26/04/2026
إن الأب أخذ أطفاله من منزل والدتهم في الرصيفة متوجهاً بهم نحو المزار في الكرك، وفي الطريق الطويل هناك سؤال لا يكاد يهدأ: كيف مرّ هذا المشهد على قلبه دون أن يتراجع؟ كيف لم تتحرك داخله ذرة رحمة وهو يرى أمامه وجوهاً صغيرة لا تعرف من الدنيا إلا الأمان معه؟
ألم يطرق ذاكرته للحظة أنهم كانوا يوماً فرحته الأولى، وأن أصابعهم الصغيرة كانت تتشبث به بثقة كاملة؟ ألم تمر أمامه صورهم وهم يضحكون، يركضون نحوه، ينادونه بأبسط الكلمات وأصدقها؟ كيف غابت كل تلك التفاصيل التي لا تُنسى عن لحظة قرار لا يُحتمل؟
ماذا عن صباحاتهم البريئة، ضحكات العيد، ملابسهم الجديدة، وأسئلتهم البسيطة التي كانت تملأ البيت حياة؟ ماذا عن أول يوم مدرسة، وعيونهم التي كانت تبحث عنه بين الناس كأنه الأمان الوحيد في العالم؟
وحين وقعت الفاجعة… أي صمت هذا الذي خيّم على المشهد؟ أي قسوة تلك التي أغلقت أبواب الرحمة في لحظة؟ كيف يمكن ليد أن تمتد على من كانوا يوماً امتداد القلب نفسه؟
وتبقى الصور أقسى من أن تُروى: أطفال وثقوا، ابتسموا، وربما نادوا آخر نداءاتهم بصوت يرتجف من الخوف أو الذهول… بينما كان العالم كله ينهار في لحظة لا تُغتفر.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء، ثقيلاً لا يجد جواباً: كيف يصل الإنسان إلى مكان تنطفئ فيه كل ملامح الرحمة؟ وكيف تُدفن كل الذكريات تحت لحظة غضب أو ظلام؟
لا يبقى إلا الألم والدعاء… أن يرحم الله تلك الأرواح البريئة، وأن يربط على قلب أمٍ فقدت كل شيء دفعة واحدة، وأن يحفظ الإنسانية من كل ما يشبه هذا السقوط القاسي.