مسار التميز- المنازعات القانونية والقضائية

  • Home
  • Morocco
  • Marrakesh
  • مسار التميز- المنازعات القانونية والقضائية
Directions

مسار التميز- المنازعات القانونية والقضائية Cycle d excellence-
Les contentieux juridiques et judiciaire.

18/02/2026
06/05/2025

للذكرى ، من قلب مدرج المختار السوسي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاضي عياض بمراكش، الزمن: يونيو 2021، المناسبة: مناقشة مشروع قانون العقوبات البديلة، الذي سيدخل حيز التطبيق في غشت المقبل، بعد مضي أربع سنوات ونيف على هذه الندوة العلمية

تهنئة بمناسبة عيد الفطر المباركبمناسبة حلول عيد الفطر السعيد، يتقدم مسار التميز في المنازعات القانونية والقضائية بأحر ال...
30/03/2025

تهنئة بمناسبة عيد الفطر المبارك

بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد، يتقدم مسار التميز في المنازعات القانونية والقضائية بأحر التهاني وأطيب التبريكات، سائلين الله أن يعيده علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات، وأن يجعل هذا العيد مناسبة لتعزيز قيم العدل والإنصاف، وترسيخ مبادئ القانون التي تقوم على الحق والمساواة.

كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

كارل بوبر ومعايير العلمية"مصدر منهج كارل بوبرأشار كارل بوبر Karl Popper، إبان حلقة دراسية، إلى مصدر منهجه. وقال إنه لاحظ...
29/03/2025

كارل بوبر ومعايير العلمية
"مصدر منهج كارل بوبر

أشار كارل بوبر Karl Popper، إبان حلقة دراسية، إلى مصدر منهجه. وقال إنه لاحظ - في بداية القرن العشرين، وكان حينها طالبًا – تفريخًا مفرطًا لنظريات جديدة غالبًا ما تكون مكتملة اكتمالًا نهائيًا (La quête inachevée, p. 60).

وكان يهتم في هذه الأثناء بنسبية إنشتين وبالتحليل النفسي الفرويدي وبعلم النفس الذي أسسه أدلر وبالماركسية. وكانت هذه النظريات تثير في أوساط الطلبة نقاشات حــ.. ـادة. فشعر كارل بوبر حينذاك بأن المذاهب الثلاثة الأخيرة كانت أقرب إلى الأساطير منها إلى العلم، بالرغم من ادعائها العلمية (La quête inachevée, p. 61).

وكانت نظرية إنشتين تبدو له مختلفة جدًا عن بقية النظريات الأخرى. واندهش لكون إنشتين نفسه قد أشار إلى أن نظريته لن تكون مقبولة إذا لم تنجح في خضوعها لبعض الاختبارات. إن هذا الموقف النقدي لإنشتين، الذي جعله، حسب كارل بوبر، يقبل أن تخضع نظريته للتفنيد، هو موقف مميز للعلم.

الاستقراء والاستنباط

يتعلق الحدس الثاني لكارل بوبر بالاستقراء. لقد ارتأى أن جزءًا كبيرًا من المعرفة لا يتم الحصول عليه عن طريق الاستقراء وإنما عن طريق الاستنباط. ولقد اعتمد على النقد الذي وجهه دافيد هيوم للاستقراء، والذي أوضح فيه أن الاستقراء يكون خاطئًا أحيانًا، وأنه غير قابل في جميع الحالات للبرهنة على صدقه كونياً. (فللبرهنة على صحة استقراء معين ينبغي معرفة جميع الوقائع حتى نهاية الزمن).

لكن كارل بوبر قام بتوسيع مجال المشكل الذي طرحه دافيد هيوم، أي "قام بإعادة صياغته بطريقة موضوعية" (La quête inachevée, p. 115)، وذلك بتطبيقه على العلاقة ما بين معطيات الوقائع الملاحظة والنظريات العلمية.

عدم كفاية التحقق والتفنيد كمعيار للعلمية

وبناءً على هذه القاعدة العامة، تمكن بوبر من توضيح عدم كفاية التحقق في العلوم. إن إعادة صياغة العلم كإجراء استنباطي قدّم أساسًا منطقيًا لمعياره عن العلمية من خلال التجربة.

إن ملاحظة مجموعة من الوقائع المُعزِزة لنظرية معينة لا تثبت صحتها بشكل يقيني وبصفة كونية حسب كارل بوبر. إنه إجراء من النوع الاستقرائي، وبهذا المعنى يمكن في لحظة معينة أن تظهر واقعة تناقض النظرية المعنية.

إننا نجد دومًا مجموعة من الوقائع تعزز نظرية ما، حتى وإن كان الأمر غير مقنع ويدخل ضمن النزوات.

معايير العلمية

طرح كارل بوبر مشكل الفصل ما بين منهج علمي ومنهج تأملي (علم مزعوم، إيديولوجيا) انطلاقًا من مسألة المنهج بصفة عامة (أي بالجمع بين ما هو نظري وما هو تجريبي في مجال البحث).

ينبغي أن يشتغل العلم، حسب بوبر، بطريقة استنباطية، بحيث ينطلق من العام الذي هو النظرية نحو الخاص الذي هو الواقعة التجريبية. أي أن على العلم أن يعمل وفق الخطوات الثلاث التالية:

1. النظرية
2. استنباط النتائج
3. التجربة (التي بإمكانها تفنيد النظرية)

تتضمن عملية التحقق من علمية منهج يدعي العلمية أربع مراحل هي:

- تقييم الانسجام النظري للنسق
- إبراز البناء المنطقي للنظرية
- المقارنة بنظريات أخرى
- الاختبارات التجريبية

وتعتبر المرحلة الأخيرة مهمة لأنها هي التي تشكل إسهامًا خاصًا لكارل بوبر.

يقترح كارل بوبر معيارًا يراه أكثر إقناعًا وملاءمة من معيار التحقق من أجل الحسم في صلاحية نظرية معينة، وهو معيار التفنيد.

النسبية ومـ.. عـاداة النسبية

اهتم كارل بوبر بالتمييز بين المعرفة العلمية وبين العقائد الإيديولوجية، واتضح ذلك في تركيزه على الفصل بين المجالين. أشار إلى أن ما يسمح بالحسم في علمية أو عدم علمية نظرية ما هو المنهج وليس النتائج.

وبرهن على أن التحقق غيرُ كافٍ كمعيار للفصل بين ما هو علمي وما ليس علميًا. وأضاف متطلبات وشروطًا جديدة للحكم على علمية أو عدم علمية نظرية معينة.

وجعله موقفه هذا يـ.. عادي النسبية بإبرازه أن كل المعارف لا تتساوى في الأهمية ولا يمكن الخلط فيما بينها أو دمج بعضها مع بعض.

لكن الطابع الظرفي للمعرفة التي تقدمها العلوم يدعم النسبية.

الاستنباط والاستقراء

للاستقراء معانٍ مختلفة. فالاستقراء الذي انتقده دافيد هيوم David Hume هو برهنة خاطئة تستخلص نتيجة يقينية عن المستقبل مما يحدث بانتظام في الماضي.

يقول كارل بوبر عن دور الاستقراء في بناء العلم:

"يمكننا التأكيد على أن النظريات لا يمكنها أبدًا أن تُستنتجَ من معطيات الملاحظة، ولا أن تتلقى منها تبريرًا عقلانيًا" (Conjectures et refutations, p. 73).

ومع ذلك، يبرز تاريخ العلوم التجريبية أنها تعمل دوماً انطلاقًا من مجموعة الوقائع الملاحظة.

كيف ستقدم نظرية معينة معرفةً إذا لم تهتم بجانب معين من الواقع؟ هناك دومًا مرجع واقعي أول بالنسبة للمعرفة العلمية التجريبية، حتى وإن كانت للنظرية ديناميكيتها الخاصة، ويمكنها الابتعاد عن الواقع ثم العودة إليه في صيغة تجارب حاسمة.

يقتضي استعمال الاستنباط في العلم القيام بتوقع ما سوف يحدث انطلاقًا من حالة واقعية معروفة بالاعتماد على نظرية معينة.

تستعمل كل العلوم الاستنباط، ولكن كارل بوبر يمنح الاستنباط مكانة مركزية لأنه يعتمد على الفيزياء النظرية والكوسمولوجيا، وهما مجالان تحظى فيهما النظرية باستقلال قوي، ويكون فيهما الطابع الاستنباطي مسيطرًا.

تم تعزيز وتدعيم أطروحة كارل بوبر بموقف ألبير إنشتين الذي قال:

"تعلمت شيئًا آخر من نظرية الجاذبية، وهو أنه لا يمكن أبدًا لمجموعة من الوقائع التجريبية، مهما كان حجمها، أن تقيم معادلات معقدة مثل معادلة الجاذبية. يمكن اختبار نظرية ما عن طريق التجربة، لكن لا وجود لطريق يقود من التجربة إلى إقامة نظرية معينة" (Einstein, A. Notes autobiographiques, Paty Michel, p. 364).

إن تأييد إنشتين لأطروحة كارل بوبر يجعلها حاسمة ومقنعة. لكن هذا لا يعني أنها قابلة للتعميم."

جوينيي باتريك - ترجمة د. حنان قصبي

المرجع:

JUIGNET Patrick. Karl Popper et les critères de la scientificité. Philosophie, science et société. 2015.

كتاب الجريمة والعقاب / فيودور دوستويفسكي"يعتبر دوستويفسكي واحداً من أعظم كتّاب الرواية، فأعماله تتميز بقدرة على السرد تش...
26/03/2025

كتاب الجريمة والعقاب / فيودور دوستويفسكي
"يعتبر دوستويفسكي واحداً من أعظم كتّاب الرواية، فأعماله تتميز بقدرة على السرد تشدّ القارئ، وبتعبيرها القوي عن دواخل النفس الإنسانية، وقد عبّر عن ذلك في عناوين رواياته التي تصف الإنسان في شتى مواقفه وتصرّفاته: المقامر - المراهق - مذلون مهانون - الجريمة والعقاب - الأبله... وتعتبر رواية "الجريمة والعقاب" إحدى قمم الأعمال الإنسانية، إنها ذلك اللغز المفتوح على النفس الإنسانية، وما يدور في أعماقها، والمفتوح على قضايا الموجود، والعذاب، والخير، والشرّ، والحب، والجريمة، والجنون، والأهواء، والمنفعة، والمرض... إن شخصيّة راسكولنيكوف هي محاولة لفهم تعقيدات الشخصية الإنسانية مقدماً عدداً من التفسيرات، مناقشاً الدوافع والبواعث الكامنة في اللاوعي والتي حَدَت راسكولنيكوف للتصّرف بما يخالف المنطق. يطرح دوستويفسكي فكرة إستحالة معرفة الإنسان، ويجبرنا على أن نتطلّع إلى ما يكمن في نفوسنا، وأن نعثر فيها على تلك الأهواء التي تعصف بأبطاله، وكيف أن النفس الإنسانية تحمل في آن أسمى المثل إلى جانب أحط الدناءات... كيف أن الإنسان يحمل في داخله قوة تنفيذ الجريمة ورغبة تحقيق العدالة."

رابط تحميل الجزء الأول

https://archive.org/download/CrimeAndPunishmentP01/Crime%20and%20Punishment%20P01.pdf

رابط تحميل الجزء الثاني

https://archive.org/download/CrimeAndPunishmentP01/Crime%20and%20Punishment%20P02.pdf

نظرية العدالة لدى الفيلسوف جون رولز :جون بوردلي رولز (بالإنجليزية: John Rawls)‏[ (ولد 21 فبراير 1921 - توفي 24 نوفمبر 20...
26/03/2025

نظرية العدالة لدى الفيلسوف جون رولز :
جون بوردلي رولز (بالإنجليزية: John Rawls)‏[ (ولد 21 فبراير 1921 - توفي 24 نوفمبر 2002) كان فيلسوفًا أخلاقيًا وسياسيًا في التراث الليبرالي. حصل رولز على كل من جائزة شوك في المنطق والفلسفة والميدالية الوطنية في العلوم الإنسانية في عام 1999، أهداه الرئيس بيل كلينتون هذه الميدالية، تقديرًا لأثر رولز الأدبي في «مساعدة جيل كامل من الأمريكيين المتعلمين على إحياء إيمانهم بالديمقراطية نفسها

يعتبر رولز من منظري ومؤسسي الليبرالية الاجتماعية، حيث اهتم بالعدالة الاجتماعية. يقول الفيلسوف الإنجليزي جوناثان وولف أنه " قد يكون هناك نـ. زاع حول الفيلسوف السياسي الثاني الأكثر أهمية في القرن 20، ولكن لن يختلف أحد على أن الفيلسوف الأول الأكثر أهمية هو: جون رولز".
رأى رولز أن عدم التساوي الاقتصادي يجب أن يخضع لشرطين:
أولا، أن يحصل لمواقع ووظائف مفتوحة للجميع وبشروط تضمن المساواة في الفرص.
وثانيا، أن يعود هذا الفرق الاقتصادي بالنفع على أقل أفراد المجتمع استفادة.
كتب ويل كيمليكا في مقدمته عن هذا المجال عام 1990 «من المقبول عمومًا بدء الولادة الحديثة للفلسفة السياسية المعيارية تزامنًا مع انتشار نظرية جون رولز حول العدالة في عام 1971». يُوصف رولز بأنه أهم فيلسوف سياسي في القرن العشرين. لديه تميز استثنائي بين الفلاسفة السياسيين المعاصرين حيث تستشهد به محاكم القانون كثيرًا في الولايات المتحدة وكندا، ويُشير السياسيون النشطون إليه في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
تحث نظرية رولز وهي «العدالة بإنصاف» على الحقوق الأساسية المتساوية، تكافؤ الفرص وتعزيز مصالح أفراد المجتمع الأقل حظًا. تستخدم حجة رولز لمبادئ العدالة الاجتماعية تجربة فكرية تُدعى "الموقع الأصلي"، حيث يختار الأشخاص نوع المجتمع الذين يودون العيش تحت لوائه في حالة عدم معرفتهم أي موقع اجتماعي سيشغلونه شخصيًا. تحول رولز إلى مسألة شرعية السلطة السياسية في حالة وجود خلاف مقبول حول طبيعة الحياة الجيدة، في عمله الأدبي اللاحق «الليبرالية السياسية» (1993)

