06/08/2026
مقال حول قانون الملكية العقارية و تعديلاته بخصوص عملية الاستملاك
• هل أصبح الاستملاك عملا من اعمال السيادة التي بطبيعتها محصنة من رقابة القضاء ؟
• هل الاستملاك من اجل إنشاء أو تعديل أو استكمال السكك الحديدية قرارا يؤثر على كيان الدولة و سيادتها العليا المرتبطة بالحكم ؟
• لماذا لا تخضع واقعة اضفاء طابع النفع العام على العملية الاستملاكية للرقابة القضائية ؟
• و اذا كان كذلك هل تقتصر رقابة القضاء على مجرد البحث بمدى المشروعية الشكلية لمراحل اصدار قرار الاستملاك و الذي بدوره يعود على المراكز القانونية بالتأثير ام يمتد ذلك الى التحقق من سلامة العملية الاستملاكية نفسها؟
• و ان التحقق من العملية الاستملاكية نفسها هل ينحصر في فحص قرار الاستملاك من الاخطاء القصدية بأن تكون الغاية من هذا القرار تنطوي على مصالح شخصية او يشوبها انحرافا في السلطة أم تمتد هذه الرقابة الى البحث في مدى الموازنة ما بين الاضرار الاجتماعية و المالية التي ستنجم عن الاستملاك من جهة و المنفعة (الضرورة) العامة كغاية مرجوة من الاستملاك من جهة أخرى بأيهما تنال و تفوق الثانية ؟
• و بما أن عملية الاستملاك بوجه عام يجب أن يكون غرضها دائما هو تحقيق النفع العام و المتمثل بإنشاء أو تنظيم مرفق عام لإشباع حاجة عامة لدى المواطنين أو تحقيقا لمتطلبات عناصر النظام العام و هي الأمن و الصحة و السكينة و حماية البيئة و الأداب العامة - ما هي الحاجة العامة التي تمس أحدى عناصر النظام العام من انشاء السكك الحديدية ؟
• هل تقتصر عملية انشاء السكك الحديدية على توفير وسائل النقل للمواطنين كمرفق عام لأنه لا يوجد بديل لها في ذلك و بالتالي نحن بحاجة ماسه اليها ، أم أن هذا مجرد تطوير و تحسين للمظهر الحضري و الجمالي للطرق و مع تحديد الشريحة التي ستكون مخدومة من هذه المشاريع ؟
• هل عملية انشاء السكك الحديدية هي بالأصل بطبيعتها مرفقا عاما أم مجرد وسيلة لتسييره ؟
تنص المادة 11 من الدستور الأردني على ما يلي : لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون."
و على مدار التطور التشريعي الملحوظ في تنظيم العملية الاستملاكية فقد صدر قانون الاستملاك رقم 2 لسنة 1953 و الذي نص على تعريفيين جوهريين و هما :-
1. المشروع :- كل مشروع يقرر مجلس الوزراء بموافقة الملك انه مشروع للمنفعة العامة.
2. المنشئ (المستملك) :- الحكومة ، واي مجلس بلدي او محلي او سلطة اخرى محلية ، واية شركة او جمعية او هيئة واي شخص يقوم بمشروع او هو على وشك القيام به ، كما تشمل الحكومة عندما تقوم مقام احد المنشئين المذكورين.
ثم صدر قانون الاستملاك المؤقت لسنة 1976 و الذي نص في مادته الثانية على أن المشروع الذي يقرر من مجلس الوزراء بأنه مشروعا للنفع العام لم يعد بحاجة الى موافقة جلالة الملك .
لا سيما تحصين قرار مجلس الوزراء بالاستملاك من أي طعن و هذا ما ورد في المادة السابعة من ذات القانون و التي نصت :-
لمجلس الوزراء إذا اقتنع بمقدرة المستملك وأن تنفيذ المشروع يحقق نفعا عاما أن يقرر استملاك العقار المطلوب ويعتبر القرار الصادر بينة قاطعة على تحقيق النفع العام ولا يخضع لأي طريق من طرق الطعن وينشر القرار في الجريدة الرسمية).
