26/09/2026
مذكرات محامٍ تحت التمرين (10)
العلاقة بين القضاء الجالس والقضاء الواقف وفق قواعد الاحترام
أساس لعدالة تمشي بين الناس
حينما جئت إلى مدينة الدويم في بداية حياتي المهنية، والتحقت بالمحاماة، كان أكثر ما لفت انتباهي العلاقة الودودة التي ربطت بين العاملين في أذرع العدالة المختلفة، بما فيها القضاة والمحامين ووكلاء النيابة، وكانت السمة الغالبة أنهم يمثلون فريقاً واحداً ويخدمون قضية مقدسة هي بسط العدالة، ويعملون بتناغم قلَّ أن تشوبه الخلافات الإنسانية. وانعكس ذلك على حسن التعامل المهني في قاعات المحكمة وفي أعمال النيابة والشرطة.
ساعد على هذا الجانب أن الأقاليم عادةً ما تتميز بروابط اجتماعية وثيقة يصعب الفكاك من أسرها. ومما يلفت النظر أن معظم العاملين في الحقل العدلي، بما فيهم المحامون، لم يكونوا من أبناء المدينة، وإنما مهاجرين استهواهم مجتمع المدينة الفاضل، فوضعوا ركابهم واستقروا بصورة نهائية. وفي مقابل هذه الصورة الزاهية، كانت الوضع في المدن الكبيرة أقل إشراقاً، فقد يقل الاحترام عن المستوى المطلوب. وكثيراً ما نشأت توترات بين القضاة والمحامين إلى المدى الذي دعا القضاة إلى التصرف الحاد تجاه المحامين، بما في ذلك الطرد من القاعة وفتح بلاغات ضدهم، وقيام المحامين، في المقابل، برفع الشكاوى ضد القضاة والمطالبة بتنحيهم.
منذ بداية النظام العدلي في العهد الوطني، لاحظ رئيس القضاء ضرورة وضع قواعد صارمة لإرساء الاحترام اللازم، فأصدر المنشور رقم (23) لسنة 1952، وصدّره بعبارات تحمل شيئاً من التخوف من انحدار مستوى التعامل المطلوب، فذكر أنه نشأت، منذ وقت قريب، قضايا لم يُعامل فيها القضاة بالاحترام الواجب لمنصة القضاء من أشخاص حاضرين للمحاكمات، ومن ثم أكد أن قانون القضاء المدني يمنح المحكمة صلاحية إصدار الأوامر الضرورية لتحقيق العدالة أو منع إجراءات المحاكمة. وبالطبع فإن هذا التأكيد في محله. فالنظام داخل قاعة المحكمة منوط بقدرة القاضي على إدارة الجلسة من خلال فرض روح النظام والاحترام، ليس من خلال الصوت العالي والصراخ، وإنما القدرة على إدارة نظام العدالة وفق القانون.
في إطار تنظيم العلاقة بين القضاة والمحامين، صدر المنشور القضائي رقم (2) لسنة 1987، وأشار إلى خصوصية الصلة المتميزة التي تربط بين القضاة والمحامين، وحثهم على تغليب روح الزمالة القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون في التعامل فيما بينهم، بغية تحقيق الهدف الذي ينشدونه جميعاً، وهو تحقيق العدل وتوفير للكافة. ودعا المنشور إلى نبذ الحساسية التي تطفو على العلاقة بينهم، مما يؤدي إلى مواجهات من حين لآخر أثناء إجراءات التقاضي، تترتب عليها أضرار بالغة الخطورة، بالإضافة إلى ما قد يترتب عليها من إجهاض للعدالة، وتضمن عدة توجيهات لضبط هذه العلاقة.
إلا أن هذا المنشور لم يكن كافياً لإزالة الحساسيات التي تحدث بين حين وآخر بين القضاة والمحامين، مما أدى إلى صدور منشور آخر من رئيس القضاء في 19 أكتوبر 1995، أوضح فيه عدة قواعد تضبط العلاقة بين القاضي والمحامي، وهي:
1- تدوين الوقائع وطلبات المحامين في محضر الإجراءات يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، وليس مطلوباً منه تدوين كل ما يدور في المحكمة دون تفريق في ذلك بين ما هو منتج في الدعوى وما هو غير منتج فيها، إلا أن دقة هذه السلطة لا تقتصر على مرحلة المحكمة الابتدائية التي تباشر الدعوى، وإنما تتعداها إلى المرحلة الاستئنافية على اختلاف درجاتها، والتي تعتمد في تقديراتها على ما هو مدون بالمحضر. مما يلزم معه أن يكون المحضر سجلاً أميناً لكل ما من شأنه أن يمكّن السلطة الاستئنافية من مباشرة واجباتها في مراجعة ما هو محل طعن أمامها. ومن ثم يلزم على القضاة أن يحرصوا على تدوين كل ما من شأنه التأثير على أي قرار في النزاع، بما في ذلك طلبات المحامين التي يرون رفضها، دون ضجر من التفاصيل. وفي حالة الشك فيما إذا كان الأمر منتجاً أو غير منتج، فإن الفطنة تقتضي أن يتم تدوينه، نظراً إلى ما قد يترتب على عدم تدوينه من ضرر يستحيل تلافيه مستقبلاً. على أنه إذا رأت المحكمة عدم تدوين أي طلب، فيمكن للمحامي أن يتقدم بطلبه كتابةً ليكون ضمن محضر الإجراءات.
2- انسحاب المحامين من الجلسات حق لا يمكن تقييده عملياً على وجه يتجه إلى إجبار المحامي على البقاء في الجلسة رغم عدم رغبته في ذلك، ولكن يحيطه القانون بشروط تنطوي على الحفاظ على مصالح دقيقة، منها ما يتعلق بالموكل والخصم الآخر، ومنها ما يتعلق بسير العدالة نفسها. فلا يجوز للمحامي أن يتنحى عن وكالته إلا إذا أخطر موكله بخطاب مسجل كلما كان ذلك عملياً، وعليه أن يستمر في مباشرة إجراءات الدعوى لمدة معقولة من تاريخ هذا الإخطار إلى أن يقوم موكله بتوكيل محامٍ آخر.
3- في حالة المشادات التي تحدث بين القضاة والمحامين، والتي أصبحت تتخذ فيها الإجراءات الجنائية في مواجهة المحامي، فمن الضروري الإشارة إلى أن ضبط الجلسة وإدارتها منوطان بالقاضي، ولكن عليه في ذلك مراعاة أحكام قانون المحاماة، الذي أوجب أنه إذا وقع من المحامي، أثناء حضوره أمام المحكمة لأداء واجبه أو بسببه، إخلال بالنظام أو أي أمر يستوجب مؤاخذته تأديباً أو جنائياً، ترفع المحكمة الجلسة فوراً، ويقوم رئيسها بتحرير محضر بما حدث ويحيله إلى رئيس لجنة قبول المحامين.
من أوائل القضايا المنشورة التي تناولت العلاقة بين القاضي والمحامي هي قضية الأستاذ عبد الرحمن كورتي، والتي أدانت فيها المحكمة المحامي عبد الرحمن كورتي بسبب رده على المحكمة بصوت مرتفع ورفضه الخروج من القاعة. وعند رفع القضية للاستئناف، قررت المحكمة العليا أن مجرد رفع الصوت، حتى لو كان مزعجاً، لا يعني بالضرورة وجود قصد لإهانة المحكمة. كما أكدت بصورة صريحة أهمية العلاقة بين القضاء الجالس والواقف، وأن للمحامي حقاً أصيلاً في أن يُسمع باهتمام وأن يبقى في المحكمة ما دام ملتزماً بآدابها، في مقابل واجبه في الالتزام بأخلاقيات المهنة. كما قررت أن استعمال سلطة المحكمة في مواجهة المحامي يجب أن يكون بحذر، وألا يتحول كل إصرار أو حماس من المحامي في الدفاع عن موكله إلى جريمة إهانة للمحكمة.
العلاقة بين القضاء الواقف والجالس لا تنشأ على القواعد القانونية وحدها وإنما على الشعور الانساني ايضاً بضرورة الاحترام بينهما وهو أمر لازم لافكاك عنه لعدالة تمشي بين الناس.
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب