05/02/2026
⚖️جريمة غسل الأموال⚖️
قرار تعقيبي جزائي عدد 53578 بتاريخ 05/05/2017
«حيث أن ما جاء بسند القرار المنتقد من تعريف لجريمة غسل الأموال المنسوبة للمتهمين يكفي لتوضيح عناصرها باعتبارها جريمة ترتبط بالفساد بالمفهوم الواسع العام، فهي عملية تهدف لإضفاء مظهر الشرعية على أموال تم الحصول عليها من مصدر غير مشروع وأن قيامها يقتضي وجودّ جريمة سابقة أصلية أو أولية نتجت عنها أموال (أو عائدات). فتهمة غسل الأموال هي وسيلة تصريف. ّ وطريقة انتفاع بالمال المتحصل عليه من نشاط إجرامي ومشبوه.
وحيث لئن كانت جرمية غسل الأموال تقتضي وجود جرمية أصلية سابقة لها تكون مصدرا غير مشروع للمال، أي أن الأموال غير النظيفة تكون آتية من جرائم جزائية، فإن ذلك لا يستوجب وجود إدانة جزائية سابقة وصريحة للجرمية الأصلية بل يكفي إثبات أن المال الممسوك متحصل عليه من جرمية. ويعد هذا الشرط بمثابة الركن الثالث الخاص بجريمة غسل الأموال (إلى جانب الركنين التقليديين المادي والمعنوي...).
وحيث استخلصت الدائرة بالصفحة الأخيرة من قرارها توفر هذا الركن من تعمد المتهمينَ مخالفة وخرق أحكام وتراتيب قانوني َ الديوانة والصرف والتجارة الخارجية بعدم تصريحهما بمبا وَّرداه خفية من عملة كعدم المرور بالوسيط المالي المعترف به وهي بلا شك جرائم جزائية قائمة.
وحيث أن ما عللت به الدائرة قرارها يتناسق مع أحكام الفصل 92 من قانون 07 أوت 2015 المعرف لجرمية غسل الأموال بالفعل القصدي الهادف بأي وسيلة كانت للتبرير الكاذب للمصدر غيرّ المشروع للأموال فعدم شرعية المصدر بكونه متأتي من جناية أو جنحة أو أي جنحة معاقب عليها بمجلة الديوانة وهي الصورة المنطبقة على واقعة الحال مع التأكيد على ما قيل آنفا من عدم اشتراط القانون لإدانة سابقة في الجريمة الأصلية بل يكفي إثبات وجود الخرق والمخالفة للقانون الجزائي بما يشكل عملا إجراميا كان مصدرا وسببا للأموال موضوع الغسل، أي أن تقوم الحجة بجميع الوسائل على ارتكاب جرمية اصلية دون الحاجة للقطع بها بحكم قضائي سابق أو مزامن لتهمة الغسل.
وحيث تعرضت الدائرة بسند قرارها لركني الجريمة المادي والمعنوي وبينت توفرهما بواقعة الحال فيما نسب للمتهمين وتناسق ذلك مع القانون بالفصل 92 من قانون 07 أوت 2015 ومع التعريف الفقهي والقضائي للتهمة باعتبار أن الركن المادي لجرمية غسل الأموال هو ما تتجسم به في الظاهر من أفعال وآثار (أي المظهر الخارجي الذي تبرز به واقعا) وأن ركنها المعنوي والقصدي هو الإرادة والعلم بارتكابها وسوء النية فيها لكونها جرمية إرادية قصدية يشترط لقيامها العلم بالمصدر غير الشرعي للأموال المزمع إدماجها غسلا (إذ تمر جريمة غسل المال بثلاث مراحل تلخص في :ّ
1-توظيف المال placement son أي إدخال المال في النظام المالي القانوني ليتخلص حائز المال من الموقع والبلد الأصلي.
2 -التمويه: أي بنقل المال وتبادله ضمن النظام المالي القانوني (ويقع عادة بعمليات صرفية على الودائع).
3 -وأخيرا الإدماج Intégration : أي دمج المال نهائيا في المال المشروع لإخفاء مصدره القذر.(ويستنتج هذا الركن المعنوي من الظروف الواقعية.)
وحيث استخلصت الدائرة قيام الحجة الكافية على اتهام المتهمين بجريمة غسل الأموال من الشبهة في ظروف نقل العملة الأجنبية بحقيبة خفية وشحنها جوا وإدخالها للتراب التونسي تحت هوية مزيفة ومن غياب كل أثر لأي تعامل تجاري كسبب ومصدر لها بدفاتر الجمارك التركية ولم تأخذ الدائرة ولم تقتنع بما قدمه المتهمان كمؤيد للإيهام بالاتجار مع أطراف تركية لوجود الشك الكبير في سلامة ما أُدلي به
وحيث كان التعليل الواقعي للاتهام بالقرار المنتقد متناسقا مع نص القانون بالفصل 92 ومايليه من قانون 7 أوت 2015 الذي يخول إثبات عدم شرعية المال بجميع الأدلة والقرائن كانسجم ذلك الاستنتاج مع اتجاه فقه القضاء المقارن (فقه القضاء الفرنسي لسنة 2013 (نحو تسهيل الإثبات في هذا النوع من الجرائم من ذلك الاتجاه نحو قلب عبء الإثبات في التتبع لأجل جريمة غسل المال بمطالبة المظنون فيه بإثبات شرعية مصدر ما بحوزته من مال وفي صورة عجزه تقوم قرينة على الارتكاب.»