03/06/2026
مقال بعنوان ( التحكيم كطريق بديل لحل المنازعات ).
بقلم المحامية / علا زكي آل رضوان .
في ظل الظروف الاستثنائية القاسية التي يعيشها قطاع غزة، وما يرافقها من أزمات مركبة تمس مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الانقطاع المتكرر لمرافق العدالة، وصعوبة الوصول إلى المحاكم، فضلًا عن التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تلقي بظلالها على البيئة القانونية برمتها، وأمام هذا الواقع غير المستقر، لم يعد البحث عن بدائل لتسوية المنازعات مجرد خيار تكميلي، بل أصبح ضرورة عملية وملحّة تفرضها طبيعة المرحلة.
ومن هنا برز التحكيم كأحد أهم الطرق البديلة لتسوية المنازعات، لما يوفره من مرونة وسرعة وسرية مقارنة بإجراءات التقاضي التقليدية، كما يكتسب التحكيم أهمية مضاعفة في بيئة تتسم بضعف الاستقرار وصعوبة التنفيذ، إذ يشكّل أداة واقعية لحماية المصالح القانونية والاقتصادية، وضمان حد أدنى من فعالية العدالة في ظروف استثنائية خارجة عن الإرادة.
وقد وضع المشرع الفلسطيني إطاراً قانونياً ينظم اتفاق التحكيم و إجراءاته و آثار الاحكام الصادرة عنه .
*تعريف التحكيم :
التحكيم بحسب قانون رقم (3)لسنة 2000م هو وسيلة لفض نزاع قائم بين أطرافه وذلك بطرح موضوع النزاع أمام هيئة التحكيم للفصل فيه.
ولقد استثنى القانون مسائل لا تخضع لأحكامه و لا يجوز فيها التحكيم و هي المسائل المتعلقة بالنظام العام في فلسطين و المسائل التي لا يجوز فيها الصلح قانوناً والمنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية.
*أنواع التحكيم :
للتحكيم أنواع وفقاً للمادة (3) كالتالي :
أولاً: محلياً إذا لم يتعلق بالتجارة الدولية وكان يجري في فلسطين.
ثانياً: دولياً إذا كان موضوعه نزاعاً يتعلق بمسألة من المسائل الاقتصادية أو التجارية أو المدنية وذلك في الأحوال الآتية:
1- إذا كانت المراكز الرئيسة لأطراف التحكيم تقع في دول مختلفة وقت إبرام اتفاق التحكيم، فإذا كان لأحد الأطراف أكثر من مركز أعمال فالعبرة بالمركز الأكثر ارتباطاً باتفاق التحكيم، أما إذا لم يكن لأحد الأطراف مركز أعمال فالعبرة بمحل إقامته المعتاد.
2- إذا كان موضوع النزاع الذي يشمله اتفاق التحكيم مرتبطاً بأكثر من دولة.
3- إذا كان المركز الرئيس لأعمال كل طرف من أطراف التحكيم يقع في نفس الدولة وقت إبرام اتفاق التحكيم وكان أحد الأماكن الآتية يقع في دولة أخرى:
أ- مكان إجراء التحكيم كما عينه اتفاق التحكيم أو أشار إلى كيفية تعيينه.
ب- مكان تنفيذ جانب جوهري من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية أو التعاقدية بين الأطراف.
ج- المكان الأكثر ارتباطاً بموضوع النزاع
ثالثاً: أجنبياً إذا جرى خارج فلسطين.
رابعاً: خاصاً إذا لم تقم بتنظيمه مؤسسة مختصة بالتحكيم.
خامساً: مؤسسياً إذا تم من خلال مؤسسة مختصة بتنظيم التحكيم والإشراف عليه سواء كانت داخل فلسطين أو خارجها.
*مراحل التحكيم :
اولاً /اتفاق التحكيم :
هو اتفاق بين طرفين أو أكثر يقضي بإحالة كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو قد تنشأ بشأن علاقة قانونية معينة تعاقدية كانت أو غير تعاقدية، ويجوز أن يكون اتفاق التحكيم في صورة شرط تحكيم وارد في عقد أو اتفاق منفصل ، كما يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً ، و يكون اتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه محرر وقعه الطرفان أو تضمنه ما تبادلاه من رسائل أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة.
وإذا تم الاتفاق على التحكيم بعد نشوء النزاع فيجب أن يتضمن الاتفاق موضوع النزاع وإلا كان باطلاً ، و يعتبر شرط التحكيم اتفاقاً مستقلاً ولا يتأثر ببطلان العقد أو فسخه أو انتهائه ، و لا يجوز العدول عن اتفاق التحكيم إلا باتفاق الأطراف أو بقرار من المحكمة المختصة.
ثانياً / تعيين المحكمين: يتم اختيار المحكمين بناءً على الاتفاق بين الأطراف أو عبر مؤسسة تحكيمية إذا تعذر الاتفاق.
ويمكن ان تعين المحكمة المحكمة بناءً على طلب أحد الأطراف أو هيئة التحكيم تعين المحكمة المختصة محكماً أو مرجحاً من ضمن قائمة المحكمين المعتمدين من وزارة العدل وذلك في الحالات الآتيـــة:
أ-إذا كان اتفاق التحكيم يقضي بإحالة النزاع إلى محكم واحد ولم يتفق الأطراف على تسمية ذلك المحكم.
ب- إذا كان لكل طرف الحق في تعيين محكمين قبله ولم يقم بذلك.
ج- إذا لم يقبل المحكم مهمته كتابة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ علمه باختياره محكماً.
د- إذا اعتذر المحكم أو محكم أحد الأطراف في التحكيم المتعدد عن القيام بالتحكيم أو أصبح غير أهل لذلك أو غير قادر عليه ولم يعين الأطراف أو ذلك الطرف خلفاً له.
هـ- إذا كان على المحكمين تعيين مرجح ولم يتفقوا.
و- إذا رفض أو اعتذر المرجح عن القيام بالتحكيم، ولم يتضمن اتفاق التحكيم كيفية تعيين خلف له ولم يتفق الأطراف على تعيين ذلك الخلف.
وتصدر المحكمة قرارها بالتعيين خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغ الطرف الآخر بنسخة الطلب، ويكون القرار غير قابل للطعن.
ثالثاً/بدء الإجراءات:
تباشر هيئة التحكيم عملها فور إحالة النزاع إليها بعد قبولها مهمة التحكيم بين الأطراف. و تبدأ العملية التحكيمية بتقديم طلب التحكيم الذي يتضمن ملخصًا للنزاع ومطالبات الطرف المتقدم.
رابعاً/جلسات التحكيم:
اذا لم يتفق أطراف التحكيم على مكان إجرائه فإنه يُجرى في المكان الذي تحدده هيئة التحكيم مع مراعاة ظروف النزاع وملاءمة المكان لأطرافه، ويجوز لهيئة التحكيم عقد جلسة أو أكثر في أي مكان تراه مناسباً.
خامساً/إصدار حكم التحكيم:
تنص المادة (38)انه :
ا-على هيئة التحكيم إصدار القرار المنهي للخصومة خلال الميعاد الذي اتفق عليه الطرفان.
ب-ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك يجب أن يصدر القرار خلال اثني عشر شهراً من تاريخ بدء إجراءات التحكيم، وفي جميع الأحوال يجوز أن تقرر هيئة التحكيم مد الميعاد لمدة لا تزيد على ستة أشهر.
2- إذا لم يصدر قرار التحكيم خلال الميعاد المشار إليه في الفقرة (1) أعلاه جاز لأي من طرفي التحكيم أن يطلب من المحكمة المختصة أن تصدر أمراً لتحديد ميعاد إضافي أو لإنهاء إجراءات التحكيم، ويكون لأي من الطرفين عندئذ رفع دعوى إلى المحكمة المختصة.
3- تصدر هيئة التحكيم قرارها الفاصل في موضوع النزاع خلال ثلاثة أشهر من تاريخ حجز القضية للحكم، ويجوز للهيئة تمديد هذه المدة إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
4- يصدر قرار التحكيم بالإجماع أو بأكثرية الآراء بعد المداولة إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من محكم واحد، أو بقرار من المرجح عند تعذر الحصول على الأكثرية.
وتقضي المادة (47) على انه يكون لقرار التحكيم بعد تصديقه من المحكمة المختصة القوة والمفعول التي لقرارات المحاكم ويتم تنفيذه بالصورة التي ينفذ فيها أي حكم أو قرار صادر عن محكمة وفقاً للأصول المرعية.
في الختام، يتضح أن التحكيم لم يعد مجرد وسيلة بديلة اختيارية لفض المنازعات، بل أصبح في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة ضرورة عملية وملحة تفرضها طبيعة الواقع وتعقيداته. فهو يشكّل أداة فعّالة لتجاوز محدودية إجراءات التقاضي التقليدي، بما يوفره من سرعة ومرونة وسرية، ويعزز من فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستقرة للنزاعات، خاصة في المجالين التجاري والمدني.