Cabinet d'Avocats Maître Hamdi Rholami

Cabinet d'Avocats Maître Hamdi Rholami Conseil juridique et accompagnement
Droit des affaires (contrats de société, création, bail..) Droit du travail (contrat de travail, conflits sociaux...)

هل يمكن إسقاط قانون؟حمدي غلاميمحامتُستعمل عبارة «إسقاط القانون» في الخطاب السياسي والنقابي والمهني للتعبير عن رفض نص قان...
28/08/2026

هل يمكن إسقاط قانون؟

حمدي غلامي
محام

تُستعمل عبارة «إسقاط القانون» في الخطاب السياسي والنقابي والمهني للتعبير عن رفض نص قانوني والمطالبة بالتراجع عنه أو مراجعته. غير أن هذه العبارة تطرح سؤالًا قانونيًا مهمًا: هل يمكن فعلًا إسقاط قانون بعد اعتماده ونشره ودخوله حيز التنفيذ؟ وما الآليات التي تسمح بإنهاء العمل به أو الحد من آثاره؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التمييز بين المعنى السياسي لعبارة «إسقاط القانون» والمعنى القانوني الدقيق لها. فمن الناحية السياسية، قد تعني العبارة تكثيف الاحتجاج والضغط من أجل إلغاء القانون أو تعديله أو استبداله. أما من الناحية القانونية، فإن القانون لا يسقط بمجرد رفضه أو الاحتجاج ضده، بل ينتهي العمل به وفق آليات دستورية وتشريعية محددة تختلف من دولة إلى أخرى.

في أغلب الأنظمة القانونية، يصبح القانون نافذًا بعد استكمال مراحل اعتماده، والتصديق عليه أو إصداره، ثم نشره في الجريدة الرسمية. ومنذ ذلك التاريخ، يصبح ملزمًا للسلطات والمؤسسات والأفراد، إلى أن يتم إلغاؤه أو تعديله أو تعليق تطبيق بعض مقتضياته وفقًا للقواعد المعمول بها.

ففي المغرب، مثلًا، يمر القانون بمراحل تشريعية محددة داخل البرلمان، ثم تتم إحالته إلى الملك لإصدار الأمر بتنفيذه، قبل نشره في الجريدة الرسمية. وبعد دخوله حيز التنفيذ، يمكن تعديله أو إلغاؤه بقانون لاحق، كما يمكن أن تخضع بعض مقتضياته للرقابة الدستورية وفق الشروط والآليات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.

وفي فرنسا، يمكن للبرلمان أن يعدل القانون أو يلغيه من خلال قانون جديد. كما يمكن للمجلس الدستوري أن يراقب دستورية القوانين قبل إصدارها، أو أن ينظر، في إطار مسألة الأولوية الدستورية، في مدى توافق مقتضى تشريعي نافذ مع الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. وإذا تقرر عدم دستورية مقتضى معين، فقد يُلغى ابتداءً من تاريخ يحدده المجلس الدستوري أو وفق الشروط التي يقررها.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيمكن للكونغرس إلغاء قانون أو تعديله من خلال تشريع جديد، بينما تملك المحاكم، وعلى رأسها المحكمة العليا، صلاحية استبعاد تطبيق القانون إذا تبين أنه يتعارض مع الدستور. غير أن الحكم بعدم دستورية القانون لا يصدر لمجرد الاعتراض السياسي عليه، بل يأتي في إطار نزاع قضائي تتوافر فيه شروط محددة.

وفي ألمانيا، تخضع القوانين لرقابة المحكمة الدستورية الاتحادية، التي يمكنها أن تقرر عدم دستورية قانون أو بعض مقتضياته. وقد يؤدي ذلك إلى إلغاء النص أو إلزام المشرّع بتعديله، بحسب طبيعة المخالفة الدستورية وآثار القرار.

وفي إسبانيا، يمكن الطعن في دستورية القوانين أمام المحكمة الدستورية من خلال الآليات التي يحددها الدستور، كما يمكن للمحاكم أن تحيل مسألة دستورية نص قانوني عندما ترى أن تطبيقه في قضية معينة قد يتعارض مع الدستور. وفي هذه الحالة، لا يؤدي مجرد الطعن إلى إسقاط القانون تلقائيًا، بل تظل آثاره قائمة إلى حين صدور القرار المختص.

وتوجد أيضًا أنظمة قانونية تعتمد آليات أخرى، مثل الاستفتاء الشعبي، الذي قد يسمح للمواطنين بالموافقة على قانون أو رفضه، أو إلغاء بعض القوانين وفق شروط محددة. ففي بعض الولايات الأمريكية، مثلًا، يمكن للناخبين استعمال آلية المبادرة الشعبية أو الاستفتاء لإلغاء نصوص قانونية أو تعديلها، بينما تختلف هذه الإمكانية من ولاية إلى أخرى ولا تشمل جميع القوانين.

كما أن بعض الدول تتيح للسلطة التنفيذية إصدار مراسيم أو لوائح لتنفيذ القانون أو تنظيم تطبيقه، لكنها لا تملك، في الأصل، إلغاء قانون صادر عن السلطة التشريعية إلا في الحدود التي يسمح بها الدستور. فمبدأ تدرج القواعد القانونية يقتضي ألا يتم إلغاء قانون إلا بواسطة قاعدة قانونية مساوية له أو أعلى منه في المرتبة.

ومن المهم التمييز بين إلغاء القانون وتعليق تطبيقه والحكم بعدم دستوريته. فالإلغاء يتم عادةً بواسطة قانون جديد يصدر عن الجهة التشريعية المختصة. أما التعليق فقد يكون مؤقتًا، وقد يتم بموجب قرار قضائي أو نص قانوني أو إجراء استثنائي تسمح به القواعد الدستورية. بينما يعني الحكم بعدم الدستورية أن النص، كليًا أو جزئيًا، لا ينسجم مع أحكام الدستور، وتترتب عن ذلك آثار تختلف بحسب النظام القانوني المعني.

وقد يؤدي القضاء كذلك إلى الحد من تطبيق قانون معين في حالات محددة، من خلال تفسيره أو استبعاد تطبيقه على وقائع معينة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء القانون من المنظومة القانونية. فالمحكمة قد ترفض تطبيق نص في قضية محددة، أو تفسره بطريقة تتوافق مع الدستور، بينما يظل النص قائمًا بالنسبة إلى الحالات الأخرى.

وعليه، فإن الاحتجاج على قانون أو المطالبة بإلغائه يختلف عن إنكار وجوده القانوني. فمن حق الأفراد والهيئات والجمعيات والنقابات أن تعبر عن رفضها لقانون معين، وأن تطالب بتعديله أو إلغائه، وأن تستخدم الوسائل السلمية والمشروعة للتأثير في القرار التشريعي. غير أن القانون يظل نافذًا وملزمًا ما لم تتدخل الجهة المختصة لإلغائه أو تعديله أو تعليق تطبيقه أو التصريح بعدم دستورية مقتضياته.

كما أن الامتناع عن تطبيق القانون لا يُعد، في الأصل، وسيلة قانونية لإسقاطه. فقد يكون الامتناع فعلًا احتجاجيًا أو موقفًا سياسيًا، لكنه قد يترتب عنه، بحسب الظروف، أثر قانوني أو مهني على الأشخاص أو الهيئات التي تتخذه. لذلك، تظل الوسائل القانونية والمؤسساتية أكثر وضوحًا في تحقيق هدف إلغاء القانون أو مراجعته.

إن إسقاط قانون، بالمعنى القانوني، لا يتم بقرار فردي أو بمجرد إعلان سياسي، بل من خلال مسار محدد: قانون جديد يلغي النص أو يعدله، أو حكم قضائي يقرر عدم دستوريته، أو آلية استفتائية عندما يسمح بها النظام الدستوري، أو إجراء آخر تنص عليه القواعد القانونية المعمول بها.

إن عبارة «إسقاط القانون» قد تكون مفهومة في الخطاب العام باعتبارها تعبيرًا عن رفض القانون والمطالبة بالتراجع عنه، لكنها تحتاج إلى تحديد دقيق من الناحية القانونية. فالقانون يمكن أن يُلغى أو يُعدّل أو يُعلّق تطبيقه أو يُحكم بعدم دستورية بعض مقتضياته، غير أن ذلك لا يتم إلا عبر المؤسسات والآليات التي يحددها الدستور والقانون في كل دولة.

فدولة القانون لا تمنع الاعتراض على القوانين، ولا تحول دون المطالبة بتغييرها، لكنها تجعل هذا التغيير خاضعًا لمساطر واضحة، حتى يتم الانتقال من الاحتجاج السياسي إلى الأثر القانوني الفعلي.

القانون 66.23 بين قوة النفاذ واستمرار الاحتجاجبقلم: حمدي غلامي – محاملم يعد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحام...
26/08/2026

القانون 66.23 بين قوة النفاذ واستمرار الاحتجاج

بقلم: حمدي غلامي – محام

لم يعد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد مشروع قابل للنقاش أو التعديل داخل المؤسسة التشريعية، بل أصبح قانونا نافذا بعد صدور الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 18 غشت 2026، ونشره في الجريدة الرسمية. وقد أشار الظهير نفسه صراحة إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 الذي صرحت فيه المحكمة بـ«تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها»، قبل أن يصدر الأمر بتنفيذ القانون ونشره.
كما حسم المشرع مسألة النفاذ بشكل واضح، إذ نصت المادة 146 على دخول القانون حيز التنفيذ من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، مع استثناء بعض المقتضيات المحددة التي أرجئ تطبيقها إلى حين صدور النصوص التنظيمية اللازمة.
وهكذا انتقل النقاش من مرحلة الاعتراض على مشروع قانون إلى وضع قانوني جديد يفرض سؤالا أكثر دقة وحساسية: هل يجوز للمحامين، بعد دخول القانون حيز التنفيذ، الاستمرار في الإضراب احتجاجا على مضمونه والمطالبة بتعديله أو مراجعته؟
لا شك أن صدور القانون لا ينهي الحق في الاعتراض عليه. فالقانون، بمجرد دخوله حيز التنفيذ، يصبح واجب الاحترام، لكنه لا يتحول إلى نص محصن من النقد أو المطالبة بتعديله. ومن صميم دولة القانون أن يظل من حق المواطنين والمهنيين والهيئات المدنية والمهنية التعبير سلميا عن رفضهم لقانون نافذ، والمطالبة بتعديله أو نسخه، باستعمال الوسائل المشروعة التي يتيحها النظام الدستوري والقانوني.
وتكتسي المسألة بالنسبة إلى المحامين خصوصية أكبر، لأن اعتراض جزء من المهنة على القانون 66.23 لا يتعلق، بحسب الخطاب الذي رافق الاحتجاجات، بمجرد مطالب مادية أو فئوية، وإنما يمتد إلى قضايا ترتبط باستقلال المحامي، وضمانات الدفاع، والحماية اللازمة لممارسة المهنة، ومدى مشاركة المؤسسات المهنية للمحامين في صياغة القواعد التي ستحدد مستقبل المهنة.
بل إن المفارقة تبدأ من المادة الأولى من القانون نفسه، التي تعلن أن «المحاماة مهنة حرة ومستقلة»، وتقرر أنها تساهم في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان، وأن المحامين، بهذه الصفة، جزء من أسرة القضاء. كما تلزم المادة الرابعة المحامي في سلوكه المهني بمبادئ الحرية والاستقلال والأمانة والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف.
لكن الاعتراف بمشروعية الاحتجاج شيء، وتحديد الشكل القانوني الذي يمكن أن يتخذه الإضراب بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ شيء آخر تماما.
وهنا تظهر المادة 50 باعتبارها إحدى أكثر مواد القانون أهمية في المرحلة الحالية. فقد نصت بصورة صريحة على أنه:
«يمنع على المحامين في كل الأحوال أن يتفقوا، فيما بينهم، على أن يتوقفوا كليا عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.»
هذه الصياغة تستحق قراءة دقيقة. فالمشرع لم يستعمل لفظ «الإضراب»، ولم ينص صراحة على أن «إضراب المحامين ممنوع». وإنما منع الاتفاق الجماعي على التوقف الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة إزاء القضاء، سواء تعلق الأمر بالجلسات أو بالإجراءات.
وهذا التمييز ليس لغويا فقط، بل يمكن أن تكون له آثار قانونية مهمة.
فإذا كان المقصود بالإضراب توقف جميع المحامين، بناء على قرار جماعي، عن جميع الجلسات وجميع الإجراءات القضائية دون استثناء، فإن هذا الشكل من الاحتجاج يصطدم، منذ دخول القانون 66.23 حيز التنفيذ، بالنص الصريح للمادة 50.
أما إذا تعلق الأمر بأشكال أخرى من الاحتجاج لا تصل إلى مستوى التوقف الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة إزاء القضاء، فإن المسألة تصبح أكثر قابلية للنقاش القانوني. وهنا يمكن التفكير في الوقفات الاحتجاجية، والبيانات، والندوات، والحملات المؤسساتية والإعلامية، وحمل الشارات خارج الحالات التي يمنعها القانون، والأيام الاحتجاجية المنظمة مع ضمان الحد الأدنى من الدفاع، أو غير ذلك من الأشكال التي لا تؤدي إلى تعطيل شامل لحقوق المتقاضين.
ويزداد الأمر حساسية لأن القانون رتب مسؤولية تأديبية عامة على مخالفة النصوص المتعلقة بممارسة المهنة. فالمادة 91 تقرر مساءلة المحامي تأديبيا إذا خالف النصوص التشريعية أو التنظيمية المرتبطة بالمهنة أو قواعدها وأعرافها، فيما تتدرج العقوبات المنصوص عليها في المادة 92 من الإنذار والتوبيخ إلى التوقيف عن ممارسة المهنة لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، وصولا إلى التشطيب من الجدول، مع ضرورة احترام مبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة.
ومن ثم، فإن الدعوة اليوم إلى استمرار الإضراب بالشكل الذي كان يمارس قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ تستوجب قدرا كبيرا من الحذر القانوني. فما كان يناقش بالأمس في ظل القانون السابق أصبح اليوم خاضعا لمقتضى تشريعي جديد ومباشر لا يمكن تجاهله.
لكن ذلك لا يعني، في الاتجاه المقابل، أن المادة 50 ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إلغاء لكل حق جماعي للمحامين في الاحتجاج. فالنص يتحدث تحديدا عن التوقف الكلي، وهذه العبارة ينبغي ألا تفصل عن بقية أحكام القانون ولا عن المبادئ الدستورية المتعلقة بالحريات العامة والحقوق المهنية، ولا عن الوظيفة الخاصة للمحامي باعتباره فاعلا أساسيا في ضمان حقوق الدفاع.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن التوفيق بين حرية المحامين في الدفاع عن استقلال مهنتهم وبين حق المتقاضي في ألا يصبح الوصول إلى القضاء ضحية لهذا الصراع؟
إن التجارب المقارنة تؤكد أن هذه المعضلة ليست مغربية خالصة.
ففي فرنسا، خاض المحامون سنة 2020 حركة احتجاجية وطنية واسعة ضد مشروع إصلاح نظام التقاعد. ولم تقتصر التعبئة على المظاهرات، بل دعا المجلس الوطني لنقابات المحامين إلى طلب تأجيل القضايا المدنية والجنائية والإدارية وإلى وقف النشاط القضائي بصورة واسعة، كما جرى تجديد حركة الإضراب عدة مرات من طرف المؤسسات المهنية نفسها.
واللافت أن الاحتجاج الفرنسي لم ينته بمجرد تقدم المسطرة التشريعية. فعندما اعتبر المحامون أن الإصلاح يهدد استقلال المهنة ونموذجها الاقتصادي والولوج الفعلي إلى القانون، قرر المجلس الوطني لنقابات المحامين بالإجماع مواصلة التعبئة، بالتوازي مع الحوار مع الحكومة والتحضير لاستعمال الآليات الدستورية المتاحة.
والتجربة التونسية تقدم مثالا أحدث وأكثر ارتباطا بمسألة استقلال الدفاع. ففي يونيو 2026 شهدت تونس إضرابا عاما للمحامين احتجاجا على ما اعتبرته الهيئة الوطنية للمحامين تراجعا في ضمانات الدفاع واستقلال العدالة، وشهدت المحاكم تجمعات واسعة للمحامين للمطالبة بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال المهنة.
غير أن المقارنة مع هذه التجارب يجب ألا تتحول إلى نقل آلي لحلولها إلى المغرب. فالقانون المغربي الجديد يتضمن اليوم مقتضى خاصا، هو المادة 50، لا يمكن لأي تحليل جدي لمشروعية الإضراب أن يتجاوزه.
لذلك أعتقد أن النقاش داخل مهنة المحاماة ينبغي ألا يكون محصورا بين خيارين متطرفين: إما التوقف الكامل عن العمل، وإما إنهاء الاحتجاج نهائيا.
هناك طريق ثالث أكثر قوة من الناحية القانونية والمؤسساتية: استمرار الاحتجاج، ولكن مع إعادة صياغة وسائله بما يحافظ في الوقت نفسه على قوة موقف المحامين وعلى حقوق المتقاضين، ويحول دون إعطاء أساس قانوني لتحريك المتابعات التأديبية ضدهم.
ويمكن أن تقوم هذه المقاربة على استمرار التعبئة المهنية والمؤسساتية، والمطالبة بتعديل المواد التي تعتبرها المهنة ماسّة باستقلالها، وفتح حوار جديد مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستعمال كل الآليات القضائية والدستورية المتاحة للطعن في كيفية تطبيق بعض المقتضيات متى توفرت شروطها، مع اعتماد أشكال احتجاج لا يمكن تكييفها بسهولة باعتبارها «اتفاقا على التوقف الكلي» بالمعنى الذي جاءت به المادة 50.
ذلك أن قوة موقف المحامين اليوم لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الجلسات التي تتوقف، وإنما أيضا بقدرتهم على تحويل اعتراضهم إلى معركة قانونية ومؤسساتية حول مفهوم استقلال الدفاع نفسه.
والأهم من ذلك أن صدور القانون لا ينبغي أن ينهي الحوار. فالقوانين ليست نصوصا أبدية، والبرلمان الذي يصدر قانونا يملك أن يعدله، والحكومة التي تدافع عن إصلاح معين تستطيع أن تعيد فتح النقاش بشأنه متى ظهرت صعوبات تطبيقه أو آثار لم تكن محسوبة بالشكل الكافي.
إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس امتيازا يطالب به المحامي لنفسه؛ فالمحامي المستقل هو في النهاية ضمانة للمتقاضي. لكن هذه الحقيقة تقابلها حقيقة أخرى لا تقل أهمية: المتقاضي نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى الطرف الذي يدفع ثمن الخلاف بين المهنة والسلطات العمومية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل يتوقف المحامون عن الاحتجاج؟ بل: كيف يستمر الاحتجاج بطريقة تكون قوية في رسالتها، مشروعة في وسائلها، وتحمي في الوقت ذاته حقوق المتقاضين؟
لقد دخل القانون 66.23 حيز التنفيذ، وهذه حقيقة قانونية ينبغي احترامها. لكن دخوله حيز التنفيذ لا يمنع المطالبة بتعديله، ولا ينهي النقاش حول استقلال المحاماة وضمانات الدفاع. بل ربما تبدأ الآن المرحلة الأكثر أهمية: الانتقال من مواجهة مشروع القانون إلى نقاش قانوني ومؤسساتي حول تطبيق قانون أصبح نافذا، وحدود المادة 50 منه، ومدى التوازن الذي أقامه بين استمرارية مرفق العدالة وحق المحامين في الدفاع الجماعي عن استقلال مهنتهم.
وفي دولة القانون، قد يكون أقوى احتجاج على قانون مختلف بشأنه هو ذلك الذي يستعمل القانون نفسه لإثبات ضرورة تغييره.

أبتداءً من 24 غشت 2026… «لم أتسلّم الاستدعاء!  عذر قد لا ينفع بعد اليوم…قانون المسطرة المدنية الجديد يغيّر قواعد التبليغ...
20/08/2026

أبتداءً من 24 غشت 2026… «لم أتسلّم الاستدعاء! عذر قد لا ينفع بعد اليوم…
قانون المسطرة المدنية الجديد يغيّر قواعد التبليغ القضائي في المغرب

بقلم: الأستاذ حمدي غلامي – محام

«لم أتسلّم شيئاً»، «لم أعد أسكن في ذلك العنوان»، «رفضتُ استلام الطي»…
عبارات بسيطة، لكنها كانت كفيلة في كثير من القضايا بإطالة عمر النزاع وتعطيل السير العادي للدعوى. فالتبليغ، الذي قد يبدو لغير المتخصص مجرد إجراء إداري بسيط، هو في الحقيقة أحد المفاتيح الأساسية للمحاكمة: به يعلم الشخص أن دعوى رفعت ضده، وبه تبدأ بعض الآجال، وبدونه قد تتعطل إجراءات قضائية بكاملها.
لهذا السبب، فإن من بين المستجدات التي تستحق اهتمام المواطنين في القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي يدخل حيز التنفيذ ابتداء من 24 غشت 2026، تلك المتعلقة بقواعد التبليغ القضائي.
والفكرة التي تبدو حاضرة بقوة في النص الجديد بسيطة: من حق كل شخص أن يعلم بالدعوى المرفوعة ضده وأن يدافع عن نفسه، لكن ليس من حقه أن يحوّل التبليغ إلى وسيلة لتعطيل العدالة.
فالقانون الجديد يجعل التبليغ بواسطة المفوض القضائي هو الأصل، مع إبقاء إمكانية لجوء المحكمة، عند الاقتضاء، إلى موظفي كتابة الضبط أو الطريقة الإدارية أو البريد المضمون. أما إذا كان الشخص يقيم خارج المغرب، فتطبق القواعد الخاصة بذلك، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية النافذة.
لكن اللافت أن المشرع لم يعد يربط التبليغ حصراً بباب المنزل.
فالاستدعاء يمكن أن يسلم إلى الشخص في موطنه أو محل إقامته، أو إلى شخص يسكن معه، كما يمكن تسليمه إليه في مكان عمله، أو داخل المحكمة، أو في أي مكان آخر يوجد فيه.
بمعنى آخر، لم يعد السؤال فقط: «هل وجدناه في منزله؟»، بل أصبح: «هل أمكن الوصول إليه قانوناً؟»
والأكثر إثارة للاهتمام يتعلق بمن يعتقد أن رفض أخذ الاستدعاء يمكن أن يحميه من آثاره.
القانون الجديد يقول غير ذلك.
فإذا رفض الطرف، أو الشخص الذي له الصفة، تسلم الاستدعاء، يتم إثبات هذا الرفض وفق الإجراءات المحددة قانوناً. وبعد ذلك تأتي القاعدة التي ينبغي لكل متقاض أن يعرفها:
في اليوم العاشر الموالي لتاريخ الرفض، يعتبر الاستدعاء مسلماً تسليماً صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية.
أي أن عبارة: «رفضت أن أتسلّم» قد لا تعني: «لم أُبلَّغ».
بل قد تصبح، بعد مرور الأجل القانوني، سبباً في اعتبار التبليغ قد تم فعلاً.
غير أن التغيير الأبرز ربما يتعلق بتلك العبارة الشهيرة التي يعرفها كل من سبق له أن خاض مسطرة قضائية: «مجهول بالعنوان».
ماذا يحدث إذا ذهب المكلف بالتبليغ إلى العنوان ولم يجد الشخص، أو تبين أنه انتقل منه؟
هنا يقدم القانون الجديد جواباً مختلفاً.
تنص المادة 86 على أنه إذا تعذر التبليغ، وتبين أن المدعى عليه مجهول بالعنوان الوارد في الاستدعاء أو انتقل منه، يتم اعتماد المعلومات المتوفرة في قاعدة المعطيات المتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية.
والأهم أن الاستدعاء الموجه إلى العنوان المستخرج بهذه الطريقة يعتبر في حكم التوصل القانوني ومنتجاً لآثاره القانونية في مواجهة المدعى عليه. وإذا ظل التبليغ متعذراً بعد استنفاد الإجراءات التي حددها القانون، فإن المحكمة تبت.
هنا يظهر التحول الحقيقي، فعبارة «مجهول بالعنوان» لم يعد يراد لها أن تكون جداراً تصطدم به الدعوى في كل مرة، وإنما نقطة تنطلق منها آليات أخرى للبحث عن العنوان الرسمي للشخص.
والقانون لا يحمل المحكمة والمفوض القضائي وحدهما هذه المسؤولية، بل يحمل جزءاً منها للمتقاضي نفسه.
فمن يدخل في خصومة قضائية ويدلي للمحكمة بعنوان، ثم يغيره، أصبح ملزماً بإشعارها بهذا التغيير. وإذا لم يفعل، فإن كل تبليغ يتم في آخر عنوان أدلى به يعتبر صحيحاً ومنتجاً لآثاره.
وهذا المقتضى يحمل رسالة واضحة:
عنوانك أمام المحكمة ليس مجرد معلومة تكتب في أول ورقة من الملف؛ إنه عنوان قانوني قد تترتب عليه آثار مهمة.
حتى رفض الشخص الكشف عن هويته عند محاولة التبليغ لم يتركه القانون دون معالجة. فإذا رفض المعني التعريف بهويته أو الإدلاء بوثيقة تثبتها، يثبت المكلف بالتبليغ ذلك في شهادة التسليم، مع إمكانية الاستعانة بالنيابة العامة عند الاقتضاء.
لكن هذه الصرامة تطرح في المقابل سؤالاً لا يقل أهمية.
إذا كان الهدف المشروع هو محاربة التهرب من التبليغ وتسريع البت في القضايا، فكيف نضمن ألا يؤدي التوسع في مفهوم «التوصل القانوني» إلى اعتبار شخص مبلَّغاً في الوقت الذي لم يعلم فيه فعلياً بالدعوى؟
هنا توجد المعادلة الدقيقة التي سيختبرها التطبيق القضائي للقانون الجديد.
لأن التبليغ ليس مجرد ورقة.
إنه في كثير من الأحيان الباب الذي يدخل منه حق الدفاع إلى المحاكمة.
لذلك، فإن التحدي ابتداء من 24 غشت لن يكون فقط في جعل التبليغ أسرع، وإنما في جعله أكثر فعالية دون أن يكون أقل ضماناً لحقوق الدفاع.
ومع ذلك، هناك رسالة ينبغي أن تصل إلى كل مواطن، وليس فقط إلى المحامين والقضاة والمفوضين القضائيين:
لا تراهن مستقبلاً على رفض الاستدعاء، ولا تتعامل باستخفاف مع العنوان الذي تدلي به أمام المحكمة، ولا تفترض أن عبارة «انتقل من العنوان» ستوقف الدعوى بالضرورة.
فقانون المسطرة المدنية الجديد يريد أن يجعل من التبليغ وسيلة لإخبارك بالخصومة، لا وسيلة للاختباء منها.
وربما يمكن اختصار فلسفة هذا التحول كله في جملة واحدة:
يمكنك أن ترفض استلام الورقة… لكن القانون قد يعتبرك، رغم ذلك، قد توصلت بها.

إعادة إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية: أبعد من الالتزام القانوني، مسؤولية أخلاقية ومؤسساتيةبقلم: حمدي غلام...
14/08/2026

إعادة إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية: أبعد من الالتزام القانوني، مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية

بقلم: حمدي غلامي
محام

أفرز قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 الصادر بتاريخ 10 غشت 2026 بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة وضعاً دستورياً دقيقاً وغير مألوف. فقد أحال رئيس مجلس النواب النص على المحكمة الدستورية قصد فحص مدى مطابقته للدستور، غير أن المحكمة لم تتمكن في نهاية المطاف من ممارسة رقابتها على جوهره، لا لأنها اعتبرت المآخذ الدستورية المثارة بشأنه غير مؤسسة، ولا لأنها قضت بمطابقته للدستور، وإنما بسبب خلل إجرائي شاب مسطرة الإحالة وحال دون البت في الموضوع.
فالمحكمة الدستورية لم تصدر حكماً بدستورية القانون، كما لم تقض بعدم دستوريته. وبالتالي، فإن القرار لا يمكن تفسيره باعتباره تزكية دستورية للنص، كما لا يمكن اعتباره إدانة لمضمونه. والنتيجة الأساسية التي ينبغي الوقوف عندها هي أن الرقابة الدستورية التي طُلبت من المحكمة لم تتم أصلاً.
ومن هنا يطرح سؤال يتجاوز حدود النقاش القانوني الصرف: هل يتعين على رئيس مجلس النواب، بعد صدور هذا القرار، تصحيح الخلل الذي شاب الإحالة وإعادة عرض القانون على المحكمة الدستورية؟
من الناحية القانونية المحضة، يبدو الجواب بحاجة إلى شيء من التدقيق. فالفصل 132 من الدستور يميز بين النصوص التي تخضع وجوباً للرقابة الدستورية قبل إصدارها، وعلى رأسها القوانين التنظيمية، وبين القوانين العادية التي يمكن إحالتها على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها من طرف الجهات التي حددها الدستور، ومن بينها رئيس مجلس النواب. وبالتالي، فإن إحالة قانون عادي من حيث الأصل هي صلاحية دستورية وليست التزاماً وجوبياً.
غير أن المسألة المطروحة اليوم تختلف عن مجرد التساؤل حول ما إذا كان رئيس مجلس النواب ملزماً ابتداءً بإحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية. فالرئيس اتخذ بالفعل قرار الإحالة، ومارس الصلاحية التي خولها له الدستور، معبراً بذلك عن إرادة مؤسساتية واضحة في إخضاع النص للرقابة الدستورية قبل إصداره.
لكن هذه الرقابة لم تقع.
وهنا، في تقديرنا، تنتقل المسألة من نطاق الالتزام القانوني إلى نطاق أوسع هو المسؤولية الأخلاقية والدستورية والمؤسساتية.
فحين تقرر مؤسسة دستورية، من تلقاء نفسها، اللجوء إلى المحكمة الدستورية لفحص قانون معين، ثم يتعذر على المحكمة ممارسة رقابتها بسبب خلل إجرائي في عملية الإحالة ذاتها، سيكون من الصعب مؤسساتياً تبرير أن يصبح هذا الخطأ الشكلي هو السبب الذي يؤدي في النهاية إلى عدم إجراء الرقابة التي طُلبت أصلاً.
وسيكون الأمر أكثر إثارة للاستغراب إذا كان الخلل قابلاً للتدارك ببساطة، من خلال تصحيح مسطرة الإحالة وإرفاقها بالنص النهائي للقانون كما صادق عليه البرلمان.
سنكون، في هذه الحالة، أمام مفارقة مؤسساتية حقيقية: رئيس مجلس النواب أراد إخضاع القانون للرقابة الدستورية، والمحكمة الدستورية توصلت بالإحالة، ثم كشفت عن العيب الذي حال دون ممارسة رقابتها، ويكون هذا العيب قابلاً للتصحيح، ومع ذلك يمكن أن يستمر مسار القانون نحو الإصدار والنشر دون أن يتحقق أبداً الغرض الدستوري الذي من أجله تمت الإحالة الأولى.
وهذا الوضع يدعو إلى التساؤل عن معنى الإحالة ذاتها. فإذا كانت الغاية منها هي الحصول على جواب المحكمة بشأن دستورية النص، فإن صدور قرار لا يتضمن أي جواب عن هذه المسألة لا ينبغي، من المنظور المؤسساتي، أن يعتبر تحقيقاً للهدف الذي من أجله فُعّلت الرقابة الدستورية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمطالبة رئيس مجلس النواب بالطعن في قرار المحكمة أو الاعتراض عليه. بل على العكس تماماً، فإن إعادة الإحالة بعد تصحيح المسطرة ستكون تنفيذاً للمنطق الذي يقوم عليه القرار نفسه. فالمحكمة حددت المانع الذي حال دون ممارستها لاختصاصها، وبالتالي فإن إزالة هذا المانع وتمكينها من النص النهائي من شأنه أن يسمح لها بممارسة المهمة الدستورية التي أُحيل القانون عليها من أجلها.
كما أن مثل هذه الخطوة تنسجم مع مبدأ التعاون والولاء المؤسساتي الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين المؤسسات الدستورية. فالبرلمان يشرع ويصوت على القوانين، لكنه يمارس سلطته التشريعية في إطار سمو الدستور. والمحكمة الدستورية هي المؤسسة التي عهد إليها الدستور بالسهر على احترام هذه السمو، وفق الآليات والمساطر المحددة دستورياً.
وإذا كان رئيس مجلس النواب قد رأى، منذ البداية، أن القانون رقم 66.23 يستحق عرضه على المحكمة الدستورية، فإن السبب الذي دفع إلى هذه الإحالة لم يختف بصدور قرار إجرائي. بل على العكس، فإن جميع الأسئلة المتعلقة بدستورية مقتضيات القانون ما زالت قائمة، لأن المحكمة لم تفحصها ولم تجب عنها.
وتزداد أهمية الأمر بالنظر إلى طبيعة القانون موضوع النقاش. فالقانون رقم 66.23 ليس نصاً تشريعياً عادياً من حيث أثره المؤسساتي؛ فهو يعيد تنظيم مهنة ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الدفاع، والولوج إلى العدالة، والمحاكمة العادلة، واستقلال المحامي في أداء رسالته، فضلاً عن علاقته اليومية بمرفق العدالة. ولذلك فإن التأكد من سلامة مقتضياته دستورياً قبل دخوله حيز التنفيذ يخدم جميع الأطراف، بما فيها المؤسسة التشريعية نفسها.
كما أن إعادة الإحالة ستساهم في تحقيق الأمن القانوني. فصدور قرار دستوري في الموضوع، أياً كانت نتيجته، من شأنه أن يضع حداً للتساؤلات المثارة حول النص. فإذا قضت المحكمة بمطابقته للدستور، اكتسب القانون قوة مؤسساتية أكبر وأزيلت الشكوك بشأن دستوريته. وإذا سجلت عدم دستورية بعض مقتضياته، أمكن تصحيحها قبل أن تدخل إلى المنظومة القانونية وتنتج آثارها.
ومن المفيد هنا استحضار التجربة الدستورية المقارنة. فقد أظهر اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي، ولا سيما في القرار 2001-449 DC، أن انتهاء إحالة أولى لا يمنع، من حيث المبدأ، إحالة القانون ذاته مرة أخرى ما دام لم يصدر بعد، وهو ما يؤكد أن تعدد الإحالات قبل الإصدار ليس أمراً يتعارض في ذاته مع طبيعة الرقابة الدستورية السابقة.
ولا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بنقل الحل الفرنسي بصورة آلية إلى النظام الدستوري المغربي، فلكل نظام قواعده وخصوصياته. غير أن التجربة المقارنة تؤكد فكرة أساسية: ما دام القانون لم يصدر بعد، فإن إعادة عرضه على القضاء الدستوري تظل قابلة للتصور عندما تكون الغاية هي استكمال رقابة دستورية لم تحقق هدفها في المرة الأولى.
وعليه، ينبغي التمييز بوضوح بين مستويين مختلفين. فمن الصعب، في غياب مقتضى صريح، القول إن رئيس مجلس النواب ملزم قانوناً بإعادة الإحالة. لكن بعد أن اختار بنفسه تفعيل الرقابة الدستورية، وبعد أن تعذر على المحكمة البت في الموضوع فقط بسبب خلل في المسطرة، فإن إعادة الإحالة تصبح، في تقديرنا، مسؤولية أخلاقية ودستورية ومؤسساتية قوية، حتى وإن لم تكن واجباً قانونياً بالمعنى التقني للكلمة.
بل إن الأمر يتعلق أيضاً بمسؤولية تجاه المواطنين والمؤسسات. فالرقابة الدستورية ليست خصومة بين البرلمان والمحكمة الدستورية، وليست انتقاصاً من سلطة المشرع. إنها إحدى أهم ضمانات دولة القانون. وإخضاع القانون للدستور لا يضعف البرلمان، وإنما يعزز شرعية عمله ويكرس مكانته داخل البناء الدستوري.
إن إعادة إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية، بعد تصحيح الخلل الإجرائي الذي حال دون فحصه، لن تكون إذن تراجعاً من المؤسسة التشريعية، ولا اعترافاً بخطأ سياسي، وإنما ستكون تعبيراً عن نضج مؤسساتي واحترام فعلي لسمو الدستور.
فحين تقرر مؤسسة دستورية بنفسها فتح باب الرقابة على قانون، ثم يحول خطأ إجرائي دون وصول المحكمة إلى جوهره، فإن المسؤولية المؤسساتية تقتضي ألا يتحول ذلك الخطأ إلى وسيلة لإغلاق الباب نهائياً.
قد لا يكون رئيس مجلس النواب ملزماً بنص صريح بإعادة الإحالة، لكنه، بعدما اختار طريق الرقابة الدستورية، يتحمل مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية في أن يسمح لهذه الرقابة بأن تصل إلى نهايتها الطبيعية.

إعادة إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية: أبعد من الالتزام القانوني، مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية
14/08/2026

إعادة إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية: أبعد من الالتزام القانوني، مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية

14/08/2026
الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية القاضي برفض البت في نص قانون مهنة المحاماة، بعلة عيب في الاحالةبقلم: حمدي غلامي...
11/08/2026

الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية القاضي برفض البت في نص قانون مهنة المحاماة، بعلة عيب في الاحالة
بقلم: حمدي غلامي
محام بهيئتي مراكش وباريس، وباحث بسلك الدكتوراه
بتاريخ ١١ غشت 2026

يُعد القرار رقم 277/26 الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 10 غشت 2026 بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، من أبرز القرارات الدستورية التي تستحق الوقوف عندها، ليس بسبب ما انتهى إليه في موضوع مشروع القانون، وإنما بسبب ما أثاره من إشكاليات قانونية ودستورية غير مسبوقة. فالقرار لم يحسم في مدى مطابقة المشروع للدستور، كما لم يقض بعدم دستوريته، وإنما امتنع عن ممارسة رقابته الدستورية بسبب خلل إجرائي شاب مسطرة الإحالة، الأمر الذي يفرض التساؤل حول الآثار القانونية المترتبة على مثل هذا النوع من القرارات..
لقد أكدت المحكمة الدستورية أن النص النهائي لمشروع القانون، كما صادق عليه البرلمان، لم يكن ضمن الوثائق المحالة عليها، وأن الإحالة كانت مرفقة أساساً بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان وبعض الوثائق المرتبطة بالأشغال البرلمانية، وهو ما حال دون ممارسة المحكمة لاختصاصها الدستوري، باعتبار أن الرقابة لا تنصب إلا على النص القانوني النهائي المراد إصداره، وليس على الأعمال التحضيرية أو تقارير اللجان البرلمانية.
ويكتسي هذا التعليل أهمية بالغة، لأنه يكرس مبدأ دستورياً مفاده أن الرقابة الدستورية لا تمارس على النوايا التشريعية ولا على مراحل إعداد القانون، وإنما على القاعدة القانونية في صيغتها النهائية، باعتبارها وحدها التي ستولد آثاراً قانونية داخل النظام القانوني المغربي. ومن ثم، فإن إحالة تقرير لجنة برلمانية، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يحل محل النص التشريعي النهائي الذي يشكل موضوع الرقابة الدستورية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في هذا المبدأ فحسب، وإنما في كونه لم يقض بعدم قبول الإحالة، ولم يرفضها نهائياً، ولم يبت في موضوعها، وإنما اكتفى بالتصريح بعدم إمكانية البت “في الحالة المعروضة”. وهذه الصياغة الدقيقة تحمل دلالة قانونية عميقة، إذ تفيد أن المانع الذي اعترض المحكمة ليس مانعاً موضوعياً مرتبطاً بمضمون القانون، وإنما مانع شكلي متعلق بطريقة إحالة النص عليها، وهو ما يفتح المجال أمام نقاش قانوني حول إمكانية تصحيح هذا الخلل وإعادة سلوك مسطرة الإحالة من جديد..
وتبرز هنا إشكالية دستورية دقيقة لم يسبق، فيما يبدو، أن عالجها القضاء الدستوري المغربي بهذا الوضوح. فالفصل 132 من الدستور ينص على أن إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية توقف أجل إصداره إلى حين صدور قرار المحكمة. غير أن المحكمة، في هذه النازلة، أصدرت قراراً دون أن تمارس رقابتها الدستورية فعلياً. فهل يعتبر مجرد صدور القرار كافياً لإنهاء الأثر الموقف للإحالة، بما يسمح بإصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية؟ أم أن الامتناع عن البت يقتضي إعادة الإحالة بعد تصحيح الخلل الإجرائي حتى تتمكن المحكمة من ممارسة الرقابة التي أناطها بها الدستور؟
إن الدستور، كما القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، لا يقدمان جواباً صريحاً عن هذه الفرضية الاستثنائية، وهو ما يجعل القرار يثير فراغاً تشريعياً حقيقياً، قد تكون له آثار مهمة على الممارسة الدستورية مستقبلاً.
ومن جهة أخرى، لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذا القرار بمثابة إقرار بدستورية مشروع القانون. فالمحكمة لم تناقش أياً من مقتضياته، ولم تتناول مدى انسجامها مع الحقوق والحريات أو مع المبادئ الدستورية، ولم تصرح بدستورية أي مادة من مواده. وبالتالي، فإن جميع الإشكالات الدستورية التي قد يثيرها المشروع تبقى قائمة من الناحية القانونية، لأن المحكمة لم تمارس رقابتها بشأنها أصلاً.
كما أن القرار لا يمنع، في تقديرنا، من إعادة إحالة المشروع على المحكمة الدستورية بعد استكمال الوثائق المطلوبة، وعلى رأسها النص النهائي للمشروع كما صادق عليه البرلمان. فالمحكمة لم تقل إن الإحالة أصبحت غير مقبولة نهائياً، ولم تعتبر أن ولايتها قد استنفدت، وإنما صرحت فقط بعدم إمكانية البت في ظل الإحالة المعروضة عليها. وهو ما يفهم منه أن العيب شكلي قابل للتدارك، وليس مانعاً قانونياً يحول دون إعادة عرض المشروع عليها وفق الشروط التي يفرضها الدستور.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا القرار يوجه رسالة واضحة إلى مختلف المؤسسات الدستورية، مفادها أن احترام المساطر الدستورية ليس مجرد إجراء شكلي يمكن التساهل فيه، وإنما هو ضمانة أساسية لممارسة الرقابة الدستورية بصورة سليمة. فالمحكمة الدستورية لا تملك أن تعوض النقص الذي يشوب مسطرة الإحالة، ولا أن تباشر رقابتها خارج الحدود التي رسمها لها الدستور والقانون التنظيمي.
إن قرار المحكمة الدستورية في هذه القضية يتجاوز، في حقيقته، حدود مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، ليؤسس لاجتهاد دستوري جديد بشأن شروط ممارسة الرقابة السابقة على دستورية القوانين. فهو لا يجيب عن سؤال دستورية المشروع، وإنما يطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بحدود الاختصاص الدستوري وآثار الامتناع عن البت بسبب خلل في مسطرة الإحالة. وهو سؤال سيظل مفتوحاً أمام الفقه والقضاء الدستوري إلى أن تتبلور بشأنه ممارسة دستورية مستقرة، أو يتدخل المشرع لتنظيم هذه الفرضية صراحة، بما يحقق الأمن القانوني ويحافظ في الآن ذاته على سمو الدستور باعتباره القانون الأسمى للدولة.

