25/12/2014
إن من تأمل القرآن الكريم وجد تلازماً ظاهراً وبيّناً بين هاتين الصفتين (القوة والأمانة) في عدة مواضع، ومن ذلك:
ما وصف الله به مبلغ الوحي والرسالات إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جبريل؛ في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين} [التكوير: 19 - 21]، كم وصفاً وصف الله به هذا الرسول الكريم؟! ومن ذلك وصفه بالقوة والأمانة، وهما من أعظم عناصر النجاح والكمال فيمن يؤدي عملاً من الأعمال.
والموضع الثاني من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة، فهو قول يوسف عليه السلام للملك: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].
"أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه".
والموضع الثالث من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة في القرآن الكريم فهو:
ما جاء في قصة سليمان عليه السلام، وهو يعرض على من كان عنده أمر إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ:
{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}[النمل: 38، 39].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: معلقاً على هذه المواضع الثلاثة بكلام نفيس، أنقل منه ما يناسب المقام:
"وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة كما قال تعالى: {إن خير من استأجرت القوي الأمين}...، والقوة في كل ولاية بحسبها: فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خَدْعَةٌ، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر...، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.
وهنا أورد قصة سيدنا عمر عملاق الإسلام، الذي كان مضرب المثل في العدالة والرحمة، عين والياً على عمل، وأعطاه كتاباً، قال فيه: " خذ عهدك- أي كتاب التعيين- وانصرف إلى عملك- إلى مهمتك - واعلم أنك مصروف رأس سنتك- سنة واحدة، تدريب، تمرين- واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال- هناك أربع حالات تنتظرك بعد عام- إن وجدناك أميناً ضعيفاً - أمين لكنه ضعيف، لا يوجد عنده جرأة، لا يستطيع أن يقبض على الأمور بشكل حازم- أميناً ضعيفاً، استبدلناك لضعفك- أي عزلناك آخر السنة- وسلمتك من معرفتنا أمانتك- لا يوجد عقاب لكن يوجد عزل- وإن وجدناك خائناً قوياً - قوي الشخصية، جريء، طليق اللسان، لكن لا يوجد بك أمانة- وإن وجدناك خائناً قوياً، استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين، الضعف والخيانة، جمعنا عليك المضرتين العزل والتأديب، وإن وجدناك أميناً قوياً، زدناك في عملك تمديداً- تثبيت، تعيين، ترقية- وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطئنا لك عقبك".
وفي الختام أقول إن كلمة القوي تشير إلى الكفاءة، القدرات الفنية، فلان عينته في عمل هو كفء له، خبراته واسعة، يعرف دقائق الأمر، يعرف ملابساته، يعرف مشكلاته، عنده حلول جاهزة ، هي معنى فلان كفء، الكفاءة خبرات فنية، والأمين خبرات أخلاقية.