11/03/2023
قبل ايام قليلة عندما كنت اسير في الحي استوقفت رجل عجوز في ال٨٠ من عمره ، وأضح انه يسكن في احدى المباني المجاورة لسكني في مدينة الرياض، أقتربت منه ووضعت يدي اليسري علي كتفه وسلمت عليه بيدي اليمنى .. وهو لا يعرفني ولا اعرفه ، ثم سألته ماذا يمكن أن يأخذه شاب مثلي من نصيحه من رجل بلغ هذا العمر.. قلت له اعطني شيء استخدمه في حياتي... امشي عليه..
ابتسم الرجل ثم اخرج آهة طويلة ، وقال باللهجة الاردنية أو اللبنانية ربما : هاد عمر صعب جدا.. ازمه حقيقية!
ثم اخبرني انه جمع من المال والثروات ، ما جمع وتزوج وانجب ربما ٩ ابناء لكنه الآن يسكن وحده مع إحدى بناته ضاع المال وتفرق الابناء .. ومعي الآن العجز والكبر والوحدة ، وواصل لا شيء باقي سوى القرب من الله!
شعرت بما يشعر به تماما وهو يكلمني ، وسألت نفسي ، هل يفرق معه في هذه اللحظة عدد الدول التي سافر اليها في عمره او عدد النساء الجميلات اللاتي وقعن في غرامه..او عدد المناصب والسلطات التي كانت له في شبابه او عدد الليالي الحمراء الماجنة مع زوجاته.. وعدد الاموال التي جمعها والابناء الذين انجبهم !
هل يا ترى ما زال يقدس هذه الاشياء التي يظنها البعض انها متعة الحياة ... بالطبع لا حيث صرخ مع تلك الآهة التي خرجت منه..... بالكفر بكل هذه المتعة الوهمية المؤقته التي تمنحها لك الحياة ويزخرفها لك الشيطان .. حيث أخبر بعدها لا شيء يدوم سوى القرب من الله!!.
ثم اقشعر بدني وانا استطرق السؤال في طبلة أذني... شبابك فيما ابليته!! وانا اراجع شريط شبابي منذ ال١٨ عاماً.. حتى عمر هذا العجوز ... عمره الذي بلغته عندما وضعت يدي فوق كتفه !.
اااه كم انا آثم منذ ان بلغت 18 ... ومازال هذا الآثم يتبعني وانا احاول جاهدا التخلص منه!!
كيف لي عندما ابلغ عمر هذا العجوز الذي لسان حاله يقول لو آتى الموت لكان افضل و ارحم، صحيح انه يتبسم ويمشي ولكنني شعرت به فارغ تماماً من اي متعة في هذه الحياة لن تلمع عينيه مجددا ابدا لاي شيء يراه ولن يحرك فيه عرش بلقيس ساكناً لو اتاه !! حيث كان يمسك يدي بقوة بينما يتحدث وكأنه يريد ان يوصل لي شعوره ان الأمر ابعد من مجرد كلمات... انها معاناة حقيقية!! وهزيمة واقعية!
ضعف بعد قوة انكسار بعد تكبر وتجبر !. ما اقسى الحياة .. ما هي العبرة التي يوصلها لنا كبار السن؟؟ . انها من ابلغ العبر لو نعلم..! ربما ابلغ من الموت نفسه ... حيث تهدم الملذات وانت على قيد الحياة...
سأصل ربما بعد ٩ سنوات فقط الى عمر الاربعين وانا في الثلاثين من عمري قد بعث العجز اول ملامحه في جسدي.. بذلك البياض الذي بدأ يعلو رأسي ، فهناك قد تتساوي طعم الاشياء في نظري، فحين تصل إلي الاربعين اعلم أن ثلثي يومك قد انقضى ،، وانك في الثلث الاخير من ليلاً أوشك صباحه، وان رحيلاً قريب أوشك ،ولقاءٌ قريبٌ اوشك
فتستوي عندك الأشياء فلا تصبح لفرحهٍ عليك سلطة تغرك ، ولا لحزن عليك سطوةً تضرك ..
لا شيء يغريني لا شيء يثيرني انا مستسلم تماماً لإرادة الله وكل دعواتي ان يحرمني الله من لذة معصيته ويرزقني لذة طاعته.. اعرف ان للطاعة لذة قد تفوق لذة المعصية وقل من ينالها....
انا آثم و غير صالح ولكنني واثق ان الله سيصلحني... ويهديني ويرزقني ويعافيني ، جميل المعافاة .. فكم من ظلام قد تبدد بمعافته وكم من طريق قد فتح برزقه ورحمته .. انه اللطيف الخبير!!