المحامي السوداني

المحامي السوداني استشارات قانونية

22/03/2023

(اعتبار دعوى التعويض أو الادعاء بالحق المدني في إطار الدعوى الجنائية قائم على غير أساس في حالة عدم تحصيل الرسوم ، يكون له أثره قبل النظر في طلب التعويض وذلك لأن سداد الرسوم قيد على نظر الدعوى وليس سبباً لها حتى تعتبر دعوى التعويض قائمة على غير أساس)............................


بسم الله الرحمن الرحيم



المحكمة القومية العليا



القضاة:

سعادة السيد / محمـد حمـد أبوسـن

نائب رئيس القضاء

رئيساً

سعادة السيد / عبدالله الفاضل عيسـى

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / نور الدين علي عبد المجيد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / جعفر صالح محمد أحمـد

قاضي المحكمة العليا

عضواً

سعادة السيد / محمد سعيد بابكرخوجلي

قاضي المحكمة العليا

عضواً





حكومة السودان //ضد// ح. ف. ا.

م ع/ ط ج/499/2002م

مراجعة/180/2003م



قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – الدعوى الجنائية – الادعاء بالحق المدني – الفصل في الدعوى – عدم سداد الرسوم – أثره – كيفية معالجته.



المبادئ:



1- اعتبار دعوى التعويض أو الادعاء بالحق المدني في إطار الدعوى الجنائية قائم على غير أساس في حالة عدم تحصيل الرسوم ، يكون له أثره قبل النظر في طلب التعويض وذلك لأن سداد الرسوم قيد على نظر الدعوى وليس سبباً لها حتى تعتبر دعوى التعويض قائمة على غير أساس.



2- إشكالية الرسوم في مثل هذه الحالة وغيرها يمكن معالجتها في إطار التنفيذ أو بموجب أي إجراء آخر إلا أنه لا يمكن النظر إليها كسبب مستقل لإلغاء الأحكام.



رأي مخالف:

تكون المطالبة بالتعويض وفق قانـون الإجراءات المدنية مما يعني دفع الرسوم المقـررة وإذا لم يتم دفعها يكون الحكم بالتعويض قل أو كثر بلا أساس.



الحكــم



القاضي: عبد الله الفاضل عيسى

التاريخ: 21/10/2005م



هذا طلب لمراجعة حكم المحكمة العليا (ط ج/499/2002م الذي انتهى إلى إلغاء حكم محكمة الاستئناف 145/2002م) الذي انتهى إلى حكمٍ بإلغاء حكم محكمة الموضوع ، وإعادة الأوراق إليها لإعادة النظر في التعويض المحكوم به ل هـ . ص. - الشاعر.



قبلت السلطة المفوضة الطلب ، وشكلت هذه الدائرة للبت الموضوعي فيه . وبحول الله نقرر فيه بالتقديم بجوهر الوقائع أن الشاكي أسس دعواه على إهدار حقه المادي والأدبي في قصائده الغنائية ببثها عبر التلفزيون دون مكافأته مادياً ، الأمر الذي يشكل مخالفة لقانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م.

أدانت محكمة الموضوع المتهم (التلفزيون) وأيدتها محكمة الاستئناف والمحكمة العليا ، لكن الخلاف كان يدور ولا يزال حول التعويض المادي الذي لم تحكم به محكمة الموضوع في حكمها الأول وحكمت بمبلغ 1.600.00 في حكمها الثاني ، ويطمع الشاكي في المزيد عبر المراجعة.

لذلك لا نود أن نخوض في أمر الإدانة ، وقد قبلها المحكوم ضده نفسه ولأن المثار أمامنا الآن هو أمر التعويض من حيث كفايته من عدمها لا من حيث أساسه.

في تقديرينا يحكم الأمر نص المادة (35) من قانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م والتي عقدت الاختصاص للمحكمة الأولى للنظر في دعاوى التعويض للاعتداء المقصود أو غير المقصود على حق المؤلف . ثم ينتقل المشرع في الفقرات اللاحقة لما يجوز للمالك من طلبات أمام المحكمة التي تنظر الدعوى الجنائية القائمة على الاعتداء على حق المؤلف ، كأنما المشرع عاد بالأمر سيرته الأولى ، قبل ما كنا نقدر أنه خطوة للإمام بتوسيع اختصاص المحاكم الجنائية السلطات المدنية ، فالمشرع يعلم بهذا التقدم وبما تضمنه قانون الإجراءات الجنائية 1991م في المادتين (141) و(204) منه وما نص عليه القانون الجنائي في المادة (46) من جواز التعويض أمام المحكمة الجنائية لكنه في ما يبدو نظر إلى طبيعة الدعوى وطبيعة التعويض المطلوب الذي لا يؤسس على ضرر مادي كحال الجرائم الجنائية معظمها إن لم يكن كلها بل هو ضرر معنوي يصعب تقديره مالياً إلا بجهد جهيد ، لم يرد للمحكمة الجنائية أن تنشغل به وكأني بالمشرع أراد للمؤلف إن أراد أن يحمي حقه بالوسيلة الأولى (الدعوى الجنائية) له ذلك أمام محكمة الجنايات المختصة وفق قانون الإجراءات الجنائية وإن أراد بعد ذلك التعويض المالي فله ذلك أمام المحكمة المدنية ، وبسلطات المحكمة من الدرجة الأولى خاصة إذا ما استصحبنا أن الحق في التعويض لا يسقط إلا بمضي خمسين عاماً (المادة (39) من القانون) وراجع المادة (38) في عناصر التعويض إن وضعنا ذلك في الاعتبار إلى جانب ما لاحظته المحكمة العليا في مرحلة الطعن , بحق ، من عدم سداد المدعي بالحق المدني للرسوم ، وإن كانت الدعوى تعتبر دعوى مرفوعة من تاريخ سداد الرسوم وبما أن سداد الرسوم أمر وجوبي بموجب المادة (1) من الأمر السادس فإن الادعاء بالحق المدني أمام المحكمة الجنائية أصبح بلا أساس ولم تتبع فيه أحكام قانون الإجراءات المدنية وفق ما نصت عليه المادة (46) من القانون الجنائي ، وهي مادة الأساس للحكم بالتعويض وعطفاً على ما سبق أن أوردناه نقرر بحول الله إلغاء حكم المحكمة العليا فيما تعلق بأمر التعويض وحكم محكمة الاستئناف والموضوع فيما يتعلق به أيضاً دون المساس ببقية الحكم ليتاح للمدعي مدنياً أمام المحكمة الجنائية الادعاء أمام المحكمة المختصة على النحو الذي أشرنا إليه في المادة (35) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م.



إضافة إلى ما سبق بشأن اختصا ص المحكمة المدنية بنظر التعويض وتوضيحاً لهذا المنحى فإن قراءة نص المادة (35) من القانون تبرر القول بأن المشرع أراد أن يجعل الاختصاص للمحكمة المدنية ذات السقف المفتوح (الدرجة الأولى) وفق المادة 19(1) من قانون الإجراءات المدنية 1983م ذلك لأن التعويض هنا تعويض معنوي وقد يكون كبيراً لأن هذا ما يرضي طموح وإعزاز صاحب الحق المنتهك حقه ، وهذا قد يتجاوز سلطات المحكمة الجنائية المدنية الموازية ، (142 إجراءات جنائية 1991م).



إن كان المشرع يريد المحكمة الجنائية لكان أسماها باسمها الذي اختاره لها (محكمة جنائية أولى) لكانت صياغة النص تكون (تختص المحكمة الجنائية الأولى بنظر دعاوى التعويض) فالدعوى هنا دعوى التعويض دعوى مدنية ، وليس ادعاءً بالتعويض كحالة ممارسة المحكمة الجنائية سلطتها المدنية ذلك لأن الاختصاص ينعقد للمحكمة الجنائية أصلاً بالدعوى الجنائية التي لها أن تنظر في الادعاء بالتعويض (204) إجراءات جنائية ويجب أن تشمل ورقة الاتهام ادعاءً بذلك (التعويض) فالمقبول والمثار والمقام هنا هو ادعاء بالتعويض وأن استخدام المشرع مصطلح دعوى التعويض في سياق ذات النص فذلك لأن المادة 7(1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م جعلت للمحاكم الجنائية سلطة الفصل القضائي في (الدعوى الجنائية) ولا يستقيم أن تختص ذات المحكمة الجنائية بدعوى أخرى هي الدعوى المدنية لخروج ذلك عن اختصاصها المحدد بالدعوى الجنائية فما يستقيم بحكم قانون المنطق ومنطق القانون أن تختص المحكمة الجنائية بالدعوى الجنائية ومن خلالها تنظر الادعاء المدني بالتعويض.



ثم ألا يعني مبادأة المشرع بالنص على التعويض هو أول ما يترتب من آثار قانونية على الاعتداء والذي يجبره أساساً التعويض لأن الحق نفسه قصد منه التعويض المالي وليست العقوبة في حد ذاتها. ولذلك كان للمدعي الجواز في أن يدعي مدنياً إن كان يريد حقه الطبيعي وأن يلجأ للمحكمة الجنائية إن أراد فقط توقيع العقوبة وإن أرادهما معاً يلجأ للمحكمتين كل في مجال اختصاصها.



ثم أليس القانون الخاص يقيد العام وهذا بشأن قانون حماية حق المؤلف بالنسبة للقانون العام (القانون الجنائي) ثم أليس مطلوباً استصحاب نص المادة (140) إجراءات جنائية 1991م أحسب أنه كذلك ولمن يحسب خلاف ذلك العتبى حتى يرضى.



القاضي: نور الدين علي عبد المجيد

التاريخ: 21/12/2005م



المواد (34)و(35) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م تتحدث عن الاعتداء على حق المؤلف وتعتبره جريمة – والمادة (35) تحدد المحكمة المختصة بنظر الدعوى الجنائية كما تنص المادة (38) من ذات القانون بأنه يجوز لمالك حق المؤلف أن يطالب في دعواه – أي الدعوى الجنائية – بجميع الحقوق المتعلقة بالتعويض ، التعويض المالي في الدعوى الجنائية يحكمه نص المادة (46) من القانون الجنائي لسنة 1991م إذ يجوز للمحكمة الجنائية أن تحكم بالتعويض وفقاً لأحكام قانون المعاملات والإجراءات المدنية ؛ وهذا يعني أمرين أن تتم الإدانة وأن تكون المطالبة بالتعويض وفق قانون الإجراءات المدنية مما يعني دفع الرسوم المقررة ؛ وبما أنه في دعوانا هذه لم تدفع رسوم ؛ فيكون الحكم بالتعويض قل أو كثر بلا أساس كما جاء في رأي أخي الكريم مولانا/ عبد الله.



وعليه أرى إلغاء حكم المحكمة العليا موضوع المراجعة ويستعاد حكم محكمة الاستئناف.