نظرية العدالة :

يمكن القول دون مماحكة أن نظرية (العدالة التوزيعية) التي صاغها الفيلسوف الأمريكي جون رولز (1921- 2002م) تشكل أهم محاولة فلسفية بعد النظريات التعاقدية في القرن الثامن عشر لبناء قاعدة نظرية صلبة للممارسة الليبرالية الحديثة.
والمعروف أن التقليد الليبرالي المنحدر من نموذج (العقد الاجتماعي) (روسو، هوبز، لوك…) قد انقسم إلى اتجاهين: (جمهوري) يركز على البُعد المتعلق بالإرادة المشتركة والهوية الجماعية للأمة من حيث هي كلية تعاضدية، و(ليبرالي) يركز على الحقوق الفردية الأولية التي هي التجسيد الحي لمبدأ الإرادة الحرة بصفته منشأ العقد وضمانته.
وعلى الرغم من النقد الهيغلي لنظريات العقد الاجتماعي التي اعتبر أنها تضعف الكيان الجماعي باختزالها الدولة في نمط الترابط النفعي العرضي من منطلقات فردية مجردة، في حين أن الدولة هي التعبير عن روح الأمة وهي التجسيد الموضوعي للعقل المطلق، إلا أن النموذج التعاقدي ظل الخلفية النظرية والمعيارية الوحيدة للتقليد الليبرالي. ولم تنجح النزعات الفردية المناهضة لفكرة (السيادة المطلقة) التي تقوم عليها نظريات العقد الاجتماعي من بلورة بديل عن هذا النموذج الذي أصبح الإطار المرجعي للهياكل الدستورية للديمقراطيات الليبرالية

بيد أن هذا النموذج – الذي صمد أمام انتقادات فلاسفة القرن التاسع عشر ـ غدا عاجزاً عن توفير العدة النظرية الصلبة للديمقراطيات المعاصرة في مواجهة الفلسفات النفعية التي تدّعي التعبير عن القيم الليبرالية للمجتمعات الراهنة وفلسفات النسبية القيمية التي تأخذ شكل مقاربات متنوعة يجمعها النقد الجذري لتركة التنوير ومفاهيم وقيم الحداثة.
أما الفلسفات النفعية فتتشكل من التقليد الذي ظهر في السياق الأنغلوساكسوني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وهيمن على الثقافة السياسية الأمريكية المشتركة. وينطلق هذا التقليد من فكرة محورية مفادها أن التمييز بين الفعل الخير والسيء يتحدد بحسب معيار الرفاهية أو المنفعة المترتبة عليه. وبالرجوع إلى أعمال أبرز ممثلي هذا الاتجاه كبنتام (1748- 1832م) وجون ستوارت ميل (1806- 1873م) يمكن تلخيص أسس الفلسفات النفعية في ثلاث محددات رئيسية هي: مبدأ الرفاهية، ومبدأ التقويم بالأثر الراجع، ومبدأ التكثيف الأقصى (للمنفعة) تتمحور حول تصور فردي للقيم ينظر للمعايير المشتركة كحصيلة للمنافع الفردية المسجلة

أما التيار الناقد لقيم التنوير والحداثة فيتوزع في الساحة الأمريكية إلى اتجاهين متمايزين هما:
ـ تأثيرات مدرسة فرانكفورت التي عمدت إلى تقديم نقد جذري لمسار العقلنة في المجتمعات الليبرالية الصناعية الحديثة بصفته أفضى إلى الانتقال من هدف الهـ. يـ. ــمنة على الطبيعة إلى الهــ. يمـــ. ـنة على الإنسان بحيث انفصمت العلاقة بين البعد المؤسسي التنظيمي للديمقراطيات المعاصرة والمنظور القيمي التحرري الذي تمتاح منه مقوماتها النظرية والإيديولوجية.

ـ اتجاه الفيلسوف الألماني ـ الأمريكي ليو شتراوس الذي وجه نقدا راديكاليا للحداثة السياسية القائمة على التصورات الوضعية والتاريخية بما تؤدي اليه من القول بنسبية القيم ومن إضعاف للجسم الاجتماعي والسياسي، داعياً للرجوع إلى الفلسفات القديمة (اليونانية والوسيطة) في تصورها للشأن العمومي كتطبيق لقيم الفضيلة المدنية

في هذا السياق إذن بدت نظرية العدالة التوزيعية التي طرحها رولز في صيغتها الأولى عام (1971م) حدثاً كبيراً في تاريخ الفلسفة السياسية لعدة أسباب من بينها أنها أول نظرية في العصر الراهن تقدم بناء مفهوميا (قويا) لتأسيس مرجعية العدالة، تعيد المبحث الأخلاقي إلى الفلسفة الذي انسحب منه بأثر النقد النتشوي الراديكالي للتصورات الأخلاقية و إقصاء الملفوظات المعيارية من دائرة المعنى في الفلسفات التحليلية التي كانت مهيمــ ــنة في السياق الأمريكي.
والمعروف أن التقليد الفلسفي يتأرجح إجمالاً بين تصورين للمسألة الأخلاقية:
ـ التصور المعياري الذي يعود لفلسفة أرسطو، ويتحدد بحسب غائية السلوك من حيث كونه يضمن الخير والكمال.

ـ التصور الإجرائي الذي بلوره كانط، ويتحدد بحسب قابلية السلوك للتعميم والصياغة الكونية.
فالتصور الأول ينطلق من أن السلوك الأخلاقي لا يرمي إلى مجرد ضبط العلاقات الإنسانية حسب مدونة إجرائية تضمن لهم العدل والتكافؤ، بل يهدف إلى غاية أسمى هي تحقيق رغبة الإنسان الطبيعية في العيش السعيد والحياة الفاضلة. ومن هنا القول بتماهي الخير (أي الأخلاق) والقيمة الأسمى (أي السعادة).

فأرسطو يعرف الخير في كتابه (الأخلاق النيماخوية) بأنه ما يبحث عنه البشر، وما يشكل غاية قصوى لأفعال الناس: (أنه ما تنزع إليه الأشياء أجمعها).
ولكن إذا كانت الخيرات متعددة، فما هو الخير الأسمى؟
يجيب أرسطو بالقول: إنه السعادة، لأنها الخير المطلق المطلوب لذاته، فهو الغاية القصوى للإنسان.
بيد أن السعادة ليست مفهوماً ذاتياً أو نفسياً، وليست رغبة أو منفعة، انها حسب تعريف أرسطو (تحقيق الفضيلة)، ليس بمعنى التزام قاعدة قانونية أو ضوابط إجرائية، بل الانسجام مع الطبيعة الإنسانية ذاتها، أي السعي لتحقيق السلوك الذي يضمن اكتمال وتحقق الإنسان.
وإذا كان للأخلاق مدونة سلوكية، إلا أنها ليست قانونية ضاغطة، فالأساس فيها هو المثل والغايات القصوى.

