09/03/2026
التمديد النيابي بين منطق الضرورة ومقتضيات الشرعية الدستورية
يعود النقاش حول مسألة تمديد ولاية المجلس النيابي إلى الواجهة مع القرار الأخير القاضي بتأجيل الانتخابات النيابية المقررة في شهر أيار وتمديد ولاية المجلس لمدة سنتين إضافيتين. وهو قرار يثير بطبيعته إشكالية دستورية وسياسية جدية، لأن مبدأ دورية الانتخابات يشكل أحد الركائز الأساسية للنظام البرلماني الديموقراطي، ومن خلاله تتجدد الشرعية الشعبية التي يستمد منها المجلس النيابي سلطته في التشريع والرقابة.
فالأصل في النظام الدستوري أن يمارس المجلس النيابي صلاحياته ضمن ولاية محددة زمنياً، وأن يعود بصورة دورية إلى الهيئة الناخبة لتجديد الثقة أو سحبها. وهذه القاعدة ليست مسألة إجرائية فحسب، بل هي تعبير مباشر عن مبدأ سيادة الشعب الذي يشكل المصدر الأساسي للسلطات وفق أحكام الدستور. وبالتالي فإن أي مساس بدورية الانتخابات يقتضي تبريراً استثنائياً دقيقاً ومقيداً بشروط الضرورة القصوى.
ولا خلاف في أن الظروف الاستثنائية قد تفرض أحياناً اتخاذ تدابير غير اعتيادية، ومنها تأجيل الاستحقاقات الانتخابية لفترة محدودة. غير أن الفقه الدستوري والاجتهاد المقارن يجمعان على أن مبدأ الضرورة يجب أن يفسَّر تفسيراً ضيقاً، وأن يبقى محصوراً بالمدة التي تقتضيها معالجة الظرف الطارئ، مع احترام قاعدة التناسب بين الإجراء المتخذ وطبيعة الخطر أو الحالة الاستثنائية. كما يشترط الفقه أن يكون الظرف الاستثنائي حقيقياً وجسيماً، وأن يكون التدبير مؤقتاً ومحدوداً بقدر الضرورة، على أن يبقى الهدف النهائي دائماً هو العودة إلى القاعدة الدستورية.
ومن هذا المنطلق، يطرح التمديد لمدة سنتين تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع هذه المبادئ، إذ يصعب اعتباره تدبيراً تقنياً أو مؤقتاً بالمعنى الدستوري الدقيق. فالمجلس الذي يمدد لنفسه هو الجهة التي تصدر القانون وفي الوقت نفسه المستفيد منه، الأمر الذي يضعه في موقع حساس من الناحية الدستورية، وقد يُفسَّر على أنه توسّع في استعمال مفهوم الضرورة يتجاوز حدوده الطبيعية ويقترب من فكرة وضع اليد على السلطة مؤقتاً بعيداً عن التفويض الشعبي.
إن خطورة هذا التوجه لا تقتصر على الظرف السياسي الآني، بل تكمن أيضاً في ما قد يخلقه من سابقة دستورية تمسّ بالتوازن الدقيق الذي يقوم عليه النظام الديموقراطي. فالمجلس النيابي، بوصفه المؤسسة التي تضطلع بوظيفة التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية، يفترض أن يستمد شرعيته بصورة متجددة من الشعب. وأي إطالة غير مبررة لولايته قد تضعف هذا الرابط الجوهري بين الناخبين وممثليهم.
كما أن الاستناد إلى احتمالات مستقبلية أو اعتبارات افتراضية لتبرير تمديد طويل الأمد يثير بدوره إشكاليات قانونية، لأن التدابير الاستثنائية بطبيعتها يجب أن تقوم على وقائع قائمة وضرورات واضحة، لا على تقديرات مفتوحة قد تطول إلى أجل غير محدد. فالقاعدة الدستورية تفرض أن يكون الاستثناء محدوداً ومؤقتاً، لا أن يتحول إلى قاعدة تُعطَّل بموجبها الآليات الديموقراطية.
ومن هنا، فإن مقاربة أكثر انسجاماً مع روح الدستور كانت تقتضي، في حال تعذر إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، اللجوء إلى تأجيل تقني ومحدود يهدف حصراً إلى تجاوز العقبات العملية أو الأمنية، ريثما تتوافر الظروف الملائمة لإجرائه في أقرب وقت ممكن.
إن احترام الاستحقاقات الدستورية لا يقتصر على الالتزام الشكلي بالمواعيد، بل يتصل بجوهر الحياة الديموقراطية التي تقوم على الاحتكام الدوري إلى الشعب. لذلك فإن أي قرار يمسّ بهذه القاعدة يجب أن يبقى في أضيق الحدود الممكنة، حفاظاً على مبدأ تداول السلطة وصوناً لحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم عبر صناديق الاقتراع. فالديمقراطية لا تقاس فقط باستمرار المؤسسات، بل بمدى احترامها للشرعية الدستورية التي تبدأ من الشعب وتنتهي إليه.