القاضي: جعفر صالح محمد أحمد

التاريخ: 10/9/2005م



تتلخص الوقائع وبالقدر الذي يمكنني من إبداء الرأي في طلب المراجعة أنه قد سبق وصدر حكم في الدعوى الجنائية التي أقامها الشاكي هـ . ص. في مواجهة الهيئة القومية للتلفزيون متهماً إياها بانتهاك حقوقه الأدبية والمادية ، يقضي بإدانتها والحكم عليها بغرامة قدرها مليون جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة شهر كما قضى الحكم أيضاً باستمرار وقف بث أغاني الشاكي في التلفزيون ، ونقول على سبيل الاستطراد أن الشخصية الاعتبارية وإن كان لا يحكم عليها بالسجن كعقوبة أصلية فلا يتأتى الحكم عليها بالسجن كعقوبة بديلة ، والغرامة تحصل في مثل هذه الحالة وفقاً لمقتضى المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية . وباستئناف هذا الحكم من طرفي الخصومة انتهت محكمة الاستئناف بموجب حكمها رقم 1233/2001م إلى تأييد الإدانة والعقوبة وإلغاء الأمر بوقف البث مع إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر والفصل في طلب التعويض وفقاً لما جاء في المذكرة . وبالطعن بالنقض في شق الحكم المتعلق بإلغاء الأمر باستمرار وقف البث انتهت المحكمة العليا بموجب الطعن الجنائي رقم 22/2002م إلى نقض شق الحكم المطعون فيه واستعادة حكم محكمة أول درجة القاضي باستمرار وقف البث . وبإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر في شأن التعويض انتهت بعد السماع إلى الحكم للشاكي بتعويض قدره 160 ألف دينار . وباستئناف هذا الحكم من قبل الشاكي انتهت محكمة الاستئناف محافظات أم درمان بموجب حكمها رقم أ س ج/945/2002م إلى إلغاء الحكم بالتعويض مع إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لإعادة النظر في مقدار التعويض وفقاً لما ورد في مذكرة الحكم. وبالطعن بالنقض في هذا الحكم من قبل التلفزيون انتهت المحكمة العليا بموجب حكمها رقم ط ج/499/2002م إلى إلغاء حكم محكمة الاستئناف واستعادة حكم محكمة أول درجة فكان حكم المحكمة العليا هذا موضوع طلب المراجعة الماثل . وبالنظر في طلب المراجعة انتهى الزميل في الرأي الأول إلى إلغاء كافة الأحكام المتعلقة بالتعويض لعدم الاختصاص إضافة إلى أن الادعاء بالحق المدني أمام المحكمة الجنائية قد أصبح بلا أساس لعدم سداد الرسوم . وقد ذهب الزميل في الرأي الثاني إلى مسايرة صاحب الرأي الأول فيما يتعلق بعدم سداد الرسوم كسبب لإلغاء الحكم بالتعويض وإن اختلف معه بشأن الاختصاص وقد انتهى إلى إعادة الدعوى لمحكمتها ليتم تحصيل الرسوم عن مقدار التعويض المطالب به ومن ثم تصدر محكمة الموضوع حكمها.



وأنا أتفق مع الأخوة في الجملة على إلغاء حكم المحكمة العليا موضوع المراجعة وإن اختلف المدخل والمطلع للإلغاء من حيث التسبيب والهـدف والمآل . وأنا ألج من بوابة استعادة حكم محكمة الاستئناف ليكون الهدف من وراء الإلغاء ليس لمجرد تحصيل الرسوم وإن كان الظرف مواتياً وإنما الهدف من وراء ذلك إعادة النظر في أمر التعويض لأنه لم يتم على أسس موضوعية فيما يتعلق بالضرر المادي أو على أساس عادل فيما يتعلق بالضرر الأدبي أي بمعنى أنني أتبنى تسبيباً مختلفاً أختلف فيه كلياً مع صاحب الرأي الأول وجزئياً مع صاحب الرأي الثاني أي أني أختلف مع اتفاقهما وأتفق مـع اختلافهما . فمن ناحية أولى فإنني أختلف مع اتفاقهما في شأن الرسوم وأتحفظ على تقرير اعتبار دعوى التعويض أو الادعاء بالحق المدني في إطار الدعوى الجنائية قائم على غير أساس في حالة عدم تحصيل الرسوم والتعويل على ذلك كسبب مستقل قائم بذاته لنقض الأحكام خاصة وأنه لم يصدر من المحكمة أَمرٌ باستيفاء الرسوم وإغفال المحكمة لا يسأل عنه الخصوم وقد يكون لذلك تأثيره قبل النظر في طلب التعويض لا بعد الفصل فيه وإشكالية الرسوم في مثل هذه الحالة وغيرها يمكن معالجتها في إطار التنفيذ أو بموجب أي إجراء آخر إلا أنه لا يمكن النظر إليها كسبب مستقل لإلغاء الأحكام وسداد الرسوم قيد على نظر الدعوى وليس سبباً لها حتى تعتبر دعوى التعويض قائمة على غير أساس كما ذهب الأخوة ، وعموماً فإن الرسوم قد يعُفى منها وقد يؤجل سدادها وعلى كل حال فإن حدة الجدل في هذا الشأن قد تخفت ما دمنا لن ننظر لعدم تحصيل الرسوم كسبب مستقل وإنما في إطار ما توفر من أسباب أخرى موضوعية لإلغاء الحكم موضوع المراجعة وإعادة الأوراق لمربعها الأول يمهد الطريق أمام محكمة الموضوع للتعامل مع أمر تحصيل الرسوم على نحو تتحقق به العدالة . وأما من الناحية الثانية فإنني أتفق مع اختلاف الأخوين في شأن الاختصاص وأشاطر الأخ نور الدين الرأي والنظر ولا أرى أن نص المادة (35) من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة لسنة 1996م يشكل تراجعاً من قبل المشرع فيما يتعلق بالاختصاص المدني للمحكمة الجنائية أو فيه مساس بالسلطات المدنية للمحكمة الجنائية وبالرجوع للفصل السابع من قانون حماية حق المؤلف لسنة 1996م نجد أن مواده الخمسة التي تبدأ بالمادة (34) وتنتهي عند المادة (38) متعلقة بالاعتداء على حق المؤلف والآثار القانونية فالمادة (34) خاصة بتجريم الاعتداء والمادة (35) ببنودها الأربعة متعلقة بالمحكمة المختصة وسلطاتها فيما يتعلق بنظر التعويض للاعتداء المقصود أو غير المقصود على حق المؤلف ، وأما المادتان (36) و(37) فخاصتان بالعقاب في حين أن المادة (38) خاصة بالتعويض المدني للاعتداء على حق المؤلف والنظر لمواد هذا الفصل كحزمة واحدة يقودنا للقول بأن المحكمة المختصة بالنظر في دعوى التعويض وفقاً لمقتضى المادة (35) هي المحكمة الجنائية والبند الثالث من المادة المذكورة يشير إلى هذا الاختصاص بوضوح والقيد كونها من الدرجة الأولى أي بمعنى أن القيد هنا قيد سلطة لا قيد اختصاص ، واختصاص المحكمة المدنية بالتعويض لا يحتاج إلى نص ، فالمادة (35) من قانون حماية حق المؤلف تتناغم ولا تتنافر أو تتعارض مع غيرها من مواد القانون الجنائي وإجراءاته ذوات الصلة فيما يتعلق بالسلطات المدنية للمحكمة الجنائية . وأما من الناحية الثالثة فإن الفصل في الدعوى الجنائية لا يحجب الاختصاص وليس لذلك تأثير على ممارسة المحكمة الجنائية لسلطاتها المدنية فيما يتعلق بالادعاء الذي أثير أمامها ابتداء في إطار الدعوى الجنائية وبسببها وأياً كان الحال فإن النظر والفصل في دعوى التعويض أمام المحكمة الجنائية يتم وفقاً لما هو منصوص عليه في قانوني المعاملات المدنية والإجراءات المدنية وتسري عليه قاعدة ترجيح البينات فيما يتعلق بالإثبات . والمشرع أراد بذلك للدعوى الجنائية أن تنهي أثار الجريمة وتحسم أية نزاع يثور لئلا يكون هنالك إهدار للجهد والوقت بتقطيع أوصال الدعوى وتجزئتها ، وما يمكن أن يترتب على ذلك من عنت ومشقة على الأطراف . وأما من الناحية الرابعة وفيما يتعلق بالنظر الموضوعي فإن للمؤلف على مؤلفه حقوقاً مادية وأدبية وأن المشرع أحاط هذه الحقوق بسياج من الحماية جنائياً بالعقاب ومدنياً بالتعويض ونطاق التعويض المدني للاعتداء على حق المؤلف وفقاً للمادة (38) من قانون حماية حق المؤلف أنه يجوز لمالك حق المؤلف أن يطالب في دعواه بجميع الحقوق المتعلقة بالتعويض المالي ويجوز أن يكون التعويض على فوات الكسب وعلى الاعتداء على سمعة مالك المؤلف أي بمعنى أن التعويض يشمل أيضاً الضرر الأدبي . والتعويض عن الضرر أياً كان نوعه يقدر دائماً وبحسب الأصل بالنقد ، إلا أنه تبعاً للظروف وطلب المضرور يجوز للمحكمة أن تأمر بإعادة الحال إلى ما كان عليه أو بأداء أمر معين يتصل بالفعل الضار وذلك على سبيل التعويض . وأما فيما يتعلق بالمعيار في تقدير ما يلزم من تعويض لجبر الضرر فإنه يختلف تبعاً لاختلاف نوع الضرر أو طبيعة الحق المعتدى عليه . فتعويض الضرر المادي يقوم على أساس موضوعي مقتضاه تحديد الضرر بحيث يمكن تقييمه وجبره ، والمحكمة تقدر التعويض في مثل هذه الحالة بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب مراعية في ذلك الظروف الملابسة ، والشرط دائماً أن يكون ما أصاب المضرور نتيجة طبيعية للفعل الضار . وأما تعويض الضرر الأدبي يكون بقدر ما يلزم لجبر الضرر تبعاً للظروف وما هو مطروح من بينات والتعويض نقداً متروك للمحكمة تقدره حكومة عدل قياساً على ارش الجراح ، والمعيار الذي يحكم سلطة المحكمة في التقدير أن يكون عادلاً ومناسباً دون غلو في أي من كفتي الميزان . وأخيراً وبتنزيل ما تقدم من نظر على ما انتهى إليه الحكم موضوع المراجعة من إلغاء لحكم محكمة الاستئناف واستعادة حكم محكمة أول درجة نجد أن حكم محكمة الموضوع الذي تم تأييده من قبل المحكمة العليا قد انطوى على العديد من الأخطاء الإجرائية والموضوعية التي كان لها تأثيرها المباشر على سلامة الحكم والفصل فيه على نحو عادل إذ أن محكمة أول درجة لم تضمن ورقة الاتهام الادعاء بالتعويض من حيث الأساس الذي تقوم عليه الدعوى ونوع الضرر ومقدار التعويض وسماع رد المتهم حتى يتسنى لها تحديد نقاط النزاع ومن يقع عليه عبء الإثبات وسماع قضيتي الادعاء والدفاع في هذا الشأن ومن ثم الفصل في النزاع على النحو المرسوم تفصيلاً في قانوني الإجراءات المدنية والمعاملات المدنية . وإذا تجاوزنا هذه المحطة نجد أنه بالرغم من مطالبة الشاكي بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي كلا على حده إلا أن المحكمة حكمت بالتعويض إجمالاً دون بيان إن كان الحكم بالتعويض متعلقاً بهما معاً أو بأحدهما فإن كانت الأولى فما المقدار المحكوم به لكل منها ، وما معيار التقدير ؟ وأما إذا كانت الثانية فبأي منهما تعلق التعويض ؟ وماذا عن الآخر وإضافة إلى هذا الإغفال فإنه يؤخذ على حكم محكمة أول درجة اعتمادها على اللائحة المالية للمشكو ضده في تقدير التعويض وهذه اللائحة لا تحكم حالات التعدي على حق المؤلف بأي حال من الأحوال . كما أنه يضاف إلى ذلك أيضاً أن مقدار التعويض المحكوم به جاء ضعيفاً قياساً على الحقوق المعتدى عليها والغرامة المحكوم بها ومقدار المطالبة، وعليه إزاء هذا الواقع لا يكون أمامنا سوى إلغاء حكم المحكمة العليا المؤيد لهذا الحكم ومن ثم إعادة الأوراق لمحكمة أول درجة للسير في دعوى التعويض من جديد وذلك على هدي ما ورد في هذه المذكرة ومذكرة محكمة الاستئناف من نظر إجرائي وموضوعي مع معالجة أمر تحصيل الرسوم قبل النظر في الدعوى وفقاً للقانون . وبالنتيجة يلغى حكم المحكمة العليا موضوع المراجعة ويستعاد حكم محكمة الاستئناف.



القاضي: محمد حمد أبوسن

التاريخ: 8/10/2005م



أوافق مولانا/ جعفر صالح فيما توصل إليه بأن مقدار التعويض المحكوم به بوساطة محكمة الموضوع قد جاء ضعيفاً وأنه لا بد من إعادة النظر فيه بوساطة محكمة الموضوع بعد إلغاء حكم المحكمة العليا المؤيد له . على أن تعيد محكمة الموضوع النظر في أمر التعويض على ضوء مذكرة الاستئناف وكذلك على ضوء مذكرة الأخ/ جعفر صالح.





القاضي: محمد سعيد بابكر خوجلي

التاريخ: 8/10/2005م



أوافق ، كان هذا رأيي قبل المداولة وبعدها مع احترامي للرأي المخالف الوارد في مذكرة الرأي الأول لمولانا/ عبد الله الفاضل.



الأمر النهائي:

1- يلغى حكم المحكمة العليا موضوع المراجعة.

2- يستعاد حكم محكمة الاستئناف.



محمـد حمـد أبوسـن

قاضي المحكمة العليا

نائب رئيس القضاء

ورئيس الدائرة

19/10/2005م

20/03/2023

((أريد الإشارة الى خطأ كثيراً ما يقع فيه الإخوة القضاة من ان الإفراز من اختصاص المحكمة المدنية ( انظر حيثيات القرار) محكمة الأحوال الشخصية مختصة بالإفراز خلال إجراءات التركة وكذلك مختصة خلال ستة اشهر من تاريخ صدور الإعلام.))
=====

بسم الله الرحمن الرحيم
المحكمة القومية العليا
دائرة الأحوال الشخصية
قرار النقض نمرة 245/2010

صادر من المحكمة العليا دائرة الأحوال الشخصية في يوم 20/5/2010م.
برئاسة السيدة/ رباب محمد مصطفى وعضوية السيد/ د. إبراهيم احمد عثمان والسيد/ صلاح التيجاني الأمين . قضاة المحكمة العليا .
قدمت أوراق القضية نمرة 10/س/2010 محكمة استئناف بحري د ا ش.
وأوراق التركة نمرة : 640/تركات/2009 محكمة / بحري وسط د ا ش.
المقيدتين تحت رقم 102/نقض/2010
الطاعن : صلاح الدين عبد المجيد السيد ونادية عبد المجيد السيد
المطعون ضده : جمال الدين عبد المجيد السيد

تقدم ورثة المرحوم عبد الحليم عبد المجيد السيد الميناوي بطلب لحصر تركته وورثته باعتبار انه توفي في 11/8/2009م بحي السائح ببحري وان ارثه انحصر في ورثته صلاح الدين ونادية والمفقود منذ عشر سنوات المدعو جمال الدين وجميعه أشقاء المتوفى.
أثناء السير في إجراءات التركة قالت الوارثة نادية أن المفقود شقيقها جمال الدين قد حكم بموته منذ عشر سنوات ثم فجأة ظهر عنه الأستاذ هاشم بجلسة 4/10/2009م وقال أن موكله حي لم يمت وطلب الإذن بفتح بلاغ ضد طالبة الحصر كما حضر الوارث جمال الدين بشخصه وتم منح الوارث جمال الدين بفتح بلاغ على الوارثة شقيقته نادية ومن ثم تقدم بطلب للحجز على العقار وعدم توريثه لحين الفصل في الدعوى المدنية وحجز أجرة العقارات 41/السائح و 43 غرب الأملاك ، ومن ثم أصدرت محكمة التركة قرارها القاضي بحجز إيجار العقارات لحين لجوء الأطراف للمحكمة المدنية لعمل قسمة الإفراز .
هذا وتقدم الورثة باستئناف القرار لمحكمة الاستئناف وبموجب مذكرتها رقم بتأييد قرار محكمة الموضوع.
الآن تقدم بقية الورثة بهذا الطلب ويطعنون فيه قرار المحكمة القاضي بالحجز على الإيجارات باعتبار أن المرحوم حصته شائعة وان نصيب المرحوم في حالة توريثه يوزع على نفس الورثة طالبي الحصر كما أن هنالك نزاع حول 14 دكان من العقار يدعي المدعو صلاح ملكيتها وطلب في ختام مذكرتهم قبول الطعن وإلغاء قرار محكم الاستئناف المؤيد لقرار محكمة الموضوع.

قرار النقض نمرة 245/2010(ص2)
لقد سبق قبول الطلب من ناحية الشكل ولم يتم الرد ونرى في الموضوع أن موضوع البلاغ الذي يتم فتحه ضد الورثة نادية لا علاقة له بموضوع الإيجارات لان الحجز في الإيجارات بعد توريدها يجب أن يشمل نصيب المتوفي فقط إلى أن توزع تركته ويجب ألا يشمل بقية الورثة لان حصتهم من الإرث معلومة ولكن يبقى الأمر المتعلق بالنزاعات حول عدد الدكاكين ومن قام ببنائها وإذا كان هنالك بعض الورثة تصرفوا في استحقاقات سابقة للشخص الذي ادعوا بأنه مفقود فذلك مكانه دعوى مدنية ، اخلص من ذلك بان يورد للمحكمة فقط الجزء الخاص بالمتوفي عبد الحليم عبد المجيد من جملة الإيجارات المتعلقة بالعقارات بما يوازي نصيبه ويفك الحجز عن بقية المبلغ للورثة أو الملاك حسب أنصبتهم إذا ما وافقني الأخوان الكريمان .
صلاح التيجاني الأمين
قاضي المحكمة العليا
27/4/2010م
أوافق ولكن أريد الإشارة الى خطأ كثيراً ما يقع فيه الإخوة القضاة من ان الإفراز من اختصاص المحكمة المدنية ( انظر حيثيات القرار) محكمة الأحوال الشخصية مختصة بالإفراز خلال إجراءات التركة وكذلك مختصة خلال ستة اشهر من تاريخ صدور الإعلام.

د. إبراهيم احمد عثمان
قاضي المحكمة العليا
11/5/2010م
رباب محمد مصطفى ابو قصيصة
قاضي المحكمة العليا
16/5/2010م
الامر النهائي :
يورد نصيب المرحوم عبد الحليم من الإيجارات للمحكمة .
يفك الحجز عن بقية المبلغ للورثة أو الملاك بحسب أنصبتهم .

رباب محمد مصطفى أبو قصيصة
قاضي المحكمة العليا
رئيس الدائرة
20/5/2010م
حسن

20/03/2023

تطبيقات قضائية في بينة الكمين .....ibrahim: مدونة أيمـــــن التـوم

هذا حكم من اجمل ما كتب بشأن بينة الكمين وشهادة رجل الشرطه والانكار المطلق وهو صادر من دائرة المحكمه العليا لولايتى البحر الاحمر وكسلا والسابقه منشورة بمجلة الاحكام القضائية لسنة 1998

المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي قاضي المحكمة العليا رئيساً.
سعادة السيد/ محمـد الأميــن مختــار قاضي المحكمة العليا عضواً.
سعادة السيد/ محمـد صالــح على قاضي المحكمة العليا عضواً.
حكومة السودان //ضد// محمد محمد أبكر
م ع/ف ج/101/ 1998م
المبادئ:
مصدر الشرطة ليس شريك في الجريمة.
قانون الإثبات - الكمين لمنع المنكر أو ضبطه - موافق لأحكام الشريعة الإسلامية.
1- مصدر الشرطة ليس شريكاً لأن الشريك فاعل أصيل بقصد أصيل وهو قصد ارتكاب الفعل والمصدر عادة يجمع معلومات تساعد الشرطة لدفع المنكر أي تحقيق مصلحة عامة.
2- بينة الكمين لمنع المنكر أو ضبطه موافق لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون لأنها كشف وضبط لمنع المجاهر بالمعصية من الاستمرار في تلك المجاهرة التي لولاها لما وقع في شرك تدبيره طالما أسقط عن نفسه الستر الشرعي.
3- هناك فرق بين تدبير تصرف كاذب ليجعل الشخص مرتكباً لسلوك لم يرتكبه وبين شخص يرتكب فعل المجاهرة بالمعصية وتكشف مجاهرته بفعله السلوك المراد كشفه من تلقاء نفسه وليس تحت الضغط أو الإكراه أو بتدبير غير حقيقي.
المحامون :
الأستاذ/ هشام عبد الحفيظ عن الطاعن
الحكم:
القاضي : محمد الأمين مختار
التاريـخ : 27/12/1998م
القضية الإيجازية 312/1998م المحكمة المتخصصة تحاكم بموجبها المتهم محمد محمد أبكر علي وأدين تحت المادة 15(ب) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية وعوقب بالسجن المؤبد والغرامة 20.000 جنيه اعتباراً من 8/7/1998م واستؤنف لدي قاضي استئنافات المحكمة المتخصصة الذي أيد الإدانة والعقوبة تحت نمرة أ س ج/38/1998م (بدون تاريخ) ومــن ثم تقدم محامي المحكوم عليه بعريضة مؤرخة في 22/8/1998م والمؤشر عليها من رئيس الدائرة بالتاريخ نفسه ووزعت للدائرة.
جاء في عريضة المحامي ما يفيد التشكيك في بينة الكمين ويركز فيما ذهب إليه رجال الشرطة مع المتهم في الاستعانة به لمعرفة مروجي المخدرات هذا وباطلاعي علي محضر القضية أجد أنه واثر معلومات وردت لرجال مكافحة المخدرات يفيد بأن المدان من مروجي المخدرات ومن ثم عملوا له كميناً في شكل مبالغ أخذت أرقامها بعلم نيابة محافظة البحر الأحمر وتم الشراء بمبلغ 3.000 جنيه وعند المداهمة وجد المبلغ المرقم في جيب جلابيته وبالأرقام التي أخذت وفي داخل منزله ، هذا ما استندت عليه محكمة الموضوع في إدانة المتهم هذا وقد كثر الحديث عن بينة الكمين بالتشكيك والمطالبة بعد الأخذ به بحجة أنه نوع من أنواع التجسس الذي يمنعه الشرع وأقول أن التجسس الممنوع هو التجسس المفضي إلي كشف عورات الناس أو لغرض إلحاق الضرر بالناس في شيء لا يتعدى أثره إلي الكافة أما في مثل الذي نحن بصدده فإن الشرع قطعاً لا يقف حجر عثرة أمام محاربة من يريد إلحاق الضرر بالناس وأي ضرر أكبر علي المجتمع من المخدرات التي أصبحت آفة العصر ، وأصبح مروجوها يتفننون في إخفاء أنفسهم وبذكاء خارق ولو اغللنا أيدي المكافحين لها من اتخاذ مثل هذه الوسائل لكنا من المساهمين في الترويج ثم أن الشرطة لم تكتف برؤيتهم فقط وإنما اتخذوا وسيلة القروش ومعلوم أن النقود موضوعة بقواعد ونظم وأرقام لا تتكرر وزيادة التأكيد لا تأتــي في محاكمة المدان في جريمة مماثلة بعشر سنوات سجناً بتاريخ 24/21/1992م في البلاغ 382 شرطة القسم الجنوبي بورتسودان والمفتوح بتاريخ 19/12/1992م ولا أدري كيف خرج من السجن اللهم إلاّ إذا كان هناك تخفيف طرأ علي العقوبة ولكل ما ذكرت أجد نفسي متفقاً تماماً مع ما وصلت إليه محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف وبعد استطلاع رأي الزميلين الموقرين أري شطب الطلب إيجازياً والله من وراء القصد.

القاضي : عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريـخ : 20/12/1998م
أتفق مع الزميل محمد الأمين في رأيه وأضيف الآتي :
1- في تقديري أن الأستاذ/ هشام عبد الحفيظ قدم مذكرة جيدة لإبداء وجهة نظره وخاصة ما طرحه من نقاش قانوني حول تطبيق المادة (33) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م بما يستحق التقدير مع خلافي معه في الرأي.
2- بالنسبة لبينة الكمين فقد تقرر في عدة سوابق أن الشرطة تقوم بواجب عام ومن الوجهة الشرعية عليها دفع المنكر وبالتالي فشهادة الشرطة مقبولة في معني المادة (23) من قانون الإثبات أما كيفية دفع المنكر فالمستقر فقهاً وشرعاً أن دفع المنكر واجب شرعي علي كل شخص لأنه (حماية لكل المجتمع) وحماية المجتمع واجب كل فرد من أفراده والشرطة مكلفة (بدفع المنكر) بتكليف بهذا الواجب من أولي الأمر (المشرع) بالقيام به إنابة عن المجتمع فالشارع أجاز دفع المنكر باللسان واليد والقلب وذلك اضعف الإيمان بمعني أن إنكار المنكر واجب شرعي حتى أنه لا يجوز عدم الإنكار لأن فيه إثما كبيراً وتأكيداً لأهمية إنكار المنكر لأن المنكر فساد وإفساد للمجتمع فأرادت الشريعة أن تؤكد حقيقة إنكار المنكر ولو بالمشاعر القلبية حتى لا يستقر أي فهم مغاير أن المنكر يترك علي حاله أما دفع المنكر أو إنكاره باليد فللسلطان أو من يفوضه وهم الشرطة وغيرهم وبالتالي فالشرطة عندما تقوم بعمل الكمين لا بد أن ينظر إليها أنها تؤدي واجباً شرعيا وقانونيا لمصلحة عامة وليس خاصة إلي أن يثبت العكس لأن القيام أو التكليف بواجب عام لا يعطي حق تحقيق مصلحة ذاتية أو شخصية من خلال أداء الواجب العام لأن ذلك يدخل في نطاق (المكر المراد دفعه) وطالما أنه لم يثبت أن الشرطة قامت بأي عمل لتحقيق مصلحة خاصة أو نتيجة خصومة للمتهم فإن الأقوال والأفعال التي تترتب علي الكمين مقبولة شرعاً وقانوناً.
3- أما بينة الكمين (أي الإعداد أو اتخاذ) الإجراءات (لضبط الجريمة أو كشفها) فهو واجب شرعي وقانوني لأن مهمة الشرطة المناط بها (دفع المنكر قبل وقوعه) و (ضبطه بعد وقوعه) وهو ما كان معروفاً في قانون العقوبات (بمنــع الجريمة) وهــو إجراء موافق لأحكام الشريعة .. والنقطة محل المناقشة هي هل يعتبر هذا من باب (التجسس الممنوع شرعاً) والذي أشار إليه الطاعن .. وفي تقديري أن هنالك خطأ شائعاً في أن كل تصرف لكشف أي أمر يعتبر من قبيل التجسس وهذا غير صحيح فهنالك قواعد شرعية تحدد ماهية (التجسس أو التحسس) المحظور فالأصل هو ستر الإنسان لنفسه لينال الحماية الشرعية من التجسس والتحسس فالذي يرتكب فعلاً منكراً عليه واجب شرعي (إن يستر نفسه) والمقصد هنا هو أن كل ابن آدم خطاء ولا يجب أن يقفل عليه باب أو الرجوع إلي الحق كما أن ستر الإنسان لنفسه معناه أن الخير ما زال مغروساً فيه ويعلم أنه يرتكب ذنباً ومنكراً .. فالقاعدة الشرعية نابعة من الحديث الشريف (من ستر نفسه فهو في ستر الله) أو كما قال وهنالك قاعدة شرعية أخرى تضع حكماً آخر لمن لا يستر نفسه ويجاهر بالمعصية أو المنكر .. وهي (من أبدي لنا صفحته أقمنا عليه الحد) أو كما قال فمن يظهر المنكر أو يعين علي إظهاره مجاهرة بمعصية الله ورسوله لأنه يريد أن ينقل منكره من ذاته إلي غيره ويريد أن يشيع منكره في المجتمع وشيوع المنكر فساد للمجتمع وبالتالي فالمجاهر بالمعصية (لا ستر له ليستر لأنه كشف ستره بنفسه ولم يكتف بذلك بل سعي ونقل فساده إلي الآخرين في المجتمع فهذا لا حق له في التمسك بالتجسس والتحسس لأنها مسألة (مربوطة بستر النفس) .. وهنا لا بد أن أشير إلي أن هنالك خطأ في فهم (ستر النفس) فستر النفس مرتبط (بأن لا يصل الفساد إلي الغير بأي صورة من صور التحريض أو الإغراء أو المساعدة) وأن لا يسعى لنقل الفساد إلي خارج نفسه ليفسد غيره فمن عمل علي نقل منكر إلي المجتمع والغير يسقط عن نفسه الستر الذي يحميه والفقه يقول من خرج للناس عارياً لا يطلب منهم أن يروه علي غير ذلك الحال ولا يطلب من الناس أن يفترضوا أنه كان كاسياً ، اللهم إلاّ إذا كان سلوكه بسبب الجنون أما العاقل فلا يلومن إلاّ نفسه لأنه عالم بأفعاله ونتائجها ومدرك لما ترتبه الأفعال من آثار ونتائج 0 وبالتالي فالذي يعد منزلاً للدعارة أو بيع المخدر أو يتاجر فيه أو يساعد في ترويجه وبيعه وتداوله بمقابل أو بدون مقابل هو مجاهر بالمعصية من الوجهة الشرعية وبالتالي فقيام الشرطة بإعداد الكمين لضبطه (نابع من سلوكه طريق المجاهرة بالمعصية والمنكر) وأنه خرج من نطاق ذاته إلي نطاق نقل الفساد لغيره فسلوكه بالمجاهرة وكشفه بوساطة الشرطة ليس توريطاً أو دمغاً لهم في موضع الجريمة بل يعد كشفاً لحقيقة المجاهرة وكشفاً لسلوك شائن يقوم به فعلاً ومجاهرة بالمعصية فهنالك فرق بين تدبير تصرف كاذب ليجعل الشخص مرتكباً لسلوك لم يرتكبه وبين شخص يرتكب فعل المجاهرة بالمعصية وتكشف مجاهرته بفعله السلوك المراد كشفه من تلقاء نفسه وليس تحت الضغط أو الإكراه أو بتدبير غير حقيقي في مواجعته ، وبالتالي فبينة الكمين ( لمنع المنكر أو ضبطه موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون لأنها كشف وضبط لمنع المجاهر بالمعصية من الاستمرار في تلك المجاهرة التي لولاها لم وقع في شرك تدبيره وطالما اسقط من نفسه الستر الشرعي بعرضه وبيعه الحشيش للغير فقد أصبح واجباً شرعياً الضرب علي يديه لمنع إفساده للمجتمع وأفراده.
وهنا مسائل لا بد من الإشارة إليها وهي (بينة المصدر) التي يدور حولها الحديث (فالمصدر) وسيلة من وسائل ضبط ومنع الجريمة وهو جائز شرعاً لأن دوره (جمع المعلومة عن أماكن المجاهرة بالمعصية والمجاهرين بها) وجمع المعلومات والاستدلالات من واجبات التحري الشرعية والقانونية فالناظر إلي سير السلف الصالح نجد أن ولاة الأمور كانوا يُخرجون العيون ليلاً ونهاراً لجمع المعلومات ليس عن الفساد والمفسدين لحماية المجتمع وأفراده بل أيضاً جمع المعلومات عن المحتاجين وأصحاب المظالم الذين لا يستطيعون الوصول إلي ولاة الأمر ويكفي أن عمر بن الخطاب أمير العدل رضي الله عنه وأرضاه كان يخرج ليلاً فيجوب المدينة بحثاً عن المظالم والمفاسد لأنه مكلف بواجب شرعي يأمره بحماية الأرواح والأعراض والممتلكات وأنه يسأل عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون وحتى أنه كان يقول والله لو عثرت بغلة (في العراق) لسُئل عنها عمر .. كما أن أمير العدل عمر بن عبد العزيز كان يخرج خازن بيت المال للتقصي عن أحوال من يحتاجون إلي الزكاة لتؤدي إليهم وبالتالي فلا مجال للخلط في الفهم بين (التجسس) وجمع المعلومة لدفع المنكر ومنع فعله أو ضبطه بعد وقوعه والتقصي عن الخير والواجبات لفعلها فكلاهما أجاز الشرع جمع المعلومة عنهما والمصدر هنا لا يعدو أن يكون شاهداً وليس شريكاً كما يري البعض فالشريك فاعل أصيل بقصد أصيل وهو قصد ارتكاب الفعل والقصد الجنائي محك المسئولية الجنائية وليس مجرد المساعدة في كشف الفعل فالشريك المعلوم قانوناً هو الشريك الذي يشارك بقصد جنائي صريح لتحقيق مكسب ومغنم من ارتكاب الفعل لنفسه أو لمن يشاركه في ارتكاب الفعل أو يجني فائدة من تحريضه أو مساعدته العمدية يحققها لنفسه أو لمن حرضه أو ساعده أو عاونه (أنظر السابقة م ع/ط ج/43/79/1997م محاكمة آدم علي هساي وآخر في 20/5/1997م والسابقة م ع/ط ج/22/1997م محاكمة الزبير محمد (غير منشورة) وبالتالي فلا مجال من وجهة نظر قانون الإثبات إلي (افتراض أن المصدر شريك) لأن الشريك لا يفترض بل يثبت أنه شارك الجاني بنفس قصده الجنائي ولتحقيق ذات المنفعة لنفسه أو لشريكه والمصدر عادة يجمع معلومات تساعد الشرطة لدفع المنكر أي لتحقيق مصلحة عامة وهو لا يشارك الجاني قصداً لتحقيق قصد مشترك لمنفعة مشتركة بل يشارك بمعاونة للشرطة (بقصد دفع المنكر وضبطه) ولقصد منفعة لا ينال منها شيء سوي معاونة الشرطة في أداء واجبها العام وبالتالي فلا سند قانوني أو شرعي للقول بأنه شريك ومن ثم فالمصدر هو أما وسيلة من وسائل التحري شأنه شأن (قص الأثر) أو الكلب (البوليسي) أو البصمة أو شاهد مباشر ينطبق عليه وصف الشاهد المعرَّف في م (23) من قانون الإثبات سنة 1993م يمكن سماع شهادته عند الضرورة وحسب الحاجة إليها إذا كانت جوهرية وضرورية في الدعوى ولا بينة مباشرة وغيرها أو أنها تدعم ما قدم من بينات ظرفية وقرائن أخرى.
وهنا لا بد لي من الإشارة إلي سابقة هامة بالنسبة لقبول بينة الكمين الصادرة من محكمة الاستئناف القديمة مجلة الأحكام سنة 1978م ص 421 أ س ج /أ ن /207/78 حكومة السودان /ضد/ دهب شريف دهب فهذه السابقة كانت في ظل قانون الإجراءات الجنائية سنة 4791م ولكنها تحدثت عن (مسألة التجسس وبينة الكمين) وذلك قبل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بما يؤكد الوجدان والفطرة السليمة لدي القضاء السوداني الذي يطبق القانون بحسه العادل الذي لا يخالف الشريعة الإسلامية وان لم يفصح عن ذلك إلا أنها راسخة في أعماقه لأن المقصد هو موافقة أحكام الشريعة وعدالتها أولاً وأخيراً فهذه السابقة قررت أن بينة الشرطة في التفتيش من غير شاهد مقبولة في حالة ما أسفر التفتيش عن وجود بينة أخرى توصل إلي النتيجة وهي بينة (المصدر) الذي عاون الشرطة في شرائه للحشيش من المتهم فبيع المتهم للبنقو سلوك تم بمعزل عن (صحة التفتيش كبينة أخرى وسلوك مباشر قام به المتهم وثبت حدوثه بغض النظر عن صحة التفتيش فإن كان التفتيش باطلاً فإن بينة المصدر هي شهادة مباشرة تكفي وحدها للإدانة بمعزل عن أي بينة أخرى والسابقة تقول (أصل إلي قناعة بصحة قبول البينة المستمدة من التفتيش الذي اجري في غياب الشاهدين لسبب بسيط وهو أن وجود الشاهدين قصد منه ضمانة للمتهم من تغول البوليس وتلفيقه التهمة أو البينة ، فهل أضير المتهم حقاً في دفاعه من جراء تقديم المعروضات ؟؟؟؟ لا أظن فقد أغفل قاضي المديرية بينة شاهد الاتهام الرئيسي والذي كان طعمة ابتلعها المتهم .. هذا الشاهد (ش 1-2) أثبت وهو علي اليمين أنه اشتر ي لفافتين من الحشيش من المتهم بمبلغ 2جنيه) وقد عثر علي الأوراق المالية التي دفعها له داخل حائط الدكان الذي يقيم فيه المتهم) وهذه السابقة أكدت مسائل هامة (أن الطعم أو المصدر أو الكمين) وسيلة جائزة قانوناً لكشف الجريمة وإن (المصدر أو هذا الطعم هو شاهد وفقاً لقانون الإثبات وليس شريكاً) فالشاهد كان طرفاً في سلوك مباشر مع المتهم وهذا السلوك تصرف صادر من المتهم بغض النظر عن صحة التفتيش باعتباره سلوكاً وفعلاً قام المتهم بإرادته الحرة دون ضغط أو إكراه عليه فلم يكرهه أحد أو يضغط عليه أو يأخذ بيده (ليقوم ببيع الحشيش) أما إن كان لا يعرف أن من اشتري منه من الشرطة فهذا يعني أن سلوكه إرادة نابعة منه بلا ضغط أو إكراه بأي صورة من الصور فالحيلة لكشف سلوكه الإرادي لا تعد إكراهاً له.

وهنا أشير أيضاً إلي مبدأ هام قررته هذه السابقة بقولها :
لا بد من تعليق علي كمين البوليس ومدي حجية البينات المتولدة عنه وقد سبقني السيد دفع الله الرضي نائب الأحكام في قضية شنان الشهيرة عندما قال بينة الجاسوس الذي يعمل مع أجهزة الأمن ويشترك بإيعاز منها في الجريمة موضوع شهادته .. لا تحتاج إلي مؤازرة رغماً عما يقال من ناحية أخلاقية وهذا هو المعمول به في إنجلترا والهند وقد ورد في مؤلف :
phison.on evidence 8 th. Ed .p. 478:
(the rule requrinig corroporticn of the evidence of an accomplice does not apply to two ciases
(a) informers persons have joined in or even drovoked the crime as police spies .
وهذه القاعدة التي أشار إليها الفقيه (فبسون) تحدد صنفين تكون بينتهما مقبولة في الإثبات (حالة المصدر) أو ما يسمي (بجاسوس الشرطة) والاستثناء الوحيد لرفض هذه البينة إذا تأكد القاضي (أو اقتنع بأن الشرطة تعدت حدودها في الإيقاع بالمتهم أو كان الفعل تدبيراً وتخطيطاً مباشرا من الشرطة لوضع المتهم في جريمة لم يرتكبها حقيقة) وتقول السابقة : إن ممارسة الشرطة لوسائل أو أساليب مختلف علي مدي جوازها أخلاقياً بغية الوصول إلي مفاتيح بعض أنواع الجرائم المشكلة لمخاطر اجتماعية مثل الاتجار بالحشيش والذي برع المتعاملون فيه في اتخاذ الحيطة والحذر بحيث أصبحت الإجراءات المعروفة مثل أوامر التفتيش عديمة الجدوى ولا يصح التمسك بالمثل والأخلاقيات ولا يقبل أن تستغل الشكليات لحماية الفئة الضالة علي حساب أمن وطمأنينة المجتمع ومن ثم فالسابقة توصلت إلي ذات المبدأ الشرعي بالوجدان السليم والفطرة السليمة وهنا أضيف أن الشريعة الإسلامية حسمت الأمر بجعلها المجاهر بالمعصية وناشرها إلي المجتمع وغيره لا ستر له ليستر لأنه اسقط عن نفسه الستر كما أسلفنا فيكون منعه وضبطه وإيقافه عند حده عملية أخلاقية واجبة شرعاً فالأخلاق في الشريعة مرتبطة بقيم الشريعة وتدور الأخلاق وجوداً وعدماً مع مقاصد الشريعة في حماية الضرورات الخمس (الدين - النفس - العقل - المال - النسل) فالحياة تقوم علي هذه الضرورات الخمس والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا علي استقامة وهي مناط التكليف الشرعي ومن ثم كان (دفع المنكر) واجباً شرعياً ودفع المجاهرة بالمنكر واجب لأن المجاهر يسعى لنقل فساده إلي كل المجتمع وأفراده ويخرج انعدام أخلاقه وانحرافه لغيره من الناس ليحقق مصلحة أنانية ذاتية لنفسه ولو كان فيها دمار كل المجتمع ومن ثم كان دفع منكره واجباً عاماً وواجباً أخص بالنسبة للمكلفين بالدفع كواجب عام (الشرطة والنيابة) باعتباره واجباً دينياً أخلاقياً يأثم من لا يقوم به .. وتبعاً لذلك أجاز الفقه الإسلامي استعمال (الحيلة لإظهار الحق) والحيلة ليست هي المكيدة للإيقاع بالناس بل وسيلة خالية من العنف لكشف منكر يفعله فاعله ويصر عليه ويجاهر به والحيلة كاشفة للمنكر وليس منشئة له لإظهار الحق وإظهار الحقيقة لكشف حقيقة السلوك الفاسد وليس إيجاد سلوك فاسد غير موجود وهي تقوم علي إصلاح الأمة فيقول ابن عقيل (السياسة الشرعية هي ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلي الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يصفه الرسول (ص) ولا نزل به وحي فكل ما وافق الشرع أي ما نطق به الشرع في الكتاب والسنة فهو عن الشرع وتعطيل مقاصد الشريعة تعطيل للشرع والتفريط فيه تعطيل للحدود وضياع للحقوق وتجرئه أهل الفجور علي الفساد وجعل الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلي غيرها وسد لطرق صحيحة من طرق معرفة الحق والسعي له وتعطيل مقاصد مقطوع بأنها مطابقة للحق ولمجرد الظن أنها منافية لأصول الشريعة 0 ، لذلك أجاز الفقه الإسلامي استعمال الحيلة لإظهار الحق والحقيقة وهذا ما أورده ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 31 وضرب مثلاً للحيلة الشرعية في القضية التي ادعي فيها رجل علي آخر أنه سلفه مالاً كوديعة وجحد الآخر هذا المال وهو ما نسميه اليوم بخيانة الأمانة فسأل القاضي المدين أين سلمته المال ؟ فقال بمسجد ناء عن البلدة قال له : أذهب فجئني بمصحف من ذلك المسجد أحلفه عليه والمدعي عليه يسمع ذلك .. وحجز القاضي المدعي عليه بالمحكمة وفاجأه بعد ذهاب خصمه : أتراه أي المدعي قد بلغ المسجد ؟ فقال المدعي عليه الجاحد للمال: لا أظن انه قد وصله فهنا قال له القاضي فكيف عرفت ذلك وأنت لا تعرف المسجد أو مكانه لتعرف وقت الوصول إليه ؟ فأقر المدعي عليه فالزمه بالمال) ويقول ابن القيم ص (41) :
(الحيل التي إباحتها الشريعة هي التحيل على الإنسان بفعل مباح لمعرفة ظلمه لغيره فلاحتيال المباح هو الذي لا يؤدي إلي إسقاط الفرائض واستباحة المحارم ) وقد سجلت ما قاله مع التصرف في الصياغة لتفهم في وقتنا الحاضر لصعوبة فهم الصياغة القديمة بما تستعمله من ألفاظ ونمط يصعب فهمه للجهل به أو عدم معرفته أو مخالفته لأساليب الإفهام المعاصرة التي اعتاد عليها الناس في زماننا لأنهم تركوا القديم جملة دون فهم مقاصده بدعوى أنه يخاطب الناس بلغة لم تعد تستعمل الآن وهذا لا يبرر ترك القديم بل السعي لفهمه كالذهب الذي يعلق به التراب فالذهب يظل ذهباً ولا يجعل الغبار منه تراباً .. ومن ثم فالحيل الشرعية وسيلة شرعية متي كانت لدفع المنكر وحماية المجتمع بوسيلة كاشفة للحقيقة لا يستعمل فيها القوة والعنف وبالتالي فاستعمال المصدر بواسطة الشرطة أو ما يسمي بالطعم لكشف حقيقة المجاهر بالمعصية وكشف فساده هو من الطرق والوسائل الشرعية ولا تعتبر انتهاكاً لمبادئ الشريعة أو القانون أو العدالة أو النظام العام.
وهنا لا بد لي من الإشارة إلي أن الطاعن يخلط بين البينة الظرفية وبينة الكمين (فبينة الكمين بينة مباشرة) وكل الخلاف كان في الوسيلة المتبعة وهو ما قررنا أنه موافق للشرع أما البينة الظرفية فهي استنباط النتائج والقرائن الظرفية في وقائع ثابتة تترابط مع بعضها ليستنبط منها الدليل الظرفي فالقرينة هي الأمارات الدالة علي إثبات أي واقعة أو نفيها بناء علي الغالب في الأحوال (م 48 إثبات سنة 1993م) أما الشهادة فهي (البينة الشفوية لشخص عن إدراكه المباشر لواقعة تثبت لغيره مسئولية مدعـي بها علي آخر أمام المحكمة) م(23) من قانون الإثبات سنة 1993م وبالتالي ففي القضية الماثلة ضبط المبلغ المرصود الأرقام من النيابة بحوزة المتهم هو بينة مباشرة علي وجود وضبط ذلك المال بحيازته والقرينة هي استنباط أن المصدر سلمه هذا المال لأنه كلف بتسليمه كثمن للبنقو وذلك في إطار الحيلة كما أسلفنا فالشاهد يشهد بما أدركه وليس استنباط ما أدركه وفي القضية المطروحة فقد باع المتهم البنقو للمصدر ووجد المبلغ المرصود بأرقامه بحوزته ولم يقدم المتهم أي مبرر يقنع لحيازته بل يدعي أنها تخصه معتقداً أن ذلك ينفي عنه التهمة وهو جاهل برصد المبالغ وأرقامها بوساطة النيابة قبل تسليمها له فصار ادعاؤه بلا سند .. وهنا أشير إلي أن دفاع المتهم كان سيكون مقبولاً لو ادعى أو قدم دليلاً بأنه عندما استلم المبلغ استلمه كدين أو سلفية ولا أجد الشك في احتمال أن المصدر لم يسلمه المبلغ بسبب آخر غير شراء البنقو للإيقاع به لتحقيق صحة معلوماته أمام مرءوسيه الذين كلفوه بما يثير الشبهة في الشهادة بموجب م 33(1) من قانون الإثبات سنة 1993م (يجوز للمشهود ضده أن يطعن في شهادة الشاهد بسبب قيام تهمة ولاء أو مصلحة أو عداء ويجوز للمحكمة في هذه الحالة أن ترد الشهادة بعد سماعها إذا لم تطمئن لصحتها).
إلاّ أن المتهم ينكر معرفة المصدر أو أنه قابله أو استلم منه أي مبلغ وبعد ذلك يعثر علي المبلغ المرصود من النيابة في جيبه فكيف وصل إليه ؟؟؟ وفي تقديري أن المتهم لو أقر باستلام المبلغ من المصدر ودفع بأنه كان لأي غرض آخر غير شراء البنقو لأثار شكاً يستوجب استدعاء المصدر كشاهد إلا أن من أخطر أنواع الدفاع (هو الإنكار المطلق) الذي تهدمه (أضعف الوقائع إذا ثبتت) وتكون حجة قوية في الإثبات كبينة لأنه لا يوجد ما يناقضها فالذي ينكر (جريمة القتل) علي إطلاقه أو معرفته بالقتيل أو أنه قابله يضع نفسه في موقع حرج بثبوت وقائع تعاكس ذلك بالشهادة - والمستندات أو البينات الظرفية فتتحول إلي بينة قاطعة في مواجهة إنكاره ومن ثم (فإنكار المتهم المطلق) لم يحوجنا إلي إعادة الدعوى لسماع بينة المصدر في هذه الحالة كشاهد لتأكيد وقائع قطع بها إنكاره المطلق.
أخيراً أناقش نقطة جوهرية دفع بها الطاعن في طلبه والمتعلقة بتطبيق م (23) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م والتي تنص علي :
يعفي من العقوبات المنصوص عليها في المادتين (15،16) كل شخص يبادر بإبلاغ السلطات العامة عن الجريمة قبل علمها بها فإذا حصل الإبلاغ بعد علم السلطات العامة للجريمة فيجب أن يؤدي ذلك الإبلاغ فعلاً إلي ضبط باقي الجناة.
ويدفع محامي الطاعن بأن الوقائع تؤكد تعاون المتهم مع الشرطة .. فالواضح أن الشرطة طلبت منه التعاون معها لكشف بلاغات أو معلومات خاصة ببلاغات وان المتهم وعدهم بتنفيذ (4عمليات معهم) وعاونهم في تنفيذ عملية وبالتالي يري أن المتهم يستفيد من النص ومع تقديري لوجهة نظر الأستاذ هاشم أخالفه الرأي لما يلي :
1- هذا النص من النصوص الجديدة في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م قصد به المشرع إتاحة الفرصة للمتهم أن يتوب قبل أن تصل إليه السلطات أو يتوب بعد علم السلطات بالجريمة وهي حالـــة شبيهة بحالة توبة مرتكب الحرابة الذي يتوب قبل أن يتمكن منه ويحاسب علي فعله وفقاً لنص الآية :
(إلاَّ الذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أن تَقْدِرُوْا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنَّ الَّلَه غَفُورُ رَّحِيمُُ).

2- وبالتالي فشروط المادة واضحة في حالتين :
الأولى :
أن يرتكب الجاني الفعل المجرم لأنه أساساً لا يعقل أن يبلغ المتهم عن فعل لم يرتكبه أو ما زال في مخيلته فالنوايا إن لم تفرغ في قوالب تنفيذ لا تشكل جريمة إذ لا عقاب علي مجرد التفكير ما لم يحول إلي شروع أو اكتمال الجريمة ذاتها.
الثانية :
أن يكون الإبلاغ للسلطات العامة بما فعله قبل أن يصل العلم بالجريمة إلي السلطات العامة ووضع استثناء بأنه حتى في حالة وصول العلم بالجريمة إلي السلطة العامة قبل أن يقوم هو بالإبلاغ فإنه في كلتا الحالتين يعفي من العقوبة وليس الإدانة فالإعفاء يأتي حسب النص من العقوبة ولا عقوبة قبل الإدانة ويشترط أن يؤدي هذا الإبلاغ إلي نتيجة حقيقية بضبط الجريمة وأدواتها ومعروضاتها بالنسبة له وإلي ضبط الجناة الآخرين المشاركين له إن وجدوا.
وهنا تنبيه مهم هو أن النص جاء بصيغة قد يفهم منها أن إبلاغ الجاني عن نفسه لا يشمله الإعفاء إلاّ في حالة إبلاغه عن باقي الجناة وفي تقديري أن التفسير لمقاصد النص هو المطلوب وفقاً لنص م(6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974م (التفسير الذي يحقق مقاصد التشريع بقدر الإمكان) فالمشرع يعلم أنه ليس في كل بلاغ أو جريمة لا بد من تعدد الجناة وقد يكون الجاني واحداً ولكن المشرع غلب (تعدد الجناة) لأن جرائم الحيازة والتداول والصنع والبيع والترويج في جرائم المخدرات يشارك فيها عادة عدة أطراف وهو الغالب الأعم فالحائز لا بد من شخص نقل له الحيازة بالبيع أو الشراء والحائز للتجارة لا بد أن ما وصله نقله إليه من أحضر البضاعة المخالفة للقانون وأوصلها إليه ليتاجر فيها ومن يصنع قد يحتاج لغيره من الصناعة ومن يزرع يحتاج لغيره لترويج وبيع ما زرع وكل هؤلاء في الغالب يستعينون بغيرهم لإكمال التصرف في البضاعة بالتوزيع أو التخزين ومن ثم أري أن النص رغم أنه تحدث عن الغالب الأعم في تعدد الجناة في جرائم المخدرات إلا أن النص لا يمنع الإبلاغ إذا كان من متهم واحد وابلغ السلطات وهنا أيضاً تنبيه مهم في فهم النص أن المشرع قصد المعني الذي ذكرته في سياق صياغته للنص فالواضح أن المشرع يطلب أن يبلغ الشخص علي نفسه أولاً لأنه شريك في الفعل أو قد يكون أصلاً بلا شريك وبالتالي فقصد المشرع هو ضبط الجريمة ومرتكبيها فرداً أو جماعة نتيجة لذلك الإبلاغ .. فمثلاً مزارع يزرع البنقو منفرداً .. وليس معه أحد أبلغ عن زراعته للبنقو دون أن يشاركه أحد وقد ارتكب الفعل وحده فهل تطلب منه الإبلاغ علي حيازة غير موجودة .. إلا إذا علمت الشرطة بوجودهم واخفي المتهم هذه الحقيقة التي تؤكدها وقائع التحري ففي هذه الحالة يكون إبلاغه ناقصاً ولا يعفيه من العقوبة ونقطة هامة ثالثة وهي أن المشرع فرق بين جرائم أخرى لم يرتكبها المتهم ويبلغ عنها وبين جرائم كان هو طرفاً فيها وبلغ عنها، ففي الحالة الأولي لا ينطبق النص أصلاً عليه لأنه لم يبلغ كجاني يمكنه أن يستفيد من إسقاط العقوبة لأنه إما أن يكون في هذه الحالة باعتباره شاكياً أو مصدراً للمعلومات أو شاهداً على ما أدركه من الوقائع علي الغير ولا تلصق به صفة الجاني .. أما في الحالة الثانية وهي التي عناها المشرع أن الإبلاغ من (الجاني) علي نفسه وشركائه إن وجدوا .. وعلي ضوء ذلك فالواضح من المحضر أن المدان كجاني لم يبلغ عن نفسه قبل علم السلطات ولا بعدها بل ينكر ارتكابه الفعل أساساً مما ينتفي معه شرط الإعفاء من العقوبة أما معاونته للشرطة أو تعاونه في بلاغ فهذا سلوك آخر باعتباره مصدراً أو متعاوناً في تلك البلاغات تقبل بينته بهذه الصفة كما أسلفنا في مناقشتنا السابقة وبالتالي فتعاون أو عدم تعاون المدان في بلاغات أخرى لا يرتب الأثر الذي تتطلبه م(23) من القانون لعدم توافر شروطه ومتطلباته لتطبيقه.
وبالتالي أخالف الأستاذ في وجهة نظره وأري أن المدان لا يستفيد من (إعفاء العقوبة) فالمشرع أراد إعفاء من يبادر إلي كشف الجريمة باعتباره تائباً لأن التوبة تجب ما قبلها والحديث الشريف (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وأخلص من كل ما تقدم إلي تأييد الإدانة والعقوبة وشطب الطلب.

