17/09/2026
الحكومة والتحكيم
الكساسبة يتساءل هل المشكلة في التحكيم أم في إدارة العقود؟
أوضح الدكتور عصام الكساسبة الحقوقي والمحكم والخبير في قضايا التحكيم وعقود المقاولات أن التوجه نحو تقييد اللجوء إلى التحكيم في بعض منازعات عقود المقاولات الحكومية يثير مجموعة من التساؤلات القانونية والمهنية التي تستحق الدراسة والنقاش
وبين الكساسبة أن المسألة لا تتعلق بالمفاضلة بين التحكيم والقضاء الأردني فالقضاء هو صاحب الولاية العامة ويحظى بكامل الاحترام والثقة وإنما تتعلق بخصوصية منازعات المقاولات التي تجمع في كثير من الأحيان بين الجوانب القانونية والهندسية وإدارة المشاريع والمطالبات المالية والزمنية
وأشار إلى أن تقارير ديوان المحاسبة تناولت قضايا التحكيم الحكومية وسجلت ملاحظات مرتبطة بإدارة بعض هذه القضايا والكلف واختيار المحكمين وتضارب المصالح كما تناولت مبالغ حكم بها ضد جهات حكومية والأخطاء في ادارة العقد وعدم تقيد بشروط العقود والتفرد من قبل صاحب العمل
وتساءل الكساسبة
لماذا خسرت الجهات الحكومية هذه القضايا؟
هل كان السبب في التحكيم نفسه؟
أم في إدارة العقود والمشاريع والقرارات الفنية والإدارية التي سبقت الوصول إلى التحكيم؟
وأوضح أن التحكيم لا ينشئ المطالبة من العدم والمحكم لا يدير المشروع ولا يصدر الأوامر التغييرية ولا يتخذ القرارات المتعلقة بتمديد المدد أو الدفعات أو إدارة التنفيذ وبالتالي فإن نقل النزاع من التحكيم إلى القضاء لا يلغي بالضرورة الأسباب التي أدت إلى نشوء النزاع
وأكد الكساسبة أن السؤال المهني الذي ينبغي الإجابة عنه قبل تقييد التحكيم هو ما إذا كانت الجهات المعنية قد أجرت تحليلا شاملا للأحكام التحكيمية السابقة لمعرفة الأسباب الحقيقية والمتكررة لخسارة القضايا وتحديد ما إذا كان الخلل في وسيلة فض النزاع أم في المراحل التي سبقتها
وأضاف أن المشكلة إذا كانت في اختيار المحكمين فإن الحل يكون بوضع معايير أكثر شفافية وكفاءة واستقلالا وإذا كانت في ارتفاع الكلف فيمكن تنظيمها وإذا كانت في إدارة المطالبات والعقود فإن الإصلاح يجب أن يبدأ من إدارة المشروع والعقد وليس من تغيير جهة الفصل في النزاع
وقال إن استبدال التحكيم بالقضاء دون معالجة الأسباب التي أدت إلى النزاعات لا يعني بالضرورة حماية المال العام
ولفت الكساسبة إلى ما وصفه بمفارقة تستحق الدراسة تتمثل في أن الحكومة ووزارة العدل تتجهان نحو تطوير التحكيم المؤسسي وإنشاء مركز دولي متخصص للتحكيم في إطار تعزيز البيئة القانونية والاستثمارية في الأردن في الوقت الذي يثار فيه الحديث عن تضييق نطاق التحكيم في بعض العقود الحكومية
وتساءل
كيف نقدم التحكيم المؤسسي للمستثمر باعتباره إحدى أدوات البيئة الاستثمارية الحديثة ثم نضيقه عندما تكون جهة حكومية طرفا في بعض العقود؟
وأشار الكساسبة إلى أن القضية تتجاوز اختيار التحكيم أو القضاء إلى مسألة أكثر أهمية وهي المسؤولية والمساءلة عن إدارة العقد
فعندما تخسر جهة حكومية قضية تحكيم بمبالغ كبيرة فمن الطبيعي أن تسأل الجهات الرقابية عن أسباب النزاع وطريقة إدارة العقد والقرارات الفنية والإدارية التي سبقته وطريقة الدفاع واختيار المحكمين
أما انتقال النزاع إلى القضاء وصدور حكم قضائي قطعي فلا ينبغي أن يؤدي إلى إغلاق ملف المسؤولية الإدارية والفنية لأن احترام أحكام القضاء وحجيتها أمر لا خلاف عليه بينما مساءلة الإدارة عن القرارات التي أدت إلى تحميل المال العام مبالغ مالية مسألة أخرى مستقلة
وأكد أن الحكم سواء صدر عن القضاء أو عن هيئة تحكيم يحسم النزاع القانوني لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الإداري والرقابي المتعلق بكيفية نشوء النزاع وإمكانية تفاديه
وقال الكساسبة إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يكون أمام وزارة الأشغال والحكومة والجهات الرقابية ليس
كيف نقلل قضايا التحكيم بل
كيف نقلل الأخطاء والمطالبات والنزاعات التي تصل أساسا إلى التحكيم أو القضاء؟
وختم الكساسبة بالقول
المال العام لا يفرق بين دينار يدفع تنفيذا لحكم تحكيمي ودينار يدفع تنفيذا لحكم قضائي
والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الجهة التي تفصل في النزاع بل يبدأ من جودة العقد وكفاءة إدارة المشروع وسلامة القرار الفني والقانوني والمساءلة عن الأخطاء
ليبقى السؤال
هل نريد معالجة أسباب خسارة قضايا التحكيم أم نريد فقط تغيير الجهة التي ستخبرنا بأننا خسرناه؟
المحكمين الاردنيين ديوان المحاسبة الاردني