11/05/2026
#لبنان... :
بين الأمير الوهمي والعقيد المزعوم ، أين الدولة؟
ما يفسد الدول ليس الفقر وحده، بل حين يُقصى أصحاب الكفاءة ويُقدَّم أهل الولاء والتبعية والادعاء. فان انحدار معايير الدولة نفسها هو حين يصبح الادعاء بديلاً عن الكفاءة، والاستعراض بديلاً عن المؤسسات، والعلاقات الوهمية بديلاً عن الخبرة والسيادة.
يُروى عن الإمام علي رضي الله عنه أنّه قال إن فساد أمر القوم يبدأ عندما يُوضع الصغير مكان الكبير، والجاهل مكان العالم، والتابع في موقع القيادة. وهذا تماماً ما أصاب لبنان في السياسة والأمن والإدارة.
فأي دولة يمكن أن تصمد حين يتحول بعض مسؤوليها إلى ضحايا للأوهام؟ بين "الأمير أبو عمر" السعودي المزعوم، وبين "العقيد" الكربلائي العراقي الموهوم، تكشّفت هشاشة طبقة سياسية وأمنية كاملة، ركضت خلف الألقاب والعلاقات والقصص الملفّقة أكثر مما ركضت خلف بناء دولة حقيقية ومؤسسات فاعلة.
المشكلة ليست فقط في هؤلاء المدّعين، بل في المسؤولين الذين استقبلوهم وفتحوا لهم الأبواب ومنحوهم النفوذ والصور والعلاقات. فحين يصبح الوصول إلى بعض السياسيين والأمنيين والإداريين أسهل لمغامر يحمل وهماً استخباراتياً أو صفة مزيفة، من وصول المواطن المقهور الباحث عن حقه، فاعلم أن المؤسسات بدأت تفقد مناعتها وهيبتها معاً.
لقد انشغل كثيرون من أصحاب السلطة والمسؤولية في لبنان بصناعة شبكات النفوذ الشخصية، وبنسج علاقات خارجية وهمية، وبمطاردة الأدوار والاستعراضات والأموال والهدايا، حتى أصبحت مؤسسات الدولة نفسها عرضة للاختراق والسخرية والانكشاف. فلا السياسة بقيت سياسة، ولا الأمن بقي أمناً، ولا الدولة بقيت دولة.
الدول لا تنهار دفعة واحدة، بل تسقط تدريجياً عندما يُقدَّم المزيّفون على أصحاب الكفاءة، وعندما تتحول المواقع الحساسة إلى مسارح للنفوذ الشخصي والوهم الأمني والسياسي والإداري.
لبنان لا يسقط فقط بفعل الأعداء، ولا بفعل الإعتداء الخارجي، بل يسقط حين يُدار بعقلية الزواريب، وتُسلَّم مؤسساته لمن لا يشبهون الدولة ولا يفهمون معنى المسؤولية. والأخطر أن يكون هذا السقوط مقصودا"...