القاضي : محمد صالح علي
التاريـخ : 30 /12/1998م
أوافق .. لا أجد أن ثمة ما يمكن أن يضاف إلي كل ما ذكر.
أيمــن التـــوم - ولاية كسـلا - الســـودان في 11:57 ص
مشاركة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق


الصفحة الرئيسية
عرض إصدار الويب
يتم التشغيل بواسطة Blogger.
[٢/‏٤ ٥:٤٦ م] ..ibrahim: حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفي

محكمة استئناف الخرطوم

حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفي

م أ/أ س ج/577/1405هـ

المبادئ:

إثبات – بينة الكمين – جواز رفضها – الحكم بالبراءة لدي انعدام بينات أخري

يتعين رفض قبول بينة الكمين التي تحصل عليها نتيجة تجسس بناء على معلومات استقاها من مصدر آخر ولعدم وجود دليل آخر يعضدها

الحكــــم

التاريخ: 1598/9/15م

القاضي: فريدة إبراهيم أحمد حسين:-

تحاكم المتهم سعيد حمد مصطفي أمام محكمة جنايات أم درمان الجديدة وأدين بتاريخ 10/8/1985م بموجب المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون لسنة 1924م وحكم عليه بعقوبة السجن لمدة ستة أشهر تتحصل الوقائع في أن الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أحمد مباحث العاصمة القومية أفاد بأنه قد وصلت معلومات بإرشاد مصدر بأنه يوجد حشيش بمنزل شخص يدعي إبراهيم أبو شنب بالحارة 14 بأم درمان الجديدة فأستصدر أمر تفتيش لذلك المنزل وصحب معه قوة من البوليس وللتأكد من صحة المعلومات أفاد الشاكي بأنه قام بإرسال جندي زميل لشراء كمية من الحشيش بمبلغ عشرة جنيهات وأن الأخير قام بشراء قطعة حشيش واحدة من المتهم فداهم رجال الشرطة المنزل وقاموا بتفتيش المنزل ولم يعثروا علي حشيش وأنهم عندما أرادوا أخذ زوجة صاحب المنزل للبوليس لتفتشيها للاشتباه بوجود حشيش تخفيه في صدرها وفقاً للمعلومات التي أفاد الشاكي بأنها وصلتهم نشب شجار وعمت فوضي لاذ علي أثره رجال الشرطة بالفرار بعد أن تمكنوا من أخذ المتهم معهم

استمعت المحكمة إلي شهادة الشاكي وشهادة الشرطي النعيم صديق عبد الله والذي أفاد بأنه بناء علي أوامر من الشاكي أخذ مبلغ 10 جنيهات وأشتري حشيش من المتهم بناء علي الكمين الذي نصب للمتهم

أدانت المحكمة المتهم تحت المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون بناء علي شاهد الكمين

أستأنف محامي المدان الحكم الصادر علي أساس :-

أولاً: أن البينة الوحيدة التي قدمت أمام المحكمة هي بينة الكمين وأنه جري العمل في محاكم السودان العليا علي تأسيس الإدانة علي مثل هذه البينة وحدها إلا إذا وجدت بينات أخري قوية تعضدها وتسندها وأن شاهد الكمين يجب أن تؤخذ شهادته بحذر

ثانياً: أن الكمين نفسه لم يكن كميناً مشروعاً لأنه لم تؤخذ موافقة القاضي نفسه مسبقاً لنصبه كما أنه حتى بقبول بينة الكمين فإنه لا وزن في الحالة الراهنة لأنه لم توجد بينات قوية تعضدها

ثالثاً: أنه ورد في أقوال الشاكي في التحري بأن الشخص الذي قام بنصب الكمين يدعي يوسف قمر داؤود والأخير أفاد بيومية التحري بشراء الحشيش من المتهم بينما ظهر أمام المحكمة شاهداً آخر يدعي النعيم صديق وأدي بأنه هو الذي أوكل إليه تنفيذ الكمين وقام بتنفيذه وهذا يشير شكاً في شهادة شاهد الكمين يجب تفسيره لصالح المتهم

رابعاً: أن هناك شكاً في بينة الكمين المقدمة والتي تثير التساؤل وهو لماذا لم يقبض علي المتهم لحظة تسليمه الحشيش للشاهد ولم يثر موضوع ذلك الشراء إلا مؤخراً مما يثير الشك في اصطناع الدليل

باطلاعي علي محضر المحاكمة الإيجازية التي تمت يتضح لي بأن المحكمة أول درجة قد أدانت المتهم بناء علي شهادة شاهد الكمين وحدها

وقد ورد في أقوال شاهد الاتهام جندي النعيم صديق عبد الله أمام محكمة درجة أولي بأنه بناء علي أوامر الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أحمد أخذ مبلغ عشرة جنيهات وذهب إلي منزل المتهم وحده خارج المنزل جوار الباب فأعطاه 10 جنيهات وقال له عاوز حشيش فدخل المتهم إلي داخل المنزل وأحضر له الحشيش وأنه رجع إلي العريف شرطة كمال محي الدين وأخبره بالحاصل فقام بحملة وداهم المنزل

الشاكي أفاد أمام المحكمة بأن الشاهد النعيم صديق هو الذي أخبره بأنه أشتري البنقو من المتهم وبرجوعي ليومية التحري للتحقيق من صدق أقوال هذين الشاهدين (to test credibility of the witness) اتضح لي بأن الشاكي عريف شرطة كمال محي الدين أفاد في أقواله اليومية أكثر من ثلاث مرات بأنه قد قام بإرسال الجندي يوسف قمر لشراء الحشيش بمبلغ عشرة جنيهات من المتهم ولم يذكر اطلاقاً المبلغ اسم الجندي النعيم صديق عبد الله ولم تؤخذ أقوال الأخير في يومية التحري أن كان هو فعلاً الشاهد الذي نفذ عملية الكمين!

أخذت اقوال الجندي يوسف قمر داؤود بيومية التحري وأفاد بأنه هو الذي تم إرساله للمتهم لشراء الحشيش منه بمبلغ عشرة جنيهات وأنه قد قام بشراء الحشيش من المتهم ورجع وأخبر بأن المتهم قد باع له الحشيش وأنه وجد المتهم خارج المنزل وتعرف عليه

فهذا التناقض الذي وضح أقوال المبلغ والشاهد الذي افاد بأنه قد قام بتنفيذ الكمين الذي نصب للمتهم هو تناقض في وقائع جوهرية بشخصية الشخص الذي قام بتنفيذ الكمين وهل هو الشخص الذي مثل أمام المحكمة وأدلي بشهادته علي اليمين ؟ أم هل هو الشاهد الآخر الذي أدلي بأقواله بيومية التحري بأنه هو الذي قام بتنفيذ الكمين بناء علي تعليمات عريف شرطة كمال محي الدين والذي أشار الأخير في يومية التحري بأنه هو الذي نفذ الكمين ثم أتي أمام المحكمة وأفاد بغير ذلك وبأن الذي نفذ الكمين هو الشاهد النعيم صديق ؟

فإذا ما أخذنا في الاعتبار بأن المبلغ بوليس وشاهد الكمين بوليس والمتحري الذي أخذ أقوالهما أيضاً بوليس وليس لديه أية شبهة في تدوين أقوالهما وإذا وضعنا في الاعتبار أيضاً طبيعة البينة المقدمة وهي بينة كمين أي تعتمد أساساً علي شخص من قام بتنفيذ ذلك الكمين وجود التناقض في أقوال الشهود الجوهرية أمام المحكمة ويومية التحري لأخذنا الاقوال التي أدلي بها شاهد الكمين والشاكي معاً بحذر شديد

والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن الأخذ بأقوال شاهد الكمين لوحدها أم أنها تحتاج لبينات أخري تعضدها

فبينة الكمين كما هو الحال في انجلترا والهند تعتبر بينة شريك وبينة الشريك بالرغم من أنها مقبولة في القانون وأنها لا تتطلب مؤازرة أو تعضيد حيث تنص المادة 133 من قانون الإثبات الهندي:-

S 133 an accomplice, shall be a competent witness against an accused person, an a conviction is not illegal merely because it proceeds upon the uncorroborated testimony of an accomplice

لا أن القضاء في الهند وفي انجلترا علي السواء قد جري علي طلب التعضيد حتي يدان بمقتضاها

أما بينة الكمين أوالجاسوس فهي كما سبق أن ذكرنا تعتبر بينة شريك وقد ورد في كتاب العلامة Sarkar:-

The law of Evidence, P 1079 9th ed

“It may sometimes be necessary to comploy spies or decoys for detection of offences which can not be detected in any other way, but the malice is looked upon with much disfavour and in their enthusiasm these men soon egenerate into” great provocateurs instigating or provoking the commission of crimes”

“So when officials lay a trap incit bribery, the official and bribe givers would be in the position of accomplices



وقد أشار أيضا إلي ذلك مولانا دفع الله الرضي نائب الأحكام في قضية عبد الرحيم محمد خير شنان كما أنه في قضية حكومة السودان /ضد / دهب شريف م أ/أ ن ج/207/78 المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لنسة 1978م قررت محكمة إلاستئناف بأن للقاضي أن يرفض الأخذ ببينة الكمين أن اقتنع بأن البوليس قد تعدي الحدود المعقولة في الإيقاع بالمتهم وأنه يصح الأخذ بها إذا أطمأنت المحكمة لصدق أقوال شاهد الكمين كما أنه قد جاء في السابقة القضائية أمام محكمة الاستئناف:

