28/08/2026
هل يمكن إسقاط قانون؟
حمدي غلامي
محام
تُستعمل عبارة «إسقاط القانون» في الخطاب السياسي والنقابي والمهني للتعبير عن رفض نص قانوني والمطالبة بالتراجع عنه أو مراجعته. غير أن هذه العبارة تطرح سؤالًا قانونيًا مهمًا: هل يمكن فعلًا إسقاط قانون بعد اعتماده ونشره ودخوله حيز التنفيذ؟ وما الآليات التي تسمح بإنهاء العمل به أو الحد من آثاره؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التمييز بين المعنى السياسي لعبارة «إسقاط القانون» والمعنى القانوني الدقيق لها. فمن الناحية السياسية، قد تعني العبارة تكثيف الاحتجاج والضغط من أجل إلغاء القانون أو تعديله أو استبداله. أما من الناحية القانونية، فإن القانون لا يسقط بمجرد رفضه أو الاحتجاج ضده، بل ينتهي العمل به وفق آليات دستورية وتشريعية محددة تختلف من دولة إلى أخرى.
في أغلب الأنظمة القانونية، يصبح القانون نافذًا بعد استكمال مراحل اعتماده، والتصديق عليه أو إصداره، ثم نشره في الجريدة الرسمية. ومنذ ذلك التاريخ، يصبح ملزمًا للسلطات والمؤسسات والأفراد، إلى أن يتم إلغاؤه أو تعديله أو تعليق تطبيق بعض مقتضياته وفقًا للقواعد المعمول بها.
ففي المغرب، مثلًا، يمر القانون بمراحل تشريعية محددة داخل البرلمان، ثم تتم إحالته إلى الملك لإصدار الأمر بتنفيذه، قبل نشره في الجريدة الرسمية. وبعد دخوله حيز التنفيذ، يمكن تعديله أو إلغاؤه بقانون لاحق، كما يمكن أن تخضع بعض مقتضياته للرقابة الدستورية وفق الشروط والآليات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.
وفي فرنسا، يمكن للبرلمان أن يعدل القانون أو يلغيه من خلال قانون جديد. كما يمكن للمجلس الدستوري أن يراقب دستورية القوانين قبل إصدارها، أو أن ينظر، في إطار مسألة الأولوية الدستورية، في مدى توافق مقتضى تشريعي نافذ مع الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. وإذا تقرر عدم دستورية مقتضى معين، فقد يُلغى ابتداءً من تاريخ يحدده المجلس الدستوري أو وفق الشروط التي يقررها.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيمكن للكونغرس إلغاء قانون أو تعديله من خلال تشريع جديد، بينما تملك المحاكم، وعلى رأسها المحكمة العليا، صلاحية استبعاد تطبيق القانون إذا تبين أنه يتعارض مع الدستور. غير أن الحكم بعدم دستورية القانون لا يصدر لمجرد الاعتراض السياسي عليه، بل يأتي في إطار نزاع قضائي تتوافر فيه شروط محددة.
وفي ألمانيا، تخضع القوانين لرقابة المحكمة الدستورية الاتحادية، التي يمكنها أن تقرر عدم دستورية قانون أو بعض مقتضياته. وقد يؤدي ذلك إلى إلغاء النص أو إلزام المشرّع بتعديله، بحسب طبيعة المخالفة الدستورية وآثار القرار.
وفي إسبانيا، يمكن الطعن في دستورية القوانين أمام المحكمة الدستورية من خلال الآليات التي يحددها الدستور، كما يمكن للمحاكم أن تحيل مسألة دستورية نص قانوني عندما ترى أن تطبيقه في قضية معينة قد يتعارض مع الدستور. وفي هذه الحالة، لا يؤدي مجرد الطعن إلى إسقاط القانون تلقائيًا، بل تظل آثاره قائمة إلى حين صدور القرار المختص.
وتوجد أيضًا أنظمة قانونية تعتمد آليات أخرى، مثل الاستفتاء الشعبي، الذي قد يسمح للمواطنين بالموافقة على قانون أو رفضه، أو إلغاء بعض القوانين وفق شروط محددة. ففي بعض الولايات الأمريكية، مثلًا، يمكن للناخبين استعمال آلية المبادرة الشعبية أو الاستفتاء لإلغاء نصوص قانونية أو تعديلها، بينما تختلف هذه الإمكانية من ولاية إلى أخرى ولا تشمل جميع القوانين.
كما أن بعض الدول تتيح للسلطة التنفيذية إصدار مراسيم أو لوائح لتنفيذ القانون أو تنظيم تطبيقه، لكنها لا تملك، في الأصل، إلغاء قانون صادر عن السلطة التشريعية إلا في الحدود التي يسمح بها الدستور. فمبدأ تدرج القواعد القانونية يقتضي ألا يتم إلغاء قانون إلا بواسطة قاعدة قانونية مساوية له أو أعلى منه في المرتبة.
ومن المهم التمييز بين إلغاء القانون وتعليق تطبيقه والحكم بعدم دستوريته. فالإلغاء يتم عادةً بواسطة قانون جديد يصدر عن الجهة التشريعية المختصة. أما التعليق فقد يكون مؤقتًا، وقد يتم بموجب قرار قضائي أو نص قانوني أو إجراء استثنائي تسمح به القواعد الدستورية. بينما يعني الحكم بعدم الدستورية أن النص، كليًا أو جزئيًا، لا ينسجم مع أحكام الدستور، وتترتب عن ذلك آثار تختلف بحسب النظام القانوني المعني.
وقد يؤدي القضاء كذلك إلى الحد من تطبيق قانون معين في حالات محددة، من خلال تفسيره أو استبعاد تطبيقه على وقائع معينة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء القانون من المنظومة القانونية. فالمحكمة قد ترفض تطبيق نص في قضية محددة، أو تفسره بطريقة تتوافق مع الدستور، بينما يظل النص قائمًا بالنسبة إلى الحالات الأخرى.
وعليه، فإن الاحتجاج على قانون أو المطالبة بإلغائه يختلف عن إنكار وجوده القانوني. فمن حق الأفراد والهيئات والجمعيات والنقابات أن تعبر عن رفضها لقانون معين، وأن تطالب بتعديله أو إلغائه، وأن تستخدم الوسائل السلمية والمشروعة للتأثير في القرار التشريعي. غير أن القانون يظل نافذًا وملزمًا ما لم تتدخل الجهة المختصة لإلغائه أو تعديله أو تعليق تطبيقه أو التصريح بعدم دستورية مقتضياته.
كما أن الامتناع عن تطبيق القانون لا يُعد، في الأصل، وسيلة قانونية لإسقاطه. فقد يكون الامتناع فعلًا احتجاجيًا أو موقفًا سياسيًا، لكنه قد يترتب عنه، بحسب الظروف، أثر قانوني أو مهني على الأشخاص أو الهيئات التي تتخذه. لذلك، تظل الوسائل القانونية والمؤسساتية أكثر وضوحًا في تحقيق هدف إلغاء القانون أو مراجعته.
إن إسقاط قانون، بالمعنى القانوني، لا يتم بقرار فردي أو بمجرد إعلان سياسي، بل من خلال مسار محدد: قانون جديد يلغي النص أو يعدله، أو حكم قضائي يقرر عدم دستوريته، أو آلية استفتائية عندما يسمح بها النظام الدستوري، أو إجراء آخر تنص عليه القواعد القانونية المعمول بها.
إن عبارة «إسقاط القانون» قد تكون مفهومة في الخطاب العام باعتبارها تعبيرًا عن رفض القانون والمطالبة بالتراجع عنه، لكنها تحتاج إلى تحديد دقيق من الناحية القانونية. فالقانون يمكن أن يُلغى أو يُعدّل أو يُعلّق تطبيقه أو يُحكم بعدم دستورية بعض مقتضياته، غير أن ذلك لا يتم إلا عبر المؤسسات والآليات التي يحددها الدستور والقانون في كل دولة.
فدولة القانون لا تمنع الاعتراض على القوانين، ولا تحول دون المطالبة بتغييرها، لكنها تجعل هذا التغيير خاضعًا لمساطر واضحة، حتى يتم الانتقال من الاحتجاج السياسي إلى الأثر القانوني الفعلي.