28/09/2026
الإدارة العامة في لبنان: حين تتحوّل المعاملة إلى عبء والفساد إلى خلل بنيوي .
إعداد المحامي حسن ابوخليل
علاقة المواطن بالدولة تبدأ غالباً عند شباك معاملة: مستند يُطلب، وختم ينقص، وموعد يتأخر، وسجلّ يصعب العثور عليه. هنا لا تبدو البيروقراطية مصطلحاً نظرياً؛ إنها وقت المواطن وماله وحقه في خدمة واضحة ومنصفة.
وجود الإجراءات الإدارية ضروري لتنظيم العمل وحماية الحقوق. لكن الإجراءات تفقد وظيفتها حين تتكاثر بلا مبرر، أو تتضارب بين إدارة وأخرى، أو تترك المعاملة رهينة التقدير الشخصي وغياب المعلومات. عندها يتحول الروتين إلى حاجز بين المواطن والدولة، وتتسع مساحة الاستنساب التي قد تنمو فيها المحسوبية والفساد.
وتعكس مؤشرات الحوكمة العالمية صورة مقلقة عن لبنان. ففي بيانات عام 2024، جاء لبنان في المرتبة 186 من أصل 205 دول في فعالية الحكومة، بدرجة 29.4 من 100، وفي المرتبة 176 من أصل 205 في جودة التنظيم، بدرجة 39.7. وحلّ في المرتبة 170 من أصل 207 في سيادة القانون، و188 من أصل 207 في السيطرة على الفساد. أما الاستقرار السياسي، فجاء في المرتبة 183 من أصل 207، والصوت والمساءلة في المرتبة 141 من أصل 205.[1]
وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، سجّل لبنان 23 من 100، وجاء في المرتبة 153 من أصل 182 دولة.[2] لا تثبت هذه المؤشرات وقوع جريمة أو تحدد المسؤول عنها؛ فهي أدوات تشخيص ومقارنة. لكنها، مجتمعة، تكشف ضعفاً مؤسسياً لا يمكن اختزاله في بطء معاملة أو تقصير موظف.
وتظهر الفجوة أيضاً في الخدمات الرقمية. ففي مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لعام 2024، جاء لبنان في المرتبة 126 من أصل 193 دولة. ورغم تصنيفه إجمالاً ضمن فئة «المستوى المرتفع»، بقي مكوّن الخدمات الإلكترونية في الفئة المتوسطة.[3] فامتلاك بوابة إلكترونية لا يكفي إذا ظل المواطن مضطراً إلى طباعة المستندات، ومراجعة الإدارات، ودفع الرسوم يدوياً.
من التشخيص إلى الإصلاح
الإصلاح يبدأ بمراجعة كل معاملة: ما المستندات اللازمة فعلاً؟ كم تستغرق؟ من المسؤول عنها؟ وما طريق الاعتراض عند التأخير أو الرفض؟ ينبغي نشر هذه المعلومات بوضوح، وإلغاء الطلبات المكررة والخطوات التي لا تضيف حماية قانونية أو إدارية.
ثم تأتي الرقمنة المتكاملة، لا الجزئية: منصة واحدة تتيح تقديم الطلب ودفع الرسوم ومتابعته والحصول على النتيجة إلكترونياً، مع ربط قواعد بيانات الإدارات وحفظ السجلات رقمياً. ويجب أن تراعي الخدمات كبار السن، وذوي الإعاقة، ومن لا يملكون اتصالاً أو مهارة رقمية كافية، مع إبقاء المساعدة الحضورية متاحة.
ولا تنجح الرقمنة وحدها من دون إصلاح الموارد البشرية. فالتوظيف والترقية يجب أن يقوما على الكفاءة والاستحقاق، مع تدريب مستمر وتقييم أداء واضح، ومحاسبة من يعرقل الخدمة أو يستعمل سلطته خارج القانون. كما يجب أن تُدار الصفقات والإنفاق العام بشفافية، وأن تتاح المعلومات اللازمة للرقابة والمنافسة والمساءلة.
وتحتاج هذه الإصلاحات إلى قيادة حكومية واضحة، ومسؤول محدد عن تنفيذ كل خطوة، ومؤشرات أداء تُنشر دورياً: مدة إنجاز المعاملة، ونسبة الخدمات المنجزة إلكترونياً، وعدد الشكاوى التي عولجت، ومدى الالتزام بالمواعيد. فالإصلاح الذي لا يُقاس يصعب التحقق منه أو محاسبة المسؤولين عنه.
لدى لبنان قوانين ومؤسسات يفترض أن تدعم هذا المسار، منها قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، وقانون الشراء العام، وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحته.[4] لكن قيمة النصوص تُقاس بتطبيقها: هل يحصل المواطن فعلاً على المعلومة؟ هل تُدار الصفقات بشفافية؟ وهل تستطيع أجهزة الرقابة التحقيق والمساءلة بفاعلية؟
وقد أشار البنك الدولي إلى تدهور المالية العامة في لبنان وانعكاسه على تقديم الخدمات، فوق تحديات مؤسسية قديمة تشمل ضعف القدرات ونقص الشفافية.[5] لذلك، لا يكون الحل باستيراد نظام إلكتروني أو إصدار قانون جديد فقط؛ المطلوب خطة إصلاح متدرجة، تُبسّط الإدارة، وتحدّ من الاستنساب، وتحمي المال العام، وتعيد قياس الأداء على أساس خدمة الناس.
الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة لا يتحقق بقرار واحد. يبدأ بدولة تنجز المعاملة بوضوح، وتطبق القانون على الجميع، وتتيح المعلومة، وتحاسب من يسيء استعمال السلطة. عندها تصبح الإدارة العامة مرفقاً يخدم المواطن، لا طابوراً وختمًا وموعداً مؤجلاً.
************************
[1] مؤشرات الحوكمة العالمية WGI للبنك الدولي تشمل فعالية الحكومة، جودة التنظيم، سيادة القانون، السيطرة على الفساد، الاستقرار السياسي، والصوت والمساءلة. المراتب الواردة هي ترتيب لقيم المؤشرات في جداول الدول لعام 2024، وليست تصنيفاً إجمالياً واحداً يصدره البنك الدولي.
[2] منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وشرح منهجية المؤشر القائمة على تصورات الخبراء ورجال الأعمال عن فساد القطاع العام.
[3] الأمم المتحدة، مسح الحكومة الإلكترونية لعام 2024، جدول نتائج لبنان في مؤشر EGDI ومكوّن الخدمات الإلكترونية.
[4] قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017، المعدّل بالقانون رقم 233/2021 والمرسوم التطبيقي رقم 6940/2020؛ قانون الشراء العام رقم 244/2021؛ وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحته رقم 175/2020.
[5] البنك الدولي، مشروع استعادة الوظائف الأساسية للإدارة المالية في لبنان ودعم تقديم الخدمات العامة، 2024