ثم تعاقبت التشريعات ما بعد ذلك مرورا بقانون الاستملاك رقم 6 لسنة 1980 و قانون الاستملاك رقم 2 لسنة 1987 وتعديلاته وصولا الى قانون الملكية العقارية رقم 13 سنة 2019 و التعديل الذي نناقشه حديثا لعام 2026 حتى اختفت كلمة المشروع من التعريفات كمعيار جوهري كان يستند اليه في تحديد الغرض على وجه الدقة من العملية الاستملاكية بمعرفة مجلس الورزاء و الذي كان يشترط فيه موافقة جلالة الملك ثم أصبح تابعا لسلطة مجلس الوزراء المطلقة دون حاجة اقترانه بموافقة جلالة الملك اذا ما حمله الاعتقاد (اي مجلس الوزراء) بأن طلب استملاك احدى الأراضي المملوكة لأي شخص طبيعي او اعتباري من شأنه أن يحقق نفعا عاما مع التنويه على أن مجرد نشر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على الاستملاك في الجريدة الرسمية يعتبر بينة قاطعة على أن المشروع الذي يراد استملاك العقار من اجله مشروع للنفع العام و هذا ما قضت به المادة 183 من قانون الملكية العقارية
الجدير بالمعرفة بأن قرار الاستملاك ليس من الاعمال السيادية إنما هو قرار اداري نهائي تجتمع فيه الأركان اللازمة لصدوره ويمر بمجموعة من الإجراءات و المراحل التحضيرية ليحدث أثرا قانونيا خاصا بالنتيجة يمس أصحاب الحقوق المعنيين (مالكي العقارات) و الذي بطبيعته من حيث كيفية صدوره و حسبما جاء في المادة السابعة من قانون القضاء الاداري يخضع للطعن أمام المحكمة الأدارية و لو كان محصنا بالقانون الصادر بمقتضاه .
و عليه فإن مجرد النص على أن نشر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على قرار الاستملاك في الجريدة الرسمية يعتبر بينة قاطعة على أن المشروع المستملك من أجله يحقق نفعا عاما لا يقصي القضاء و لا يعني تحصين القرار ضد الطعن القضائي وإنما تعني أن القرار استنفد كل مراحل إصداره وأصبح من تاريخ إصداره جزءا من التنظيم القانوني وأنتج آثاره في عالم القانون الأمر الذي يجعل للمحكمة الادارية اختصاص النظر في مدى تحقق النفع العام في عملية الاستملاك وفحص تقدير الإدارة ومجلس الوزراء، للنفع العام الذي يحققه المشروع، وموازنة منافعه مع جميع التكاليف والأضرار التي تنطوي عليها العملية الاستملاكية و أن لا يقتصر ذلك على مجرد البحث بمدى تحقق المشروعية الشكلية للقرار بأنه مر بإجراءات و مراحل تحضيرية سليمة بل أن يمتد ذلك الى التحقق من سلامة العملية الاستملاكية نفسها وذلك على صعيد خلوها من الاخطاء القصدية أو من أي ضرب من ضروب انحراف السلطة و المصالح الشخصية و على صعيد البحث في مدى الموازنة ما بين الاضرار الاجتماعية و المالية التي ستنجم عن الاستملاك من جهة و المنفعة (الضرورة) العامة كغاية مرجوة من الاستملاك من جهة أخرى بأيهما تنال و تفوق الثانية .
سيرا على هدي العديد من الدول و منها فرنسا و مصر .
و كذلك بالنسبة لوضع قيد على تقدير التعويض اللازم عن الاستملاك بأن وضع قيد تشريعي على مبلغ التعويض بأن لا يتجاوز (10%) من التقدير الإداري (المقدر من قبل الادارة نفسها التي استملكت) : حيث أن المشرع الدستوري عندما نص في المادة الحادية عشرة من الدستور الأردني "على أنه لا يستملك ملك أحد الا لمنفعة عامة و بمقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون" - قد اعطى في ذلك القانون صلاحية تحديد الاشخاص و الجهات و الاجراءات و القنوات القانونية التي تدور بها العملية الاستملاكية نفسها دون أن يطال ذلك الى اعطاء القانون رخصة مباشرة في تقييد التعويض أو حصره في نسبة معينة ، فالقانون على الرغم من انه يملي علينا المعايير الفنية الواجب اتباعها في تقدير التعويضات بوجه عام و كذلك هو مكنة مراقبة للتحقق من مدى الاخذ فيها الا أنه لم يسبق له التدخل في تفاصيلها و عناصرها .
و بالنتيجة من المسلم به و الثابت دون أدنى شك بأن عناصر النظام العام هي الأولى بالأخذ و الرعاية من مجرد تطوير و تحسين للمظهر الحضري و الجمالي للطرق حيث أن للمساكن و الزراعة و العمل و النشاطات التجارية و حق الملكية بوجه عام حرمة مصونة من أي اعتداء و ذلك على نحو جميع الدساتير و العهود و المواثيق الدولية و أن الاعتداء عليها وفقا للشكل و القناة التي رسمها القانون فلا بد من حيث الأصل بأن ثمت هنالك ضرورة عامة ملحّة لذلك تخضع في تقديرها و موازنتها للسلطة القضائية المختصة .
و على غرار ما سبق ذكره فإن مجلس الوزراء لا يملك وحده ممارسة سلطته المطلقة بإصدار قرار استملاك محصن على شكل عمل سيادي من حيث المبدأ ذلك أن الأعمال السيادية من اختصاص جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه حصرا و هي الوحيدة التي لا تخضع لرقابة القضاء فمن هو مجلس الوزراء ؟
المحامي مجد الدين كركتلي
#الأردن #المزارع #الأغوار