27/02/2026
مقدمة
يُعد موضوع سن الحضانة من المسائل الفقهية المهمة في باب الأحوال الشخصية، ويثور التساؤل عند طرح أي تعديل تشريعي: هل يجوز خفض مدة الحضانة للصغار؟
للإجابة العلمية المنضبطة، لا بد من الرجوع إلى أقوال المذاهب الأربعة: الحنفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي، مع توثيقها من مصادرها المعتمدة كما ورد في الورقة العلمية.
أولًا: الأساس الفقهي للحضانة
الحضانة هي حفظ الصغير ورعايته والقيام بمصالحه حتى يستغني عن خدمة النساء، أو يبلغ حدًّا تؤهله للاعتماد على نفسه. وقد بنى الفقهاء تقديرهم لمدة الحضانة على معيار مصلحة المحضون، لا على مدة واحدة ملزمة في جميع الأحوال.
ثانيًا: مدة الحضانة في المذاهب الأربعة
1. المذهب الحنفي
يرى الحنفية أن:
حضانة الغلام تكون حتى سبع سنوات تقريبًا.
حضانة الأنثى تمتد إلى البلوغ.
وقد جاء ذلك في كتبهم المعتمدة، ومنها:
الكاساني، بدائع الصنائع، ج4، ص42.
ويظهر من تقريرهم أن التقدير مرتبط بقدرة الطفل على الاستغناء عن خدمة النساء وتحقيق مصلحته.
2. المذهب المالكي
يرى المالكية أن:
حضانة الغلام تستمر حتى البلوغ.
حضانة الأنثى حتى تتزوج ويدخل بها زوجها.
ومن مصادر ذلك:
الدسوقي، حاشية الدسوقي ، ج2، ص526.
وقد علل المالكية ذلك بكون الأم أرفق بالصغير وأقدر على رعايته ما لم يوجد مانع.
3. المذهب الشافعي
يرى الشافعية أن الطفل إذا بلغ سن التمييز يُخيَّر بين أبويه، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
ومن مصادرهم في ذلك: * الشربيني، مغني المحتاج، ج3، ص260–261.
ويُبنى هذا القول على اعتبار قدرة الطفل المميز على اختيار الأصلح له.
4. المذهب الحنبلي
يرى الحنابلة أن مدة الحضانة تكون سبع سنوات للذكر والأنثى معًا، فإذا بلغ الطفل سبع سنوات خُيِّر بين أبويه، فيكون عند من يختاره منهما.
ومن مصادر ذلك: * البهوتي، كشاف القناع، ج5، ص501.
ويُفهم من تقرير المذهب أن العبرة بعد السابعة ليست لمجرد الانتقال الإلزامي إلى أحد الأبوين، وإنما لإعمال مبدأ التخيير تحقيقًا لمصلحة الطفل، مع بقاء نظر القاضي في تقدير الأصلح له عند الحاجة.
ثالثًا: هل يجوز خفض سن الحضانة ؟
من خلال استقراء أقوال المذاهب الأربعة يتبين:
لا يوجد نص قطعي يحدد سنًّا واحدًا للحضانة لجميع الحالات.
تقدير المدة عند الفقهاء كان مبنيًا على:
العرف،
المصلحة،
واقع البيئة الاجتماعية.
النتيجة الفقهية
مدة الحضانة مسألة اجتهادية تقديرية، تختلف باختلاف الزمان والمكان، ما دام الأصل هو تحقيق مصلحة المحضون.
وعليه، فإن خفض سن الحضانة ممكن من حيث الأصل إذا:
لم يخالف أصلًا شرعيًا ثابتًا،
استند إلى اجتهاد معتبر،
وراعى مصلحة الطفل قبل أي اعتبار آخر.
خاتمة
يتضح من خلال المصادر المعتمدة في المذاهب الأربعة أن تحديد سن الحضانة لم يكن واحدًا عند الفقهاء، بل اختلف باختلاف نظرهم في تحقيق مصلحة الصغير.
وعليه، فإن أي مقترح لتعديل أو خفض سن الحضانة ينبغي أن يُبنى على دراسة علمية وفقهية رصينة، تستحضر اجتهادات المذاهب، وتوازن بين مصلحة المحضون وحقوق الأبوين، بما يحقق الاستقرار الأسري ويخدم المصلحة العامة.