QUAND L’EFFET D’UNE DECISION JUDICIAIRE DEPASSE LES PARTIES AU LITIGE : EVENEMENTS DE SEBTA A LA LUMIERE DE LA RECENTE D...
02/08/2026

QUAND L’EFFET D’UNE DECISION JUDICIAIRE DEPASSE LES PARTIES AU LITIGE : EVENEMENTS DE SEBTA A LA LUMIERE DE LA RECENTE DECISION DU TRIBUNAL SUPREME ESPAGNOL

الإطار القانوني لشبكات التواصل الاجتماعي ودوره في أحداث الهجرة السرية لمدينة سبتةحمدي غلاميمحام  أعاد تدفق محاولات الهجر...
02/08/2026

الإطار القانوني لشبكات التواصل الاجتماعي ودوره في أحداث الهجرة السرية لمدينة سبتة

حمدي غلامي
محام

أعاد تدفق محاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة طرح سؤال بالغ الأهمية يتعلق بالدور المتنامي الذي أصبحت تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل قرارات الأفراد وتوجيه سلوكهم، حيث لم تعد هذه المنصات مجرد فضاءات للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحولت إلى بيئة رقمية مؤثرة تساهم في صناعة التصورات الجماعية حول الهجرة، أحياناً بشكل واقعي وأحياناً بشكل مضلل، وهو ما يثير إشكاليات قانونية دقيقة تتعلق بحدود المسؤولية الرقمية في سياق ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والقانونية، إذ إن عدداً من المحتويات المتداولة على هذه المنصات يقدم الهجرة غير النظامية في صورة مثالية تختزل النجاح وتغفل المخاطر الجسيمة المرتبطة بالعبور غير المشروع، سواء تعلق الأمر بالمخاطر البحرية أو الاستغلال من طرف شبكات الاتجار بالبشر أو التعرض للملاحقة القانونية، كما أن بعض الحسابات والمجموعات المغلقة تستغل هذا الفضاء الرقمي لترويج معلومات غير دقيقة أو لتنسيق عمليات تهريب المهاجرين، وهو ما يضع شبكات التواصل الاجتماعي في قلب النقاش القانوني حول مدى مسؤوليتها عن المحتوى المنشور من طرف المستخدمين، خاصة في ظل تطور النقاشات التشريعية التي لم تعد تكتفي بمبدأ الحياد التقني للمنصات، بل بدأت تفرض عليها التزامات متزايدة تتعلق بالمراقبة والإبلاغ وحذف المحتويات غير المشروعة، دون أن يصل الأمر إلى إقرار مسؤولية مباشرة وشاملة عن كل ما ينشر، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين حماية حرية التعبير من جهة، ومكافحة الاستغلال الرقمي من جهة أخرى، وعلى المستوى الدولي لا يوجد إلى اليوم إطار قانوني موحد ينظم بشكل دقيق مسؤولية شبكات التواصل الاجتماعي في قضايا الهجرة، غير أن مجموعة من المبادئ العامة يمكن استحضارها، لاسيما تلك المرتبطة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر بروتوكول باليرمو الذي يجرم تهريب المهاجرين ويُلزم الدول بالتعاون في مكافحته، إضافة إلى المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي تفرض على الدول التزاماً بحماية الأفراد من التضليل والاستغلال، وهو ما يمكن أن يمتد بشكل غير مباشر إلى الفضاء الرقمي من خلال إلزام الدول بوضع أطر تنظيمية تضمن عدم تحويل هذه المنصات إلى أدوات لتسهيل الأنشطة غير المشروعة، كما أن المبادرات الدولية الحديثة، سواء داخل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، تتجه تدريجياً نحو تعزيز مسؤولية المنصات الرقمية في مراقبة المحتوى المرتبط بالهجرة غير النظامية مع الحفاظ على التوازن مع حرية التعبير، أما على المستوى الوطني فإن الدولة تتحمل مسؤولية مركزية في مواجهة هذه الظاهرة من خلال مقاربة شمولية تجمع بين البعد القانوني والأمني والوقائي، إذ يقتضي الأمر من المشرع تحديث الإطار القانوني لتجريم التحريض على الهجرة غير النظامية عبر الوسائط الرقمية وتجريم إنشاء أو إدارة شبكات رقمية تسهل عمليات التهريب أو الاتجار بالبشر، مع إمكانية فرض التزامات قانونية على مزودي خدمات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي للتعاون مع السلطات القضائية في الكشف عن المحتويات غير المشروعة، كما يتعين تعزيز القدرات التقنية والأمنية في مجال الرصد الرقمي وتحليل المعطيات المرتبطة بالأنشطة المشبوهة على الإنترنت مع احترام الضمانات الأساسية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وحرية التعبير، غير أن المقاربة الزجرية وحدها تبقى غير كافية، إذ لا بد من اعتماد سياسات عمومية موازية تستهدف معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية من خلال تحسين فرص التشغيل، وتعزيز التنمية المحلية، وتكثيف حملات التوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية خاصة في صفوف الشباب، وفي هذا السياق يبرز التحدي الأساسي المتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حرية التعبير في الفضاء الرقمي من جهة، وضرورة حماية الأفراد من الاستغلال والتضليل من جهة أخرى، لأن الإفراط في التقييد قد يمس بالحريات الأساسية، في حين أن غياب التنظيم يفتح المجال أمام استغلال خطير لهذه المنصات، مما يجعل الحل الأمثل قائماً على المسؤولية المشتركة بين الدولة والمنصات الرقمية والمجتمع الدولي في إطار تعاون قانوني وتقني مستمر، وتكشف أحداث سبتة في هذا الإطار أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد ظاهرة حدودية تقليدية، بل أصبحت ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والرقمية، حيث باتت شبكات التواصل الاجتماعي فاعلاً غير مباشر في ديناميتها، وهو ما يفرض إعادة التفكير في أدوات القانون التقليدي وتطويرها نحو مقاربة أكثر شمولاً ومرونة قادرة على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، بما يضمن حماية الإنسان وصون كرامته دون الإخلال بمتطلبات الأمن والاستقرار.

Address

6, Appt 2, Rue De Vieux Marrakechis, Guéliz
Marrakesh
40000

Opening Hours

Monday 09:00 - 19:00
Tuesday 09:00 - 19:00
Wednesday 09:00 - 19:00
Thursday 09:00 - 19:00
Friday 09:00 - 19:00

Telephone

+212525303132

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Cabinet d'Avocats Maître Hamdi Rholami posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Practice

Send a message to Cabinet d'Avocats Maître Hamdi Rholami:

Shortcuts

Share