أما التصور الكانطي، فيستبدل (أخلاق السعادة) بأخلاق الواجب)، والتصور الغائي للسلوك الأخلاقي بالتصور الإجرائي له، وبذا يبلور الخلفية الفلسفية للتصورات القانونية الحديثة القائمة على مفهوم (استقلالية الذات) في مواجهة التصور الأنطولوجي للطبيعة الإنسانية (أي القول بطبيعة إنسانية مطلقة ومكتملة على السلوك الأخلاقي أن ينسجم معها.

ففي كتابه (أسس متيافزيقا الأخلاق) يحدد الفعل الأخلاقي بأنه ما ينسجم مع (القانون الأخلاقي) أي (الواجب).

يعني ذلك أن مصدر الفعل الأخلاقي ليس مدى تلاؤمه مع غائياتنا أو سعادتنا ولا مصالحنا، بل مع المقوم الكوني لإنسانيتنا كما يترجم في واجبات شاملة تتخذ شكل قوانين ملزمة موضوعية وغير ذاتية.
إن أساسه هو (الأمر القطعي) الذي يصوغه في شكل قانون أعلى على النحو التالي: (على سلوكك أن يكون دوماً محدداً بطريقة تجعله قابلا إراديا أن يتحول إلى قانون طبيعي كلي).

فالنموذج المطروح هنا للقانون الأخلاقي هو القانون الموضوعي الذي يحكم الظواهر الطبيعية. فمعيار السلوك الأخلاقي ليس في مضمونه بل شكله الذي يجب أن يكون له خاصية الإلزام غير المشروط.
إنها أخلاق مبنية على العقل العملي الذي يتعلق بالفعل لا المعرفة ميدان العقل المجرد (ومن ثم تعطي الأولوية لمبدأ العدل(المساواة في الحقوق) على مبدأ الخير(مضمون العقل وطبيعته).
فبالنسبة لكانط، لا يمكن أن نبني الأخلاق على مفهوم (السعادة) باعتباره من الأفكار المجردة التي لا مضمون محدد لها، كما أنه يتماهى مع اللذة التي هي موضوع ذاتي ونفعي.
ولذا، فإن المبدأ المؤسس للأخلاق هو الإرادة الحرة التي تمنحنا الوعي بالواجب الأخلاقي الذي يحررنا من النوازع التجريبية النفعية، ويضمن لنا التصرف كأفراد مستقلين.

ومن المعروف أن كانط لا يميز بين المشكل الأخلاقي والمشكل التشريعي ـ السياسي، بل أنه يتناول الموضوع القانوني من منطلقات أخلاقية، باعتبار أن القانون هو تجسيد عملي للضوابط الأخلاقية، بقدر ما أن هذه الضوابط قوانين إجرائية وليست معايير قيمية مطلقة.
وهكذا تفضي التصورات الكانطية إلى نتيجتين هامتين، لهما أثر حاسم في الفكر القانوني والسياسي الحديث والمعاصر:

أولاهما: إناطة الفاعلية الأخلاقية بالقوانين، التي أصبحت لها استقلاليتها عن دائرة الحكم، ومن هنا فكرة استقلالية السلطة القضائية في جهاز الدولة الحديثة.

فالقوانين من هذا المنظور هي مدونات إجرائية تعبر عن الجانب القيمي المتعلق بالمجال العام، إنها أكثر من تشريعات، بل تتسع لتشمل جوانب مختلفة ومتنوعة من الحياة الأخلاقية للأفراد.
ثانيتهما: بناء الشرعية السياسية على المقوم الأخلاقي بمفهومه الحديث أي الحرية بصفتها إرادة ذاتية تنزع للكونية من خلال إقامة مؤسسات كلية.

إن هذا التصور الأخلاقي بالمفهوم الحديث (التعبير عن الحرية إجرائيا في قوانين كلية) هو الأساس النظري والمرجعي لنظريات العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، روسو…). ومن الواضح أنه يرتكز على مصادرة تناسب أخلاق الواجب مع التشريعات المدنية، ويتأسس على مرجعية العقل بصفته إطار الكونية الإنسانية.
بيد أن هذا التصور الحديث للمسألة القانونية من منظور أخلاقية التميز والعقلنة (أي استقلالية الإنسان ورشده بإمتلاكه أداة التعقل واستخدامها المكتفي بذاته)، قد طرح إشكالات حادة في الفلسفة المعاصرة، نذكر من بينها ما بينه ليوشتراوس من أن التصورات القانونية السياسية الحديثة التي أرست قطعية مع مفاهيم الفضيلة الأرسطية انتهت إلى التأرجح غير المحسوم بين نموذج اصطناعي لا معياري(القانون كمجرد إجراءات عملية لضبط الدولة والمجتمع بصفتها جهازاً له قواعد اشتغاله) ونموذج معياري مستمد من الإيديولوجيات التاريخانية والوضعية، أي منح هذه الإجراءات قيمة مطلقة أما لتماهيها مع ما تعبر عنه قوانين التاريخ وأما بمنحها قيمة القوانين الطبيعية كما يكشف عنها العلم التجريبي.

فالمشكل هنا هو تمويه مصدر القوانين بالعجز عن حسمه نظريا. فإذا كانت الفلسفات السياسية القديمة قد أرجعتها لقوة الفضيلة بمعناها الأنطولوجي (أي من حيث انسجامها مع نظام الوجود ذاته)، وكانت المنظومات الدينية قد أرجعتها لمصدر إلهي مقدّس، فإن الفكر القانوني الحديث ينيط بالدولة بصفتها التعبير الكلي عن المجموعة القو مـــية حق إصدار القوانين المنظمة لشؤون المجتمع.

ولتبرير هذا التحويل يتم النظر للدولة من زاوية قانونية، بالنظر إليها من حيث هي مرجعية التأسيس ومصدر الشرعية بصفتها قائمة على عقد أخلاقي ذاتي يحقق إرادة جماعية مشتركة تتخذ شكل وثيقة قانونية تحكم علاقات الناس فيما بينهم وتحدد شكل السلطة التي تحكمهم.

إن هذا التصور يقوم إذن على تناقض خفي بين المنظور الاصطناعي النفعي للدولة (تحقيق الأمن المشترك للخروج من حالة الطبيعة التي هي حـ . ر. ب الكل ضـ. د الكل) والمنظور القيمي (أي الدولة بصفتها تعبيرا عن المضمون الأخلاقي للإرادة المشتركة).
فما أراده جون رولز هو إعادة الاعتبار للتصورات الإجرائية الشمولية للقيم دون اللجوء إلى مقوماتها الميتافيزيقية. ولذا فإنه لا يقدم نظرية العدالة التوزيعية كفلسفة أخلاقية بل يعتبرها نظرية سياسية لا تطمح إلى بلورة أسس جوهرية للفعل الأخلاقي، وإنما تكتفي بالكشف عن المبادئ الناظمة للعدالة داخل مجتمع تعددي جيد التنظيم، تتصـ . ا. رع فيه وتتعايش مختلف تصورات الخير الجماعي.

ومع ذلك تتميز أطروحة رولز بكونها تريد الوصول إلى مبادئ كونية للعدالة، اعتبرها رولز في مقاربته الأولى منطلقات إنسانية عقلية قبل أن يقر في مراجعاته المتكررة للنظرية بأنها محدودة بسياق المجتمعات الليبرالية الديمقراطية وبنمط العقلانية الذي تقوم عليه.
ففي الكتاب الذي صدر عام 1971م يبين رولز بوضوح أن هدفه هو (تقديم تصور للعدالة يعمم ويرفع إلى أعلى مستوى من التجريد نظرية العقد الاجتماعي المعروفة جدًا، كما نجدها لدى لوك وروسو وغيرهم). فالمقصود هنا هو البحث عن تأسيس أصلي لقيمٍ العدالة من خلال الرجوع لفكرة (الوضعية الأصلية) للمتعاقدين، تفاديا لتأثير المواقع والتصورات الاجتماعية على المعايير المؤسسة للحالة الترابطية القائمة. ويرى رولز أن ميزة النموذج التعاقدي تكمن في أنه يسمح بتصور مبادئ العدالة بصفتها (مبادئ من شأن البشر العاقلين أن يختاروها) كما يسمح في الآن نفسه (بشرح وتبرير تصورات العدالة).

أما في مراجعته للنظرية التي تضمنها كتابه (العدالة بصفتها إنصافاً) الذي صدر عام 2001م فسيتحول الاهتمام من هذا الهدف التأسيسي القوي إلى وضع مجرد (تصور سياسي للعدالة) وليس مذهباً أخلاقيا شاملاً. فالغرض من هذا التصور هو حسم الإشكال العصي المطروح على كل المجتمعات الليبرالية التعددية الذي هو رسم الحد الفاصل بين الفردية الذرية المتولدة عن مبدأ الإرادة الذاتية الحرة والشمولية الاجماعية المشطة، التي تموه وتقصي الحقوق الفردية التي هي الحقوق القاعدية الأساسية للإنسان الحديث.

فالرجوع إلى النموذج التعاقدي في المراجعات الأخيرة للنظرية لا يراد منه استكمال أو تعميم المقاربة العقلانية الشاملة التي كانت مهيمنة على فلسفات روسو ولوك وهوبز، وإنما توظيف البراديغم البنائي في وضع أسس إجرائية لقيم الإنصاف الاجماعية الضابطة لمجتمع تعددي جيد التنظيم.

ففلاسفة العقد الاجتماعي الكلاسيكيين تصوروا العقد من منظور معياري، أي بصفته التجسيد العملي لقيم عقلية كونية تفرض نفسها على بشر متعايشين من حيث هم أحرار ومتساوون بالطبيعة. فحالة الطبيعة هنا ليست فرضية تاريخية وإنما حيلة نظرية تشكل منظور تقويمياً صلباً للنظم الاجتماعية القائمة لإدراك مدى انسجامها مع هذه المرجعية المتعالية. فالمقاربة التعاقدية لدى رولز لا تبحث في السمات المعيارية القصوى للنظام الجماعي وإنما تتحرى البحث في شروط وظروف شرعية المؤسسات القائمة ومبررات الخضوع الإرادي للأفراد الأحرار لها. إن العقد هنا لا يقوم على رؤية قيمية مشتركة، كما أنه لا يقوم على الإجماع النهائي المطلق، بل إن أساسه هو تنظيم وتسيير الرؤى المعيارية المتعددة من خلال الحوار المتواصل والإجماع التوفيقي.

يتعين التنبيه في هذا السياق إلى أن نظرية رولز تندرج في سياق التقليد الفكري السياسي الأمريكي الذي يركز على البعد التعاوني الترابطي للكيان السياسي في مقابل نظريات الهـ. يمــ. ــنة والصـ . ر اع التي سادت طيلة نصف القرن الأخير في الفلسفة السياسية والدراسات الاجتماعية الأوروبية.
فرولز ينطلق في نظريته للعدالة من تعريف المجتمع بصفته (نسق التعاون الاجتماعي القائم على الإنصاف)). ولفكرة التعاون خصائص ثلاثة أساسية هي: أنه نمطٌ من الترابط تحكمه قواعد وإجراءات دقيقة يقبلها الجميع، يضمن الإنصاف بين المتشاركين بما يقوم عليه من تكافؤ في الحقوق والفوائد، يتضمن فكرة الفائدة العقلانية التي تختلف عن المنافع الفردية الضيقة. ومن هنا يصبح هدف نظرية العدالة هو تحديد صيغ التعاون الاجتماعي الضامنة للإنصاف من خلال تعيين الحقوق والواجبات الأساسية التي تضعها المؤسسات السياسية والاجتماعية مع تحديد نمط وضوابط تقسيم المنافع المترتبة على التعاون الاجتماعي.
فالسؤال المطروح يغدو عندئذ: (ما هو التصور السياسي للعدالة الأكثر قبولاً لتحديد الصيغ المنصفة للتعاون بين مواطنين يعتبرون أحراراً ومتساوين، متعقلين وعقلانيين؟).

للإجابة على هذا الإشكال يقدم رولز عدة نظريات محكمة تتلخص في المفاهيم الرئيسية التالية التي يحرص على توضيحها وشرحها في مختلف أعماله:

ـ فكرة (المجتمع جيد التنظيم) :

يعرّف رولز المجتمع جيد التنظيم بكونه المجتمع الذي تم تصوره لضمان خير أفراده، كما أنه يتميز بكونه محكوم بتصور عمومي للعدالة. ففي هذا المجتمع يحترم كل فرد نفس مبادئ العدالة التي يعرف أن كل فرد آخر يحترمها بالقدر نفسه، كما أن المؤسسات الاجتماعية القائمة تحترم هذه المبادئ وتجسدها

ـ فكرة (البنية القاعدية) :

تعني هذه المقولة الطريقة التي توزع بها المؤسسات الاجتماعية الأساسية الحقوق والواجبات الرئيسية وتحدد توزيع المنافع المستمدة من التعاون الاجتماعي.

ـ فكرة (الوضعية الأصلية):

ويعني بها حالة الجمود الأولى التي تضمن عدالة التوافقات الأساسية التي يمكن التوصل إليها لاحقاً. فيمكن تقويم مدى عقلانية وملاءمة نظرية ما للعدالة إذا كانت مبادؤها قد انتقاها أشخاص عقلانيون من بين مبادئ أخرى في وضعية أصلية

ـ فكرة (حجاب الجهل) :

ترتبط عضوياً بالمقولة السابقة، وتعني افتراض وضع المتعاقدين الأصليين خلف غطاء جهل، بحيث لا يعرفون كيف ستؤثر مختلف الإمكانات والاحتمالات على وضعياتهم الخاصة، ولذا فهم مرغمون على تقويم مبادئ العدالة على قاعدة الاعتبارات العامة وحدها.

