطويعهم بعد ثبوت تمسكهم باستقلالية قراراتهم في القضايا المعروضة أمامهم يمثل تجاوزا خطيرا غير مؤسس قانونا ومخالفة صريحة لمبدإ عدم نقلة القاضي إلا برضاه المكرس بموجب الدستور والقوانين النافذة.
ثامنا: يعرب عن استنكاره لقرارات إيقاف القضاة عن العمل في غياب أبسط ضمانات الدفاع ودون اتباع قواعد المساءلة التأديبية التي تحجر الجمع بين التتبع والتحقيق والتأديب لدى جهة واحدة لجنوحها بالضرورة للتعسف والمغالاة خاصة وأن آثارها خطيرة على القضاة لما تمثله من عزل مقنع عن الوظيف وقطع للراتب دون تحديد أي سقف زمني للتتبع في مساس خطير بمعيار الأمان المالي كضمانة أساسية لاستقلال السلطة القضائية ويشدد على ضرورة إعادتهم لمزاولة عملهم إلى حين عرض ملفاتهم التأديبية على مجلس أعلى للقضاء طبقا للدستور والقوانين النافذة.
تاسعا: يحذّر من تداعيات سياسة الترهيب المسلطة على القضاة وإشاعة أجواء الخوف والرعب وانعدام الأمان بينهم من قبل وزارة العدل على وضع الحقوق والحريات وحقوق المتقاضين بالنظر لخطورة ما آل إليه الوضع القضائي وما يطال القضاة يوميا من إجراءات تعسفية غير مسبوقة تهدّد دورهم في حماية الحريات في ظل تغول السلطة التنفيذية وتمددها داخل القضاء وخطورة توظيف جهاز التفقدية العامة للمساس بحقوق القضاة المكفولة لهم قانونا بغاية إشاعة حالة من الريبة والخوف عند فصلهم في النزاعات المعروضة عليهم سيما تلك التي أثارتها السلطة التنفيذية أو تدخلت في مجرياتها.
عاشرا: يستنكر تواصل عدم صدور أمر ترقية 60 قاضيا من دفعة 2017 رغم مداولة المجلس المؤقت للقضاء الإداري وتوجيه مشروع الأمر لرئاسة الجمهورية منذ أوت 2024 وعدم صدور أمر ترقية 11 قاضيا من دفعة 2018 رغم مداولة المجلس المؤقت للقضاء الإداري وتحديد قائمة الكفاءة وتوجيه مشروع الأمر لرئاسة الجمهورية منذ أوت 2025 فضلا عن عدم صدور أوامر الخطط القضائيّة لسد الشغورات وإحداث دوائر ابتدائية لدى المحكمة الإداريّة منذ سنة 2024 ثم توجيه مشاريع أوامر جديدة في أوت 2026 بموجب حدوث شغورات جديدة بما يمثّل تعطيلا لأعمال المجلس المؤقت للقضاء الإداري ونسفا لحقوق القضاة الإداريين.
إحدى عشر: يستنكر عدم إصدار الحركة السنوية للقضاء المالي رغم استيفاء الإجراءات المتعلقة بها من المجلس المؤقت للقضاء المالي بما يشكل مساسا مباشرا بحقوق القضاة الماليين في الترقية والتسمية في الخطط القضائية وتواصلا لشغورات عديدة منذ سنوات أحدثت بغياب المجلس المؤقت منذ تعطيل أداء اليمين لأعضائه كما يجدّد استنكاره لعدم تسديد الشغور على رأس المحكمة وإبقاء منصب الرئيس الأول شاغرا منذ ما يفوق الثلاث سنوات وعدم نشر التقريرين السنويين عدد 33 و34 لمحكمة المحاسبات رغم استكمال كلّ الإجراءات المستوجبة لذلك وتوصّل رئيس الجمهورية بهما.
إثني عشر: يجدّد رغم شدة الظرف وصعوبته، دعوته لكافة القضاة العدليين والإداريين والماليين بمختلف أصنافهم ورتبهم إلى مزيد التمسك باستقلالهم وحيادهم في أداء رسالتهم النبيلة وعدم الخضوع لأي ضغوطات تسلط عليهم مهما كان نوعها ومصدرها ولعب دورهم كاملا في حماية الحقوق والحريات وتفعيل مبادئ المحاكمة العادلة وإعلاء قيمة العدل فالمسؤولية القضائية تبقى شخصية طبق اليمين الذي يؤديه كل قاض والذي يلزمه مهنيا وأخلاقيا بأداء وظيفته بكل حياد ونزاهة وبتوخي سلوك الشرف والأمانة في الاضطلاع بها .
عن المكتب التنفيذي
نائبة رئيس الجمعية
عائشة بنبلحسن