01/10/2026
منقول بتصرف...
مركز تكلفة أم شريك استراتيجي
تتكرر في بيئات العمل شكوى مألوفة، التباطؤ في إبرام العقود، التعقيد غير الضروري في المفاوضات، وفي كثير من الأحيان، التأخر في الجداول الزمنية لإطلاق المخرجات. ويُنظر إلى المستشار القانوني باعتباره السبب المباشر في تعطيل الأعمال وخنق النمو، ومع ذلك لا يوجد مستشار قانوني يسعى بطبيعته إلى تعطيل الأعمال أو إبطاء نمو المؤسسة التي يعمل فيها. إلا أن هذا التصور أدى، على مدى سنوات، إلى التعامل مع المستشار القانوني باعتباره مركز تكلفة أي جهة تستهلك موارد مالية وتشغيلية من دون أن تحقق عائدًا مباشرًا وواضحًا على القوائم المالية.
لكن أين تكمن المشكلة فعلًا؟ في كثير من الحالات، لا ترتبط المشكلة بكفاءة المحامي أو بطريقة تفكيره، بل بتوقيت إشراكه في عملية اتخاذ القرار. فعندما يُطلب من المستشار القانوني مراجعة قرار بعد اتخاذه أو البدء في تنفيذه، تكون خياراته محدودة للغاية، إما أن يوافق على قرار ينطوي على مخاطر قانونية قد تظهر آثارها لاحقًا، أو يعترض عليه ويطلب تعديله أو إيقافه. وفي الحالتين، قد يبدو أمام الإدارات التنفيذية وكأنه يعرقل النمو، رغم أن تدخله المتأخر هو ما ضيّق مساحة الحلول المتاحة. إذ إن إشراك المستشار القانوني في المراحل النهائية لا يمنحه فرصة حقيقية لتقديم حلول مبتكرة. بل يحوله إلى خط دفاع أخير يحاول تقليل الأضرار بعد اتخاذ القرار، بدلًا من أن يكون جزءًا من صياغته منذ البداية.
الحل الأمثل... إعادة تعريف الدور والانتقال إلى الشراكة الاستراتيجية، ولتجاوز هذه الفجوة، تحتاج المؤسسات إلى إعادة النظر في دور الإدارة القانونية؛ فبدلًا من أن يقتصر دورها على الموافقة أو الرفض، ينبغي أن تكون شريكًا استراتيجيًا يشارك في تشكيل القرار منذ المراحل الأولى، بدءًا من مناقشة الفكرة وتقييم الخيارات المتاحة. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال التقليدي، هل هذا القرار قانوني أم لا؟ بل الأهم أن يكون السؤال، كيف يمكن تنفيذ هذا القرار بطريقة قانونية وآمنة، تحقق أهداف المؤسسة وتحد من المخاطر؟
وعليه يتطلب هذا التحول العمل على محورين رئيسيين، سد الفجوة بين الإدارة القانونية والإدارة التنفيذية، وذلك من خلال فهم أهداف المؤسسة من قبل المستشار القانوني، وعدم الاكتفاء بقراءة النصوص القانونية بمعزل عن سياق الأعمال. وتعزيز حضور المستشار القانوني في دوائر صنع القرار؛ عبر إشراكه مبكرًا في الاجتماعات الاستراتيجية ومناقشات مجلس الإدارة، ليصبح دوره أوسع من مراجعة العقود والنصوص، ويتحول إلى شريك يساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات أفضل وأكثر أمانًا.
ولترسيخ هذا التحول، تقوم الإدارات القانونية الحديثة على أربعة أركان رئيسية، دعم الأعمال (Supporting Business)، وذلك من خلال تصميم حلول قانونية مرنة تدعم الابتكار، وتسرّع التعاقد والتوسع، مع الحفاظ على مستوى مناسب من الامتثال والحماية. والحوكمة والحماية المؤسسية (Corporate Governance & Protection)، وإدارة المخاطر القانونية والتشغيلية بصورة استباقية، والعمل على منع النزاعات قبل وقوعها بدلًا من التعامل معها بعد تفاقمها. والفاعلية القانونية (Legal Effectiveness) بتقديم استشارات وحلول قانونية عملية وعالية الجودة، تتوافق مع الأنظمة واللوائح من جهة، وتنسجم مع توجهات المؤسسة وأهدافها من جهة أخرى. والكفاءة التشغيلية (Operational Efficiency) وتحسين استخدام الموارد، وأتمتة العقود والإجراءات المتكررة، وتقليل الوقت اللازم لتقديم الدعم القانوني، بما يتيح للفريق التركيز على المسائل الأكثر أهمية وتأثيرًا.
ختامًا... إن تحويل الإدارة القانونية من جهة رقابية تُصنَّف مركز تكلفة إلى شريك استراتيجي يدعم الأعمال، ليس مجرد تغيير في الهيكل أو المسمى الوظيفي، بل هو توجه استثماري يعزز الكفاءة التشغيلية ويدعم استدامة المؤسسة. فعندما يُشرك المستشار القانوني في صياغة القرار، لا يُستدعى لمراجعته فقط، تصبح الحماية القانونية جزءًا من عملية النمو، لا عائقًا أمامها. وبذلك تتحول الإدارة القانونية من وظيفة تتدخل بعد فوات الأوان إلى شريك يساعد المؤسسة على التحرك بثقة، واغتنام الفرص، وإدارة المخاطر بوعي.