ـ فكرة (الإجماع عن طريق التوفيق):

التي يراد بها إضفاء سمة الواقعية على مقولة المجتمع جيد التنظيم، مراعاة للظرفيات التاريخية والاجتماعية للمجتمعات الديمقراطية القائمة على التعددية المتعقلة. فالإجماع الذي يحصل في مثل هذه المجتمعات التي يختلف فيها الناس من حيث الانتماءات والرؤى العقدية والقيمية هو إجماع ناتج عن النقاش والتحاور الذي يفضي إلى نقاط اجماعية تتجاوز تضـ . ا رب المواقف المعيارية الذي هو الميزة الغالبة على السياقات الديمقراطية

من خلال هذه الأفكار الخمسة يصل رولز إلى صياغة المبدئين الرئيسيين للعدالة، اللذين هم زبدة نظريته كلها، وهما:

المبدأ الأول: (يجب أن يتمتع كل شخص بحق متساوٍ لغيره ضمن أوسع نسقٍ من الحريات القاعدية الأساسية).

المبدأ الثاني: (يجب أن تنظم أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بطريقة تضمن في آن واحد: أن نتوقع عقلياً أن تكون في مصلحة كل أحد، وأن تكون متعلقة بمواقع ووظائف مفتوحة للجميع)

ولقد أعاد رولز صياغة المبدئين في مراجعته اللاحقة لنظريته بحيث أصبحا على الشكل التالي:
المبدأ الأول: (كل شخص له نفس الأهلية المطلقة التي لغيره ضمن منظومة مناسبة تماماً من الحريات القاعدة المتساوية).
المبدأ الثاني: (يجب أن تستجيب أشكال التفاوت الاقتصادي والاجتماعي لشرطين هما: يجب في المنطلق أن ترتبط بوظائف ومواقع مفتوحة للجميع ضمن ظروف عدالة متكافئة الحظوظ، ثم يجب أن تكفل أكبر قدر من المنفعة لأعضاء المجتمع الأكثر حرماناً)

ويطلق رولز على المبدأ الأول (مبدأ الحرية) وعلى الثاني (مبدأ الاختلاف)، ويؤكد على تراتب الأولويات بين المبدئين: فلأولهما الأولوية على الثاني، كما أن التكافؤ في الفرص داخل المبدأ الثاني لها الأولوية على معيار التفاوت الشرعي.

وقد أصبح من الواضح في المراجعات الأخيرة للمبدأين أن المبدأ الأول يتعلق بالمسائل الدستورية الأساسية كحرية التعبير والتفكير والتنظيم، في حين يتعلق المبدأ الثاني بالإنصاف في الفرص وتسيير أشكال التفاوت التي تدخل في نطاق مسائل العدالة التوزيعية التي تنظمها التشريعات والنظم القانونية في مقابل المسائل الدستورية الرئيسية التي تنتج عن اللحظة التعاقدية التأسيسية.

إن هذا التحول يعكس انتقالاً متدرجاً من نظرية أخلاقية جوهرية إلى الاكتفاء بضبط القيم الإجرائية التي تقوم عليها الليبرالية السياسية في المجتمعات الديمقراطية انطلاقاً من مبدأ (أولوية العدل على الخير)، معلناً بجلاء أن (نظرية العدالة كإنصاف هي شكل من الليبرالية). بيد أنه يريد أن يتفادى فــ. خ الفردية النسبية التي تنظر إلى التصورات المعيارية للشأن الجماعي كخيارات ذاتية غير قابلة للتعميم. فالإقرار بأولوية مبدأ العدالة يقتضي ضمناً وضع حدود تضبط شروط قبول صيغ الحياة المعروضة، فللمؤسسات العادلة قيمها السياسية الملائمة لها التي هي أساس ولاء المواطنين لها. ومن هنا يصل إلى القول (إن العدالة والخير متكاملان، وذلك ما لا تنفيه أولوية العدل. فهذه الأولوية تعني فقط أنه في الوقت الذي يقتضي قبول تصور ما سياسي للعدالة احترام صيغ الحياة التي يمكن للمواطنين الولاء لها، فإن مفاهيم الخير التي تستند إليها هذه المفاهيم يجب أن تحترم الحدود التي وضعتها بنفسها أي الفضاء المسموح به) فرولز ـ وإن كان يعتمد التصورات الإجرائية المجسدة لمبدأ الحياد الليبرالي إزاء شتى تصورات الخير الجماعي، إلا أنه يقر أن تعليق الحكم المعياري بمعنى الانفصال عن كل منظور قيمي هدف مستحيل، لأن كل تبرير لا يتم إلا بالاستناد لأفق معياري. فنظرية العدالة كإنصاف ليست إجرائية في المطلق، لأنها تحمل تصورات سياسية للفرد والمجتمع. فما تبحث عنه هو أن تكون (قاعدة عمومية للتبرير) صالحة للبنية القاعدية للنظام الدستوري انطلاقا من جملة حدوس أساسية متضمنة في الثقافة السياسية العمومية. فسمتها الإجرائية الشاملة تكمن في كونها تتلمس فضاء محايداً يحترم التعددية فيما وراء اختلاف المذاهب التفسيرية، و(هذا الفضاء المشترك المحايد هو التصور السياسي للعدالة بصفته مركز إجماع توفيقي)

ومن هنا يتضح الاتجاه إلى ضبط نمط (العقل العمومي) للمجتمعات الليبرالية الذي هو الفضاء القيمي لنظرية العدالة. ويعرّف رولز العقل العمومي بأنه (عقل المواطنين المتساوين الذين يمارسون بصفتهم جسماً جماعياً السلطة السياسية والإكـ. ر اهية القصوى بعضهم على بعض عن طريق إصدارهم للقوانين ومراجعتهم لدستورهم).
فالعقل العمومي هو دائرة الحوار الحر داخل فضاء المواطنة المشترك في مقابل (العقل غير العمومي) الذي يتشكل في المؤسسات الدينية والجامعية ولدى الروابط العلمية والمنتديات الخاصة، وهو مقبول في حدود حرية الوعي والتعبير، لكنه لا يمكن أن يعوض العقل العمومي أو يقيده لأنه مجال الثقافة والقيم المشتركة للأمة.

نلاحظ هنا أن إشكال العلاقة بين التأسيس الإجرائي للعدالة الذي يكرسه مبدأ أولوية العدل (الإنصاف) على الخير والمنظور القيمي للثقافة السياسية الليبرالية بصفتها التعبير عن العقل العمومي هو أساس الجـ. ـــدل الواسع الذي خلفته نظرية رولز في الفكر السياسي المعاصر. وسنقف باقتضاب في هذا المقام عند أربع قراءات رئيسية لنظرية رولز تنطلق من خلفيات متمايزة هي: مقاربات الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس والفيلسوف الفرنسي بول ريكور، والفيلسوف الإيطالي أنتونيو نغري.

فأول الفلاسفة المذكورين يمثل المدرسة المجموعاتية التي كان حوار رولز معها حاسماً في بلورة ومراجعة نظريته، أما هابرماس وريكور فيشتركان مع رولز في المقاربة الإجرائية لكنهما يخالفانه من منطلقين مختلفين نموذجه التعاقدي، في حين تنطلق قراءة نغري من خلفيات ماركسية جديدة رافضة للتصورات الليبرالية التي يدافع عنها هابرماس بوسائل نظرية رصينة.
أما النقد المجموعاتي فينطلق من نقد التصور الفردي للذات الحرة بإخراجها من سياقها الانتمائي وتقليدها الجمعي كما هو واضح في نظرية رولز التي تقوم على انفصام خطـ. ير بين الإنسان والمواطن. فالفرد من حيث هو الذات التعاقدية ليس ذرة معزولة، بل يحمل بالضرورة تصوراً مسبقاً حول الخير الجمعي، ولا معنى لحياد الدولة إزاء المشاريع المعيارية الكلية. ومن هنا الرجوع للتصور الأرسطي الذي يعطي الأولوية للخير (أي الفضيلة العمومية) على العدل بمفهومه الإجرائي.
فتايلور يرى أن رولز لم ينجح في تجاوز مأزق النسبية العدمية على الرغم من دفاعه فكرة المضمون المعياري الملازم لنظرية العدالة بصفتها تعبيراً عن العقل العمومي للمجتمعات الليبرالية التعددية. ومصدر هذا العجز يكمن في كونه لم يتخلص من مبدأ (الذاتية الأخلاقية) المهــيـــ. من على الثقافة الغربية الحديثة. ويقوم هذا المبدأ على القول بأن المواقف الأخلاقية لا تستند إلى أي أساس مرجعي سواء كان العقل أو الطبيعة، ومن ثم فإن كل واحد منا يتبناها بحسب قناعاته الذاتية. ومن هنا (يفقد العقل دور الحكم في الحوارات الأخلاقية). وبطبيعة الأمر يمكنك تنبيه محاورك إلى بعض النتائج التي فاتته، ولكن ليس لك قدرة على إقناعه في حالة تشبثه بموقفه الأصلي

ويرجع تايلور خلفية التصور الليبرالي لأولوية الحقوق الفردية على الانتماءات الجماعية (كما هو واضح لدى رولز) إلى كانط الذي عرف الكرامة الإنسانية باستقلالية الإنسان، أي قدرة كل شخص على تحديد تصوره الخاص للحياة المثالية. فالخطر الذي يفضي إليه هذا الرأي هو قيام معادلة ليبرالية تتأسس على الحقوق الفردية وترفض الاختلاف الثقافي؛ (لأنها ترتكز على تطبيق نمطي للمعايير التي تحدد هذه الحقوق دون استثناء، ولأنها جد حذرة من المصائر الجماعية). فهي عاجزة عن قبول أنماط الحياة الثقافية للمجموعات التي هي أساس بقائها، مما يعني اعتبار الحقوق الجماعية بدل الاكتفاء بالحقوق الذاتية الفردية

أما هابرماس فيقرّ في البداية أن (خصــ. ومته) مع رولز هي مجرد خـــ. ــــلاف عائلي، فهو يوافقه في منطلقه الذي هو (أخلاقية الاستقلال والرشد) الكانطية القائمة على الاستغلال العمومي للعقل. بيد أنه يتعرض بالنقد لمفهوم (الوضعية الأصلية) الذي يراه عاجزاً عن تفسير وضمان الموقف غير المتحيز الذي ينبع منه مبدأ العدالة من حيث طابعهما الإجرائي، كما يرى هابرماس أن رولز لم يكن واضحاً في التمييز بين (القضايا التبريرية) و(القضايا المقبولة) بحيث يبدو أنه أراد الحصول على (الحياد الإيديولوجي) لتصوره للعدالة فانتهى إلى التضـ. حية بالطموح (للصلوحية المعرفية). ذلك أن الفهم الأداتي المحض للنظرية ممتنع، لأن الإجماع التوفيقي الذي يتحدث عنه رولز يتطلب مسبقاً جهداً اقناعياً ودفاعاً عن خيار معياري. فالإجماع لا يمكن أن يحصل إلا على أساس علاقة معرفية بين صلاحية النظرية والبرهان على حيادها الإيديولوجي كما يتجلى من النقاشات العمومية.
فالإستراتيجية النظرية التي اعتمدها رولز أدت به إلى إخضاع مبدأ الشرعية الديمقراطية للمبادئ الأساسية لليبرالية. ومن هنا أخفق في مشروعه الأصلي الذي هو التوفيق بين المفهوم الحديث للحرية (حرية الوعي والتعبير والملكية…) والمفهوم القديم لها(حقوق المشاركة والانتماء). فالمواطنون ليس لهم دور محوري في التأسيس الديمقراطي باعتبار أن المبادئ الرئيسية الضابطة للحريات العامة وللتعددية تتشكل في لحظة الوضعية الأصلية. ومن هنا فإن (فعل إنشاء دولة القانون الديمقراطية ليس بحاجة إلى أن يستعاد في الظروف الدستورية لمجتمع عادل تشكل من قبل، كما أنه ليس من الضروري إعطاء شكل دائم لمسار إنجاز الحقوق). وهكذا يؤول هذا التصور إلى اضـــعاف لمقاربة الديمقراطية التي تعني مساراً دائماً ومفتوحاً للحصول على الحقوق والحفاظ عليها

أما بول ريكور فينطلق من التساؤل حول طبيعة العلاقة بين التصور الأدبي (غير الغائي) للعدالة الذي يعود للتقليد الكانطي (فكرة الاستقلالية والتميز) والنموذج التعاقدي الذي يخرج مفهوم العدالة من البُعد الأخلاقي الفردي إلى البعد المؤسسي. فما هي الصلة بين (المنظور الأدبي) و(الإجراء التعاقدي)؟

يقدم ريكور فرضية مفادها أن هذه العلاقة ليست عرضية، ما دامت وظيفة الإجراء التعاقدي تكمن في ضمان أولوية العدل على الخير باستبدال الالتزام إزاء الخير المشترك بالمسار التعاقدي نفسه. فمبادئ العدالة نفسها تنحدر من هذا الإجراء التعاقدي لأن العقد يأخذ موقع الاستقلالية والتميز في مجال الأخلاق الفردية. فالإشكال كله يتعلق بمدى قدرة تعويض المقاربة الإجرائية التعاقدية للتصورات المعيارية القبلية للخير الجماعي.

فإذا كان رولز يضع (الإنصاف) في مقام متقدم على العدالة، فذلك لأن الإنصاف هو السمة المميزة الوضعية للأصلية للعقد التي يتعين أن تتولد منها عدالة المؤسسات القاعدية. ومن هنا يمكن القول أن رولز يحمل خــ. ـرا فة الوضعية الأصلية كل الثقل النظري اللاحق لنظرية العدالة.

