27/11/2025
#المزاح #الإلكتروني بين #التجريم #والاباحة : دراسة تحليلية مقارنة في #التشريعات #السورية و #العراقية.
بقلم الباحث: صلاح عبد الستار عُمري
يُشكل #العالم #الرقمي اليوم ساحةً مفتوحةً للتفاعل والتواصل الاجتماعي، حيث انتقلت أنماط السلوك البشري من الواقع المادي الملموس إلى الواقع الافتراضي، بما في ذلك سلوك " #المزاح" أو #الدعابة، وإذا كان المزاح في أصله سلوكاً اجتماعياً محموداً في بعض الاوقات يهدف به الافراد للترويح عن انفسهم، فإن انتقاله إلى الوسط الرقمي قد جرده من سياقه العاطفي المباشر، وحوله في كثير من الأحيان إلى أداة #للتشهير، أو #انتهاك #الخصوصية، تحت ذريعة "المزاح". ومن هنا، ينبري الباحث لاستجلاء موقف المشرّعين السوري والعراقي من هذا السلوك، لا سيما أن القوانين الجزائية لا تعتد عادةً بالبواعث (كقصد المزاح) بقدر اعتدادها بالقصد الجرمي والنتيجة الضارة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير عن الرأي والفكاهة وبين الجرائم الإلكترونية الماسة بالشرف والاعتبار والسلامة النفسية للأفراد.
عند النظر في التكييف القانوني للمزاح الإلكتروني، نجد أن التشريعات العربية عموماً، والسورية والعراقية خصوصاً، لم تفرِد نصاً عقابياً خاصاً بجريمة تسمى "المزاح الإلكتروني"، بل إن المعالجة التشريعية تأتي من خلال إخضاع هذا السلوك للنصوص العقابية العامة أو الخاصة بالجرائم المعلوماتية متى ما توافرت أركانها، ففي الجمهورية العربية السورية، يعد صدور القانون رقم (20) لعام 2022 الخاص بمكافحة الجرائم المعلوماتية، نقلة نوعية في ضبط الفضاء الرقمي، حيث يمكن تكييف "المزاح الإلكتروني" الذي يتضمن تركيب صور أو مقاطع فيديو ساخرة (Memes) أو نشر محادثات خاصة أو ستيكرات وما سواها من صور للمزاح الالكتروني التي تطور بين الثانية والأخرى، على أنه جريمة انتهاك لخصوصية الأفراد، فقد نص المشرع السوري بوضوح على تجريم نشر معلومات عن الحياة الخاصة حتى ولو كانت صحيحة، إذا تم ذلك دون رضا صاحبها، وهنا لا عبرة لنية "المزاح" لدى الفاعل، إذ يفترض القانون القصد الجرمي بمجرد العلم والإرادة في نشر المحتوى، كما أن المزاح الذي يتضمن عبارات قد يراها المرسل مضحكة، قد تقع تحت طائلة جرم الذم أو القدح الإلكتروني إذا ما تضمنت إسناد واقعة توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره، وهو ما أكدته الشروحات الفقهية التي تذهب إلى أن العلنية في البيئة الرقمية أشد خطراً وأوسع انتشاراً من الوسائل التقليدية (عمار عباس الحسيني، المسؤولية الجنائية عن الجرائم المعلوماتية، دار الرافدين للطباعة والنشر، بيروت، 2018، ص145).
وبالانتقال إلى المشرع العراقي، نجد أن الوضع يتسم بخصوصية معينة نظراً لغياب قانون اتحادي شامل ومقرّ لجرائم المعلوماتية حتى لحظة كتابة هذه السطور، مما يدفع القضاء العراقي إلى الركون لقانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 وتعديلاته لتكييف وقائع المزاح الإلكتروني الضار، فالمزاح الذي يتضمن "مقلباً" (Prank) يوحي بوجود خطر أو تهديد، يمكن تكييفه وفق المواد المتعلقة بالتهديد (المواد 430-432)، حيث يُعاقب كل من هدد آخر بارتكاب جناية ضد نفسه أو ماله، ولا يُلتفت هنا إلى دفع المتهم بأنه كان "يمزح"، لأن العبرة بما أحدثه الفعل من رعب في نفس المجني عليه، فضلاً عن ذلك، فإن المزاح الذي يتضمن نشر صور مفبركة أو تعليقات ساخرة جارحة، يندرج تحت أحكام القذف والسب المنصوص عليها في المواد (433) و(434) من قانون العقوبات، مع اعتبار الظرف المشدد المتعلق بالعلنية التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، وقد استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية في العراق على اعتبار النشر في "فيسبوك" وغيره من المنصات محققاً لشرط العلنية، مما يسبغ الحماية الجنائية للمتضررين من هذا النوع من المزاح الثقيل (طارق سرور، جرائم النشر عبر الإنترنت، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016، ص210).
ومن زاوية تحليلية أعمق، يرى الباحث أن الإشكالية الحقيقية تكمن في "الركن المعنوي" لهذه الجرائم في سياق المزاح، فكثير من مرتكبي هذه الأفعال -خاصة المراهقين- يفتقرون إلى "نية الإضرار" المباشرة، متذرعين بحس الدعابة، إلا أن الفقه الجنائي الحديث، وتماشياً مع خطورة الوسيلة التقنية، يميل إلى الاكتفاء بـ "القصد العام" (العلم والارادة) دون تطلب "قصد خاص" (نية الإضرار) في معظم جرائم النشر الإلكتروني، وهذا يعني أن مجرد قيام الشخص بصناعة محتوى ساخر ونشره مع علمه بأن هذا المحتوى قد يسيء للغير، يجعله تحت طائلة المسؤولية الجزائية، سواء في القانون السوري الجديد أو في التطبيقات القضائية العراقية، وهذا التشدد مبررٌ من وجهة نظرنا كباحثين، نظراً للضرر المعنوي والنفسي الجسيم الذي قد يلحق بالضحايا والذي قد يصل -كما أثبتنا في أبحاثنا السابقة حول الإدمان والتقنية- إلى حالات من الاكتئاب أو الانتحار، مما ينفي عن الفعل صفة المزاح ويصبغه بصبغة الإجرام (جميل عبد الباقي الصغير، أدلة الإثبات في الجرائم الإلكترونية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2012، ص98).
وختاماً لهذا التحليل، نخلص إلى أن التشريعات في كل من سوريا والعراق، وإن اختلفت في حداثة نصوصها، فإنها تتفق في الغاية المتمثلة في حماية الحق في الشرف والاعتبار والخصوصية من أي تعدٍ، حتى وإن تدثر هذا التعدي برداء "المزاح الإلكتروني"، فالمزاح يقف عندما تبدأ حقوق الآخرين، والمسؤولية الجزائية تنهض بمجرد تحقق النشر والعلنية والإساءة، بغض النظر عن الباعث الفكاهي، وعليه، نوصي بضرورة نشر الوعي القانوني بأن "المزاح" ليس سبباً للإباحة في الجرائم الإلكترونية، وأن الفضاء الرقمي ليس منطقة معفاة من العقاب، بل هو امتداد للواقع يخضع لذات القواعد الأخلاقية والقانونية الصارمة.
Lawyer-Salah Alomare