08/02/2026
دور المحامي في قانون جنوب السودان
بقلم: الأستاذ سايمون فدريك باسكوالي
ليس المحامي في قانون جنوب السودان مجرّد شخصٍ يحفظ النصوص، ولا آلةً تلوك المواد وتعدّها كما تُعدّ الأشياء الجامدة.
المحامي حكايةُ عدلٍ تمشي على قدمين، وصوتُ من لا صوت لهم، وضميرٌ يقف في وجه السلطة حين تنسى نفسها.
في ساحات المحاكم، حيث تختلط الأوراق بالأنفاس، يقف المحامي أحياناً وحيداً، مسلّحاً بالقانون، ومحمّلاً بوجع موكليه.
هو لا يدافع عن ملف، بل عن إنسان؛ عن أبٍ خذلته الإجراءات، وعن امرأةٍ أرهقها الانتظار، وعن مظلومٍ لم يجد غير باب العدالة يطرقه.
قانون جنوب السودان لم يُنشئ المحاماة كمهنة، بل كرسالة.
رسالة عنوانها النزاهة، وجوهرها الحق، وسقفها العدالة.
فالمحامي ليس تابعاً للقاضي، ولا خصماً للنيابة، بل شريكٌ أصيل في تحقيق ميزانٍ دقيق، إن اختلّ اختلّ معه الإحساس بالأمان في المجتمع كله.
ومع ذلك، ما زال في جنوب السودان من ينظر إلى المحامي بوصفه خصماً، لا بوصفه ضمانة.
ينسون – أو يتناسون – أن حق الدفاع حقٌ دستوري، لا تكتمل العدالة إلا به.
فالمحامي لا يخاصم المجتمع، ولا يتحدّى الضحية، بل يحمي الفكرة الأسمى: أن يُحاكم الإنسان بعدل، لا بعداء.
وقد كفل دستورجنوب السودان إلانتقالي، في نصوصه الواضحة، حق المحاكمة العادلة، وقرّر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تتوافر فيها كل ضمانات الدفاع.
لم يسأل الدستور عن أخلاق المتهم قبل أن يمنحه حقه، ولم يربط العدالة بحُسن السيرة، بل جعلها حقاً أصيلاً لكل إنسان، لا يُنتزع ولا يُساوَم عليه.
وفي بعض الجرائم، يمنع القانون ذاته انعقاد المحاكمة دون وجود محامٍ، لأن العدالة ترفض أن يقف إنسان أعزل أمام سلطة الاتهام وحده.
بل إن الدولة، التزاماً منها بمبدأ سيادة القانون، تُلزم نفسها بتكليف محامٍ للدفاع عن المتهم متى عجز، حتى وإن كان مذنباً.
لا حباً في الجريمة، بل احتراماً لمبدأ المحاكمة العادلة، ذلك المبدأ الذي يُختبر صدقه عندما يكون المتهم مكروهاً، لا محبوباً.
فالعدالة الحقة لا تُقاس بمدى كراهية المتهم، بل بقدرتها على أن تكون منصفة حتى مع من أخطأ.
لأن من يدافع اليوم عن متهمٍ مُدان، إنما يحمي غداً بريئاً قد يُظلم.
وهنا تتجلّى قيمة المحامي: حارساً للإجراءات، وحامياً للميزان، وضامناً لأن لا يتحوّل القانون إلى أداة انتقام.
المحامي الحقيقي قد لا يربح كل القضايا، لكنه لا يخسر شرفه أبداً.