16/08/2024
مشروع قانون المسطرة المدنية..أية عدالة..عندما يشرع للأغنياء..
مما لاشك فيه أن الأمم والحضارات الإنسانية لا تبلغ رقيها، ولا تقوم لها قائمة، إلا عندما يكون العدل أساسها، فبالعدل تبلغ عز مجدها، كما أن هذه الحضارات تكون عظمتها بعظمة القوانين التي تسود فيها، وقدرة هذه القوانين على الاستمرار ومواكبة التغيرات والتطورات على جميع المستويات.
ولذلك فالعدالة بالأهمية بما كانت، والأكيد، أنه لكي تعم العدالة لابد من وجود نصوص تشريعية عادلة يشارك في صياغتها الكل، مادام هو المعني بها، بعيدا عن أية عصبية وأنانية وتحكم، وبذلك كانت العدالة عكس الظلم والجور، ومن بين أهدافها، المساواة، والتوازن، وعدم التعدي، وحماية المصالح الفردية والعامة.
والتشريع كقواعد عامة مجردة وملزمة، تنظم العلاقات في المجتمع، وأيضا كمصدر من مصادر القانون، يقصد به عملية سن القواعد القانونية، فالتشريع إذن هو صناعة، وهذه الصناعة تتطلب مجموعة من الآليات والمعايير حتى تكون منتجة مادام أن التشريع هو أداة لتطوير المجتمع والكفيل بنهوضه وتقدمه.
و من هذا المنطلق التشريع يتطلب توافر مجموعة من المعايير أهمها:
- تحقيق التوافق والانسجام بين الدستور والقاعدة القانونية موضوع الصياغة والتشريع، ضمانا للإستقرار القانوني، مع مراعاة المواثيق الدولية في هذا الجانب.
- عدم التسرع في صياغة القوانين وتشريعها كرد فعل على أحداث أو وقائع معينة، ممكن معالجتها بوسائل أخرى غير التشريع، بما قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع أكثر من معالجتها.
- الإنطلاق من فلسفة واضحة ومحددة، ضمانا لقوة النص التشريعي ودوامه وفعاليته.
- الإلمام بجميع جوانب الموضوع المراد التشريع فيه، وإشراك ذوي الاختصاص في التشريع، والأخذ بآرائهم وملاحظاتهم ضمانا لجودة القاعدة القانونية.
- أن يكون التشريع مستهدفا لجميع الفئات، أي جميع المواطنين دون ترجيح مصالح فئة على فئة أخرى تحقيقا للعدل المنشود.
- عدم التمييز بين الدولة والأشخاص العادين في سن القوانين ترسيخا لمبدأ المساواة أمام القانون.
- ألا يكون التشريع يخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة، أو أن يكون مستجيبا لضغوط سياسية، أو متأثرا بالجماعات الضاغطة أو ذوي النفوذ.
- أن يسعى إلى تحقيق الوحدة القانونية والسياسية للدولة.
وحتى يكون القانون منسجما مع روح المجتمع و ثقافته، وجب عليه أن يكون مستجيبا لحاجياته وتطور العلاقات فيه، ومتلائما مع قيمه، وضامنا للتوفيق بين المصالح الخاصة والعامة، وحريصا على سيادة الاستقرار والثقة في المعاملات وتكافؤ الفرص أمام الجميع.
إلا أن الملاحظ من خلال قراءتنا السريعة لبعض مضامين مشروع قانون المسطرة المدنية، فلا هو كان مستجيبا لروح الدستور ومتناغما مع الاتفاقيات الدولية ، ولا هو سعى إلى تطهير منظومة العدالة من الشوائب العالقة بها.
فمشروع قانون المسطرة المدنية تضمن عدة تراجعات بخصوص دور المحامي في المحاكمة العادلة، ووسعت من المساطر التي لا تحتاج لمحامي، فإذا كانت المحاكمة العادلة هي أحد الأعمدة الأساسية لدولة القانون، فإن من بين أهم مبادئ هذه المحاكمة العادلة هو الحق في الدفاع.
والمحاكمة العادلة لن تقوم لها قائمة بدون الاستعانة بمحامي، لأنه هو القائم الساهر على احترام شروطها ومبادئها بحكم تكوينه واختصاصه.
وإن دور المحامي في الدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم ومبادئ المحاكمة العادلة، ليس ترفا أو خيارا، بل هو حتمية وضرورة وجود، فالمحامي صمام الأمان للمتقاضي والمدافع عن حقوقه ومصالحه طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وهو الممثل الشرعي والقانوني للأشخاص أمام المحاكم.
وإن في تهميش دور المحامي، وتقزيمه، ما يجعل المواطن عرضة لضياع مصالحه وحقوقه، وما يفتح الباب أيضا أمام الفوضى والعشوائية في منظومة العدالة، بما يتيح للسماسرة ووسطاء السوء العبث والتلاعب بمصالح الناس.
وإذا كان الهدف الحقيقي من وراء أي تشريع، هو الحرص على حماية مصالح وحقوق المواطنين داخل منظومة العدالة، فإن ذلك لن يتأتى إلا بتعزيز ضمانات استقلال القضاء وتعزيز دور المحامي، كضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات.
وفي هذا المجال يجب على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في توفير المساعدة القضائية للأشخاص الذين لا يستطيعون تنصيب محامي للدفع عن مصالحهم، لا أن تعفيهم من المحامي، وفي ذلك ضرب لمصالحهم وحقوقهم بعرض الحائط.
فحق التقاضي، لا يعني حتما ولزوما إتاحة الفرصة للشخص للجوء للقضاء بصفة شخصية دون الاستعانة بخدمات محامي، لأن المحامي يبقى هو المختص بالدفاع عن مصالح المتقاضين وحقوقهم أمام المحاكم، ولكونه العارف بالقواعد القانونية، والمتقن لغة الحوار القانوني مع المحكمة.
والدولة يجب عليها أن تتحمل مسؤوليتها في توفير الاستعانة بمحامي للمواطن المعوز الذي لا يستطيع سداد أتعاب المحامي في إطار المساعدة القضائية ، لا أن تعفي نفسها من هذا الواجب على حساب المواطن ومصالحه، بأن يتيح له حق التقاضي بصفة شخصية وهو الجاهل بقواعد القانون، وبذلك فهي تضيع عليه مصالحه وحقوقه لأنه يجهل كيفية الدفاع عنها لكونه يفتقد للآليات للازمة لذلك.
كما أن بعض مضامين هذا المشروع، أثقلت كاهل المتقاضين بمجموعة من الغرامات، فإذا كان حق التقاضي مكفول دستورا، ومضمون على مستوى المواثيق الدولية، فلماذا حاول واضعي المشروع الحد من هذا الحق بما سيصبح معه المواطن يخشى اللجوء للقضاء خوفا من الغرامة؟.
فأن يفرض المشرع مسبقا غرامة، فإنه يخلق الشك للمتقاضي ولو أن نيته حسنة، ويخشى أن تطبق عليه الغرامة في حال أنه خسر دعواه.
وغني عن البيان أن أصعب ما يمكن الوقوف عليه هو النية، وما مدى حسنها من عدم ذلك.
ومن شأن كل هذه المقتضيات أن تمس بحق التقاضي ، فمحاصرة المتقاضي بمجموعة من الغرامات تجعله قد يفكر ألف مرة قبل اللجوء للقضاء قصد الدفاع عن مصالحه وحقوقه، وهو ما يشكل خرقا لمبدأ حق التقاضي المكفول دستورا والمضمون بمقتضى المواثيق الدولية.
كما أن حرمان المتقاضي من درجة من درجات التقاضي وحق مشروع من الطعن في حكم أو قرار قضائي بسبب قيمة النزاع، فيه إجحاف كبير للمواطن المتقاضي، وتبرز أهمية مبدأ التقاضي على درجتين، في كونه يشكل ضمانا أساسيا لمصالح المتقاضي، ولتحقيق العدالة وكان على واضع المشروع أن يعي جيدا أن مبلغ 30.000 درهم يشكل مبلغا زهيدا في بعض مناطق المملكة، فإنه يشكل ثروة في العديد من المناطق، ولما كان القانون يطبق على الجميع ويحمي الجميع ويضمن حقوق الجميع، فلماذا التمييز بسبب قيمة النزاع.
زد على ذلك تلك المادة الخطيرة التي صنفت برقم 17 من المشروع، والتي ضربت حجية الأحكام في الصميم، ونزعت عن الحكم القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به قدسيته، كيف يعقل أن يصدر حكم ويصبح نهائيا وغير قابل لأي طريق من طرق الطعن ويصبح محصنا، أن تأتي النيابة العامة وتطعن فيه بالبطلان بعلة مخالفته النظام العام، ولو بعد مرور 100 عام على صدوره، ما دام أن واضع المشروع لم يقيد طعن النيابة العامة بالبطلان بحيز زماني، زد على ذلك كيف يمكن تفسير النظام العام الذي تم المساس به ومن يملك حق التفسير، إنه العبث في أبهى تجلياته بإستقرار المراكز القانونية و الحقوق المكتسبة.
إذن ومن خلال الوقوف على بعض المضامين والمقتضيات التي جاء بها مشروع قانون المسطرة المدنية وما شكله من مخالفة صريحة لنصوص الدستور، والمواثيق الدولية، وما جاء به من تراجعات على مستوى مجموعة من المكتسبات مقارنة مع القانون الحالي، وما عبر عنه صراحة فإنه لم يكن موفقا في عدم التميز بين فئات المجتمع، وبين المواطن والدولة، بل إنه خالف الدستور مخالفة صريحة.
// يوسف مرصود المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء..