11/05/2025
“المفوض القضائي في ثوب جديد: نحو مهنة أكثر فاعلية بين تنوع الاختصاصات واتساع دائرة الاشتغال”
اعداد المفوض القضائي الأستاذ بنعياد عبد الله
مقدمة:
في زمن تتسارع فيه التحولات القانونية والمؤسساتية، تتولد حاجة ملحّة لإعادة تعريف الأدوار الكلاسيكية داخل منظومة العدالة. ومن بين أبرز المهن التي شهدت تحولات جوهرية في بنيتها ووظائفها، تبرز مهنة المفوض القضائي التي انتقلت من حيز ضيق أشبه بالظل القضائي، إلى فضاء أوسع يتطلب مرونة، ومبادرة، واستقلالاً وظيفياً معززاً.
القانون الجديد المنظم لمهنة المفوضين القضائيين لم يأتِ لتزيين النصوص أو لتكريس البيروقراطية، بل جاء ليفتح آفاقاً حقيقية أمام ممارسة حديثة، عصرية، مواكبة لحاجيات القضاء والمجتمع على حد سواء.
فلم يعد المفوض القضائي مجرّد منفّذ لأوامر قضائية صادرة من سلطة عليا، بل أصبح جزءاً من الحل، ومكوناً حيوياً في نسق العدالة، ومساهماً مباشراً في فض المنازعات، واستباق الإجراءات، وتحصيل الحقوق.
لقد حمل القانون الجديد في طياته فلسفة واضحة: تحويل المفوض من مجرد موظف ميداني إلى فاعل قانوني متعدد الأبعاد، يشتغل ضمن ضوابط قضائية، لكنه منفتح على الدينامية الاجتماعية والاقتصادية.
ويُمكن أن نقرأ هذا التحول من زاويتين مترابطتين: الأولى تتعلق بتوسيع الاختصاصات القانونية والوظيفية للمفوض، والثانية ترتبط بتوسيع الدائرة القضائية واختصاصه المكاني، بما يعزز من مكانته ويُوسع من مجال تدخله.
⸻
الفقرة الأولى: المفوض القضائي… اختصاصات متعددة ووظائف متشابكة
لم يعد المفوض القضائي مجرد يدٍ تنفذ أوامر المحاكم، بل أصبح فاعلا قانونيا، ذي حضور متجدد، قادر على التفاعل المباشر مع المجتمع، دون الحاجة إلى المرور الإجباري عبر بوابة المحكمة في بعض الاختصاصات الحصرية المنصوص عليها قانونا.
فمن خلال الاختصاصات الجديدة التي أقرها القانون، نجد انتقالاً جوهرياً من التنفيذ القضائي التقليدي، إلى التدخل الاستباقي والوسيط القانوني المباشر، وهو ما يُعطي للمفوض القضائي دوراً تكميلياً للقضاء، لا مجرد مساعدا له.
فعلى سبيل المثال، أصبح المفوض القضائي مُخوّلاً بتلقي عروض الأداء والإيداع بناءً على طلب مباشر من المواطن أو المقاولة، دون الحاجة إلى أمر قضائي، ما يجعل مكتبه قبلة لحلول نزاعات كان يُفترض أن تستغرق ايام في أروقة المحاكم. هذه النقلة تمنح المفوض موقع الوسيط قبل أن تُخلق الخصومة.
كذلك، فإن إدراج الإفراغات والبيوعات العقارية ضمن صلاحياته، يجعل من المفوض فاعلاً مركزياً في إدارة النزاعات العقارية، وضمان الاستقرار القانوني في علاقات السكن والاستثمار.
أما تمكينه من تنفيذ البيوعات بالمزاد العلني لفائدة الخواص أو المؤسسات العمومية، فهو اعتراف مؤسساتي بمصداقيته، وقدرته على حماية الشفافية والضمانات القانونية في المعاملات الكبرى.
ومن أبرز التحولات أيضاً، تمكين المفوض القضائي من ممارسة التحصيل الودي للديون الخاصة متى توفر السند التنفيذي، ما يُخفف العبء عن المحاكم، ويوفر على الدائنين عناء المساطر القضائية الطويلة، كما أنه يُعيد الثقة في آليات التحكيم المهني خارج جدران المحكمة.
هذا دون أن نغفل الوظيفة الجديدة المرتبطة بتحرير محاضر الاستجوابات، والتي تُعزز موقعه كناقل للوقائع ومُدوّن للحجج، في انسجام مع مقتضيات النزاهة والحياد.
أخيراً، فإن التكليف بتحصيل الديون العامة لفائدة الدولة والمؤسسات العمومية يُعد من أقوى صور الاعتراف القانوني بالمفوض القضائي كعنصر مساعد في خدمة المرفق العمومي.
كل هذه المهام تؤسس لنموذج مهني جديد: المفوض القضائي المتعدد الوظائف، القريب من المواطن، المتفاعل مع الاقتصاد، والداعم للمرفق القضائي.
⸻
الفقرة الثانية: من الدائرة الابتدائية إلى الدائرة الاستئنافية… نفَسٌ مهني جديد
لا تقل أهمية الاختصاص المكاني الموسع عن أهمية الاختصاصات النوعية الجديدة، بل إن انتقال المفوض القضائي من الاشتغال داخل دائرة المحكمة الابتدائية فقط، إلى النطاق الترابي لمحكمة الاستئناف، يشكل نقلة نوعية تتيح له الانخراط في نسيج مهني واجتماعي أوسع.
هذا التوسيع الجغرافي، يُمكّن المفوض من الاشتغال في محيط أكثر اتساعاً، يشمل عدة محاكم ابتدائية ضمن دائرة استئنافية واحدة، ما يُنهي عزلة المفوضين في المناطق الصغرى، ويُتيح لهم إمكانية تكوين شراكات وتوزيع المهام وتوسيع قاعدة زبنائهم من أفراد ومؤسسات.
ففي السابق، كان المفوض القضائي المرتبط بمحكمة ابتدائية في منطقة نائية، محروماً من فرص الاشتغال في مركز الجهة أو المناطق النشطة اقتصادياً، وهو ما كان يُكرس اللامساواة المهنية بين المفوضين القضائيين. أما اليوم، فالقانون يُتيح له تجاوز هذه الحدود، والانفتاح على مجال اشتغال أكبر وهذا الامر يحسب للسيد وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي ونشكره من خلال هذا المقال المتواضع ولا ننسى ان نشكر ايضا الفاعيلين من المفوضين القضائيين في شخص السيد رئيس الهيئة الوطنية للموفضين القضائيين السابق السيد فريد مرجان والسيد محمود ابو الحقوق الرئيس الحالي للهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين بالمغرب وجميع المفوضين القضائيين بالمغرب.
كما أن هذا التوسيع يفتح الباب أمام نقل الخبرات وتوحيد الممارسات المهنية داخل نفس الدائرة، ويُقلل من الفوارق بين المفوضين من حيث عدد القضايا والدخل والفرص المهنية.
وهو ما يعني عملياً أن المفوض القضائي لم يعد مقيداً بمنطق “المحلية”، بل أصبح فاعلاً على مستوى “الجهوية القضائية”، في انسجام تام مع التوجه العام نحو الجهوية المتقدمة.
هذا الاختصاص المكاني الموسع سيُسهم أيضاً في تقوية الروابط بين المفوضين أنفسهم، وخلق شبكات مهنية جهوية، يُمكن أن تُنتج تعاوناً، وتقاسماً للمعرفة، واحترافية أعلى، بدل التنافس الفردي الضيق.
ثم إن هذا الامتداد ينعكس بشكل مباشر على صورة المفوض لدى المواطن، الذي سيبدأ في رؤيته كفاعل جاد، يستطيع التنقل والاشتغال ضمن فضاء واسع، وليس موظفاً محلياً محدود السلطة.
من جهة أخرى، فإن التوسع المكاني يُمكن أن يُشكل مدخلاً لتطوير مؤسسات المفوضين الجهوية، وتحقيق تراكم تنظيمي يليق بتطور المهنة، ويُمكن أن يكون في المستقبل نواة لهيئة وطنية مهنية قوية وموحدة.
⸻
الخاتمة:
القانون الجديد ليس فقط إعادة صياغة لنص قانوني، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في مسار مهنة المفوضين القضائيين.
إنه دعوة صريحة إلى القطع مع الممارسات البيروقراطية، والتحرر من قيد الوظيفة التنفيذية، والانطلاق نحو أفق الفعل المهني الحر، المسؤول، والمبادر.
المفوض القضائي من خلال الاختصاصات الجديدة اصبح فاعلا قانونيا، وحارسا للشفافية في المال والممتلكات.
فهل نحن مستعدون لنكون في مستوى هذا التحول؟
هل لدينا الوعي الجماعي لنُفعّل هذه الاختصاصات بما يخدم المواطن، ويرتقي بمستوى المهنة؟
المرحلة المقبلة تتطلب منا ليس فقط فهم النص، بل الجرأة على تفعيله، والشجاعة في تجديد صورتنا أمام المجتمع.
فلنكن على قدر هذا التحول، ولنجعل من هذا القانون نقطة انطلاق لا محطة انتظار