حكومة السودان / ضد / يحي عوض الكريم بالنمرة م أ/ أ ن ج/ 358/78 المنشورة بمجلة الأحكام القضائية لسنة 1978م "بينة شاهد الكمين في غير حاجة إلي تعضيد ويجوز للمحكمة أن تأخذ بها وتعول عليها متي اقتنعت بها واطمأنت إليها وهذه البينة بمثابة شريك"



إلا أن بعض المحاكم في انجلترا قد نظرت إلي بينة الكمين بعد الاقتناع ولم تأخذ بها

In the case of Branman V peek 1947

2 All ER 572 63 T LR 592 Lord Goddard CI observed

The Court observe concern and disapproval the fact that the police authority Derby thought right to send a police officer into a public chouse to commit an offence … It is wholly wrong for a police officer or any other persons to the be send to commit an offence in order that an offence by an other person may be detected…

I hope the day is for distant when it will became a common practice in this country for police officers to be told to commit an offence themselves for the purpose of police of getting evidence against some one: if they do commit offences they ought also to be convicted and punished for the order of their superior would afford no defense

وفي الهند فإن الكمين الذي دأب البوليس علي نصبه تحت إشراف القضاة فإنه ينظر إليه أيضاً بعدم الارتياح وعدم الرضا وينظر إلي البينة التي تأتي نتاجه بحذر فقد جاء في كتاب:

Sarkar’s Law of Evidence 9 ed p 1069

Great disapprobation was expressed of the practice of requisitioning the service of magistrates witnesses of police traps Though the detection of crimes by laying traps is not deemed commendable and may justified in cases of peculiar difficulty and though a mere spy or decoy may not be an accomplice in Law, the evidence of much a person or an agent provacateur is looked upon with suspicion and can not be relied for a convictio The weight to be attached depends on the charactor or each individual witness



أخذت المحاكم في السودان في السوابق التي سبق أن أشرت إليها بقبول بينة الكمين والأخذ بها متي أقتنعت بها واطمأنت إليها

إلا أنه بعد صدور قانون الإثبات لسنة 1983م ففي إعتقادي فإن الوضع قد أصبح مختلفاً فقد عرفت المادة العاشرة من القانون المشار إليه البينة المقبولة بأنها :-

10- البينة التي يقبل تقديمها في أي دعوى هي التي تنتج في اثبات ونفي الوقائع محل النزاع أو الوقائع المتعلقة بها والتي لا يكون قبولها ممنوعاً بموجب أحكام هذا القانون

كما نصت المادة 11 من ذات القانون علي عدم رفض البينة المقبولة لمجرد أنه قد تم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة متى ما اطمأنت المحكمة الي سلامة البينة من الناحية الموضوعية إلا أن المادة 12 من ذات القانون قد أجازت رفض البينة المقبولة متى ما رأت أن قبول تلك البنية ينتهك مبادئ الشريعة الإسلامية أو العدالة أو النظام العام

وفي اعتقادي فان البينة التي يتم الحصول عليها عن طريق الكمين أو الجاسوس يعتبر قبولها فيه انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية والتي تنهى عن التجسس وتتبع عورات الناس وقد جاء في كتاب عبد القادر عودة " التشريع الجنائي الإسلامي ص503 و ص504

"إذا توقف إظهار المنكر علي التجسس أو التعقيب لم يجز إظهار المنكر لأن الله حرم التجسس في قوله:-

"ولا تجسسوا" الحجرات الآية 13 ولأن للبيوت حرمة وللأشخاص حرمة لا يجوز انتهاكها قبل أن تظهر المعصية ولأن الرسول (ص) نهي عن تتبع عورات الناس فقال لمعاوية "إنك أن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" وقال عليه السلام:

" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته"

وقد استقر الأمر علي هذا من أول يوم مما يذكر في هذا الشأن ما حدث من عمر رضي الله عنه فقد تسلق دار رجل فوجده في معصية فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين أن كنت قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيت من ثلاثة أوجه فقال وما هي ؟

قال قد قال الله تعالي" ولا تجسسوا" وقد تجسست وقال تعالي "وأتوا البيوت من أبوابها" وقد تسورت من السطح وقال تعالي ولا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا علي أهلها" وما سلمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة وإن كان عمر قد تركه ولم يعاقبه فذلك لان دخول المسكن هو الذي اظهر المنكر وهو دخول بغير وجه حق ومن غير وجهته

وتحريم التجسس يترتب عليه أنه لا ينبغي لإنسان أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر والحشيش وليس لإنسان أن يتحسس ملابس شخص ليعرف ما يخفيه تحتها بل أنه يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره

وفي الحالة الراهنة فإن البينة التي ادعي تحصل شاهد الكمين عليها كانت نتيجة تجسس الشاهد بناء على معلومات استقاها من مصدر بافتراض صحتها فإن في قبولها انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية مما يتعين معه رفض قبول مثل هذه البينة

ويرفض قبول المحكمة للبينة التي تحصل عليها بواسطة الجاسوس أو الكمين وبعدم وجود بينة أخري ضد المتهم تقرر المحكمة إلغاء قرار الإدانة والعقوبة والأمر بالإفراج عن المتهم فوراً

أمـر:

يلغي قرار الإدانة ويفرج عن المتهم فوراً
[٢/‏٤ ٥:٤٨ م] ..ibrahim: محاكمة/ علي عبد العزيز بدر

نمرة القضية: م ع/ط ج/5/2003م
المحكمة: /
العدد: 2003

المبادئ:

•قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1984م – الفرق بين البيع والترويج والاتجار – المواد (12) و (15) و (16) من القانون.
1- فعل التجارة تحت المادة 12(و) من القانون لا تعني مجرد البيع أو الشراء لأن البيع والشراء جريمة أخرى تحت المادة (16) من ذات القانون.
2- لا يعد البيع بغرض التجارة إلا إذا قدم الاتهام بينة كافية ووقائع مقنعة بأن هذا البيع كان بقصد واحد هو الاتجار بمعنى الاحتراف ، والتكسب فليس كل بيع وشراء تجارة ، وإن كان البيع والشراء من أفعال التجارة.

الحكم:

المحكمة العليا دائرة ولايتي البحر الأحمر وكسلا



القضاة:سعادة السيد/ عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
قاضي المحكمة العليا
رئيساً

سعادة السيد/ أسامة حسـن محمـد أحمـد
قاضي المحكمة العليا
عضواً

سعادة السيد/ كمال الدين عباس العركــي
قاضي المحكمة العليا
عضواً


الحكــم


القاضي: عبد الرؤوف حسب الله ملاسي
التاريخ: 30/1/2003م


في المحاكمة إيجازي/78/1999م أدين المحكوم عليه تحت المادة 15(1)(ب) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية سنة 1994م وحكم عليه بعقوبة السجن المؤبد اعتباراً من التاريخ 7/فبراير/1999م والغرامة البالغة (20 ألف ج) وأن يورد مبلغ 17.500 ألف جنيه المعروضات كجزء من الغرامة بحيث يتبقى في ذمة المدان ثلاثة ألف جنيه و500 جنيه من قيمة الغرامة والملاحظ أن المحكمة لم توقع أو تأمر بعقوبة سجن بديلة أو تطبق المادة 198 إجراءات سنة 1921م في تحصل الغرامة.
تأيد الحكم في مرحلة الاستئناف في أس ج/24/1999م (الإدانة والعقوبة).
عرضت أمامنا الإجراءات بناء على طلب (فحص) يلتمس تدخلنا بسلطة (الفحص) لتخفيف العقوبة لظروف أسرية ولا يقدح في صحة الإدانة وبالفحص لاحظنا أن المحاكمة تمت منذ سنة 1999م وبالتالي قمنا بمخاطبة التسجيلات الخاصة (بأحكام المحكمة العليا) للتأكد من عدم سبق عرض الإجراءات أمام المحكمة العليا وأتضح عدم وجود أي إفادة بالسجل تفيد صدور حكم أو قرار سابق في الإجراءات أمام المحكمة العليا .. وعليه تعدينا للفحص تبعاً لذلك على النحو التالي:
أولاً: الوقائع الثابتة في المحضر هي:
قامت شرطـة المخدرات (بإعداد كمين) بوساطـة مصـدر الشرطة (عبد الله) وهو من شـهود الاتهام والذي تم إعطاؤه مبلغ وقـدره (5 ألف جنيه) تم ترفيعه بوساطة وكيل النيابة بموجب كشف اعتمدته النيابة لغرض هذا الكمين مستند (1) وفي موقع قريب من مكان الحدث قام المصدر بإعطاء المبلغ (للمتهم الثاني) الذي قام بدوره بالدخول إلى منطقة تغطيها أشجار الحسكنيت ثم عاد حاملاً (سيجارة بنقو) أفاد أنه اشتراها من المتهم الأول وسلمه المبلغ وكان هذا التصرف تحت رقابة الشرطة ومن ثم تم القبض على المتهم وعثر على مبلغ ال5 ألف جنيه المعد للكيس بحوزته ومبلغ آخر قدره 22.750 ألف جنيه وتم وزن المعروض فكان (5) جرام حسب مستند الموازين والمكاييل (مستند اتهام (2) وفي المحاكمة تمت تبرئة المتهم الثاني على أساس أنه لم يكن شريكاً أو فاعلاً أصلياً وأنه كان ( مجرد معاون للشرطة في إجراء عملة الشراء من المتهم الأول) فبالتالي أطلق سراحه خاصة أنه صغير في السن حوالي (15) عاماً.
ثانياً: يتضح من هذا السرد أن البينة ضد المحكوم عليه تنحصر في:
1- أقوال المتهم الأول الذي برأته المحكمة ويؤكد أخذه المبلغ من (المصدر) وذهابه إلى المتهم الأول داخل الحسكنيت ودفع له المبلغ مقابل سيجارة بنقو.
2- وجود (قرينة) في مواجهة المتهم وهي العثور على المبلغ الذي أعدته النيابة بحيازته حسب أقوال الشرطة الكمين (خالد، جمال ، نزار أحمد) والشاهد المحايد (إسماعيل آدم) الذي تم التفتيش بحضوره وأكد العثور على مبلغ الكمين بحوزة المتهم الأول (ص 10) وأقوال (مصدر الشرطة) عبد الله إدريس صفحة (13).
يقابل بينة الاتهام ولصالح المتهم الأول الوقائع التالية:
1- الإنكار المطلب للمتهم الثاني الذي برأته المحكمة باعتباره معاوناً للشرطة لواقعة استلامه المبلغ وتسليمه للمتهم الأول مقابل شراء سيجارة بنقو وينفي تسليمه المصدر للسيجارة.
2- لا يوجد شاهد مباشر لواقعة البيع وأن الأول هو

Address

Khartoum

Telephone

+249999117666

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المحامي السوداني posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share

Category