08/04/2026
لا وصية لوارث : بين عدالة النص ومرونة التطبيق
تُعدّ المادة ١٧٩ من قانون الأحوال الشخصية، التي تنص على أنه "لا وصية لوارث إلا إذا أجازها بعد الوفاة باقي الورثة، فإن أجازها بعضهم فتنفذ في نصيبهم"، واحدة من النصوص التي تجمع بين الحزم التشريعي والمرونة الإنسانية، فهي، من جهة، تؤكد قاعدة شرعية أصيلة تحمي حقوق الورثة وتمنع التلاعب بالتركة، ومن جهة أخرى تفتح بابًا للتسامح والتراضي بين أفراد الأسرة.
القاعدة الأساسية في هذا النص واضحة: لا يجوز للموصي أن يخص أحد ورثته بوصية على حساب الآخرين هذه القاعدة ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي انعكاس لمبدأ العدالة في توزيع الميراث، حيث حُددت الأنصبة سلفًا بشكل يضمن التوازن ويمنع الظلّم أو التفضيل غير المبرر.
لكن المشرّع لم يغلق الباب تمامًا، بل أتاح إمكانية تنفيذ الوصية إذا وافق باقي الورثة بعد وفاة الموصي.
هنا يظهر البعد الإنساني للنص: إذ يترك المجال للعلاقات الأسرية، ولحالات خاصة قد يكون فيها أحد الورثة أكثر حاجة أو كان له دور مميز في حياة الموصي. فإذا اتفق الورثة، فإن القانون يحترم هذا الاتفق ويمنده الصفة القانونية.
والأهم من ذلك، أن النص لم يشترط إجماع الورثة، بل أقرّ مبدأ "التنفيذ الجزئي"، فإذا وافق بعضهم ورفض الآخرون، فإن الوصية تنفذ فقط في حدود نصيب الموافقين، وهذا يعكس توازنًا دقيقًا بين احترام إرادة الفرد (الوريث الموافق) وحماية حقوق الآخرين (الورثة الرافضين).
في الواقع العملي, تطرح هذه المادة تساؤلات اجتماعية أكثر منها قانونية: هل بختار الورثة الموافقة بدافع القناعة أم تحت ضغط عاطفي؟ وهل تتحول الوصية أحيانًا إلى سبب للخلاف بدل أن تكون تعبيرًا عن المحبة؟ الإجابة ليست واحدة، لكنها تكشف أن النص القانوني، مهما كان دقيقًا، يظل مرتبطًا بطبيعة العلاقات الإنسانية، فالقانون يضع الإطار، لكن القلوب هي التي تقرر كيفية التطبيق.
في النهاية، تبقى المادة ١٧٩ نموذجًا لنص قانوني يجمع بين الانضباط والمرونة، ويذكّرنا بأن العدالة لا تعني الجمود, بل القدرة على التوازن بي.