06/08/2026
لماذا يفشل بعض المصلحين... رغم أن كلامهم صحيح؟
بقلم: د. أمجد محمد الفرخ
محامٍ شرعي ومستشار أسري
خرجتُ من إحدى جلسات الإصلاح، وأنا أراجع في ذهني كل ما قيل فيها.
لم أجد حكمًا شرعيًا أُسيء عرضه.
ولم أجد نصيحةً تخالف العقل.
ولم أجد توجيهًا يمكن الاعتراض عليه.
بل لو سألني أحدهم عن الجلسة لقلت: لقد قيل فيها كل شيء... إلا الشيء الذي كان يحتاجه الطرفان.
حينها أدركت أن الإصلاح لا يفشل دائمًا بسبب خطأ في الأحكام...
بل قد يفشل لأننا أخطأنا في فهم الإنسان.
كثير من المصلحين يبدأون من السؤال الذي يسمعونه.
أما المصلح العميق، فيبدأ من السؤال الذي لم يستطع صاحبه أن يقوله.
فالزوج الذي يرفع صوته، قد لا يكون سؤاله الحقيقي: من المخطئ؟
بل: لماذا لم يعد أحد يراني؟
والزوجة التي تكرر الشكوى، قد لا تكون معركتها مع الحكم...
بل مع الشعور بأنها فقدت مكانتها، وأمانها، وصورتها عن نفسها.
ولو تأملنا أكثر، لوجدنا أن أغلب الخصومات الأسرية لا تبدأ عند اختلاف الآراء...
بل تبدأ عندما يعجز كل طرف عن قراءة العالم الداخلي للطرف الآخر.
وهنا تكمن المفارقة.
فقد يكون الحكم الذي يقوله المصلح صحيحًا...
لكن توقيته غير صحيح.
وقد تكون النصيحة صادقة...
لكنها قيلت قبل أن يجد الألم من يصغي إليه.
إن النفس البشرية لا ترفض الحق في الغالب...
ولكنها تعجز عن احتضانه وهي مثقلة بالخذلان.
ولهذا فإن من الخطأ أن نتصور أن وظيفة المصلح تنتهي عند بيان الحكم.
بل تبدأ بعد بيان الحكم.
لأن البيان يُقيم الحجة...
أما الإصلاح، فيُعيد بناء الجسور التي هدمها النزاع.
لقد أصبحت أؤمن أن بين العدالة الإجرائية والعدالة الوجدانية مسافةً يغفل عنها كثيرون.
فالعدالة الإجرائية تُعطي كل ذي حق حقه.
أما العدالة الوجدانية، فتجعل كل إنسان يشعر أن كرامته، وألمه، وإنسانيته، كانت حاضرة أثناء البحث عن ذلك الحق.
ومن هنا يبدأ ما أسميه التسامي الأسري.
ليس أن يتنازل أحد عن حقه.
ولا أن يُطلب من المظلوم أن ينسى ألمه.
بل أن ترتقي الأسرة جميعًا فوق رغبة الانتصار، إلى إرادة الإصلاح.
وأن ينتقل الحوار من سؤال: "من ربح القضية؟"
إلى سؤال أعمق:
"كيف نحمي ما بقي من إنسانيتنا، ونحن نختلف؟"
إن المصلح الحقيقي لا يكتفي بسماع الكلمات...
بل ينصت إلى ما تخفيه الكلمات.
ولا يكتفي بحسم النزاع...
بل يبحث عن الجرح الذي يُعيد إنتاج النزاع مرةً بعد أخرى.
ولذلك، فإن نجاح جلسة الإصلاح لا يُقاس فقط باتفاقٍ وُقِّع، أو دعوى أُغلقت.
بل يُقاس بقدرة الطرفين على مغادرة المجلس وهما أكثر فهمًا لأنفسهما، وأكثر قدرةً على فهم بعضهما.
فكم من نزاع انتهى على الورق...
وبقي مشتعلًا في الصدور.
وكم من كلمة رحيمة، صادقة، وُضعت في موضعها، كانت بداية حياةٍ جديدة.
لهذا لا أخشى على الإصلاح من قلة النصوص...
فالنصوص محفوظة.
ولا من قلة الأحكام...
فالأحكام معلومة.
إنما أخشى عليه حين يغيب الإنسان عن المشهد.
فإذا حضر الإنسان، استقرت الأحكام في مواضعها.
وإذا غاب...
بقيت الأحكام صحيحة، وبقي الإصلاح مؤجلًا.