يرى ريكور أن رولز أراد بهذه الحيلة النظرية تخليص العدل من وصاية الخير من خلال مقاربته الإجرائية، إلا أن إشكالات ثلاثة تظل مطروحة:
أولاً: ما الذي يضمن حالة الإنصاف في المرحلة التداولية التي يصدر عنها الاتفاق المتعلق بالترتيب العادل للمؤسسات؟

ثانياً: ما هي المبادئ التي سيتم اختيارها في هذه الوضعية التداولية الوهـــ. ـمية؟

ثالثاً: ما هو البرهان الذي يمكن أن يقنع الأطراف المتداولة بالإجماع على اختيار مبادئ العدالة الرولزية بدل صيغة ما من النفعية على سبيل المثال؟
فبخصوص السؤال الأول، ينبه ريكور إلى العوائق العديدة التي تعوق قيام حالة الإنصاف المطلوبة لتحديد مبادئ العدالة الضابطة للعقد الاجتماعي، كمعرفة مختلف الأطراف للنفسية العامة للبشر وتحديد الخيرات الاجتماعية الأولية التي يبحث عنها الإنسان العاقل، والمعرفة البرهانية الكافية لمختلف تصورات العدالة، والتساوي في كمية المعلومات.. مما ينم عن العجز عن ضبط المسطرة الإجرائية الموضوعية للوصول إلى مبادئ العدل في وضعية إنصاف أصلية.

وبخصوص الإشكال الثاني، يرى ريكور أن مبدأي العدالة بصفتهما مبدأين توزيعيين (توزيع الحقوق والواجبات والمنافع..) لا يتعرضان لفكرة تعددية الخيرات وإنما يستبدلانها بقاعد التقسيم. ولكن التقسيم في مجتمع ينظر إليه كنسق توزيعي يطرح إشكالات عويصة، إذ ثمة طرق عديدة متاحة لتقسيم المكاسب والخسائر باعتبار الطابع التوافقي ـ الصدامي الدائم للمجتمع. فرولز كغيره من فلاسفة الأخلاق اعترضته إشكالية العلاقة بين العدل والمساواة، فاختزلها في تحديد العدالة بطريقة تضمن الحد الأقصى الممكن من أشكال اللامساواة الحتمية، فانتهى من خلال نموذجه التعاقدي (المساواة بين الشركاء في الوضعية الأصلية) إلى إضفاء سمة الإنصاف مسبقا على أشكال التفاوت التي يقرها العقد مادام حصل الاحتياط للمساواة في وضعيات الانطلاق الأولى(المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص).
وبخصوص الإشكال الثالث، يرى ريكور أن رولز ينطلق في تبريره لاختيار المتعاقدين لمبدئي العدالة إلى نظرية (القرار في سياق احتمالي)، مما يفتح الباب أمام إمكانات متباينة ومتعددة. بيد أن المتعاقدين يرتبطون فيما بينهم بميثاق حددت بنوده علناً وبإجماع. ومن هنا إذا تصادم تصوران مختلفان للعدالة وكان أحد التصوريْن يسمح بوجود وضعية يمكن أن يعترض عليها أحدهم في حين يقصي التصور الآخر هذا الاحتمال، فإن هذا التصور الأخير ستكون له الغلبة لا محالة. وعندئذ يغدو السؤال المطروح هو: إلى أي حد يمكن لميثاق لا تاريخي أن يلزم مجتمعاً تاريخيا؟
وهكذا يخلص ريكور من اعتراضاته على رولز إلى أن نظريته للعدالة التي تقوم على مقاربة أدبية إجرائية تختزن تصوراً قبلياً لمضمون العدالة هو الذي يسمح بتحديد مبدئي العدالة وتفسيرهما قبل أن نبرهن (إن كان الأمر ممكنا) على أنهما المعياران اللذان يتوصل إليهما في لحظة الوضعية الأصلية. فالوضعية الأصلية نفسها الضامنة للإنصاف تقوم على تصور ضمني ومفهوم فلسفي معين للإنصاف سيكون حاسماً في بلورة مبدئي العدالة. ومن هنا حدود أي نظرية إجرائية تدّعي إمكانية الاستغناء عن تصور معياري للخير الجماعي

أما أنطونيو نغري فيرى أن نظرية العدالة لدى رولز تنطلق من (خلفية صورية قوية) تخفي حنيناً للتأسيسات الأنطولوجية القصوى. صحيح أنه يريد أن يتخلص من المقاربات الوظيفية السائدة للعدالة القائمة على نمط العقلانية الأداتية للحداثة الرأسمالية دون النكوص إلى نمط جديد من نظريات الحق الطبيعي (نوزيك مثلاً) أو إلى النزعة النسبية الاجماعية (هابرماس). ومن هنا عودته للصورية الترانساندنتالية على الطريقة الكانطية أي فكرة الاستقلالية والتميز ضمن منظور تعاقدي يكفل حرية الأفراد ومساواتهم.

ويرى نغري أن فكر رولز يندرج في سياق النظريات (الليبرالية التقدمية) أي (ديمقراطيات التنمية) بالمفهوم الأنغلوساكسوني الذي يعني الصنف الديمقراطي الذي لا تكون فيه المشاركة في الحياة السياسية ضرورية لحماية الحريات الفردية فحسب وإنما أيضاً لأجل إنشاء مواطنة مبنية على الاتصال والمشاركة والتعاضد. إلا أن نسقه البرهاني يعاني من اختـ. لالات خـ. ـطـ. يرة تنبع من مفهوم (الوضعية الأصلية) الذي يتسم بالغموض وعدم الدقة. فرولز لا يحدد طبيعة (الخيرات الأولية) التي تتمحور حولها هذه الوضعية، مما يجعل المسار الغائي المفضي إلى مبدئي العدالة عرضيًا واحتماليا. إنه يفتح الطريق نظرياً لكل المقاربات بإقصاء كل التحديدات الملزمة المتعينة تاريخيا، إلا أن نزعته الصورية لا يمكن أن تنسجم إلا مع سياقات تجذرت فيها الليبرالية القانونية من قبل واستقرت فيها، وإلا كانت نظريته مجرد دفاع عن الوضع القائم.

لم نتعرض في هذا البحث لقراءات أخرى هامة لنظرية العدالة لدى رولز، من بينها قراءة الفيلسوف والاقتصادي الهندي أمارتيا سن الذي وجّه نقداً رصيناً لأطروحة رولز من منطلق نظريته حول (المؤهلات)، ونقد الفيلسوف الليبرالي الأمريكي روبير نوزيك وقراءات بقية الفلاسفة المجموعاتيين وبصفة خاصة مايكل صاندل الذي خصص كتاباً متميزاً في نقد رولز وعرض نظريات العدالة، ومايكل والزر أهم فيلسوف للعدالة بعد رولز الذي اشتهر بكتابه الهام (دوائر العدالة)، وقد اكتفينا بعرض قراءة زميلهما تايلور.
وحسبنا في هذا الحيز أننا أشرنا إلى الأسس الرئيسة لنظرية رولز، ونبهنا إلى جانب من الحوارات التي ولدتها في الفكر السياسي المعاصر.

منقول

Address

Marrakesh

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مسار التميز- المنازعات القانونية والقضائية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category