27/03/2026
السيادة ليست "وجهة نظر": قراءة هادئة في ضجيج "إعلان الحرب" المفتعل
بقلم: مصطفى فاضل مختص بالشؤون السياسية والقانونية الدولية في شركة أرض آشور للمحاماة
بين ليلة وضحاها، ضجت منصات الإعلام ودوائر التحليل السياسي بسيمفونية مكررة تزعم أن العراق "دخل الحرب" دفعاً لأجندات عرقية أو مذهبية، وصورت الأمر وكأن الدولة غامرت بمصيرها في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل. ولكن، بعيداً عن هذا الضجيج الذي يخلط السم بالعسل، هناك حقائق قانونية ودستورية صلبة تجعل من هذا الصراخ مجرد محاولة لذر الرماد في العيون.
الدولة لا "تغامر".. الدولة "ترد"
الحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها هي أن الحكومة العراقية لم تصدر قراراً بشن حرب هجومية عابرة للحدود بقرار سياسي متهور. ما حدث ويحدث هو ممارسة "حق الدفاع الشرعي" المكفول دولياً ودستورياً. فعندما تُستهدف مقار أمنية عراقية رسمية، وتُسفك دماء مقاتلين يأتمرون بأمر القائد العام للقوات المسلحة، فإن الرد هنا ليس خياراً سياسياً، بل هو واجب قانوني مقدس يقع على عاتق الدولة لحفظ هيبتها.
التخويل القانوني: الحشد والأجهزة الأمنية في خندق واحد
من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد فرق بين جندي في الجيش أو مقاتل في هيئة الحشد الشعبي حينما يتعلق الأمر بصد عدوان خارجي. فالحشد مؤسسة رسمية خاضعة للقانون العراقي، وإعطاؤها الحق في الرد على الاعتداءات الصهيونية والأمريكية ليس "منحة مذهبية"، بل هو تنفيذ لمقتضيات السيادة التي لا تتجزأ. إن محاولة تصوير هذا الرد على أنه استهداف لمكون بعينه هو "فخ طائفي" يراد منه إضعاف الجبهة الداخلية أمام المعتدي.
الفرق الجوهري: بين "إعلان الحرب" و"صد العدوان"
يجب أن نفهم كمواطنين ومتابعين الفرق القانوني الدقيق الذي يتجاهله الإعلام المضلل:
* إعلان الحرب: هو قرار هجومي يتطلب تصويتاً برلمانياً وفق المادة (61) من الدستور، وهو ما لم يحدث لأن العراق لا ينوي الاعتداء على أحد.
* الدفاع الشرعي: هو رد فعل فوري وتلقائي ضد أي عدوان صهيوني أو أجنبي يستهدف سيادتنا، وهذا الحق منحته المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لكل دولة تُنتهك حرمة أراضيها.
كفى تزييفاً للحقائق
إن ما تروّج له بعض الماكنات الإعلامية عن "غايات عرقية" هو محض افتراء؛ فالمسيّرات التي تنتهك سماء بغداد أو القصف الذي يطال مقارنا الأمنية لا يفرق بين مذهب وآخـر، بل يستهدف "العراق" ككيان وسيادة. لذا، فإن وقوف القوات الأمنية بجميع صنوفها لردع هذه الهجمات هو الموقف الوطني الوحيد الصحيح، وما دونه هو استسلام بعباءة "الحياد".
ختاماً، السيادة العراقية ليست ورقة للمساومة في البزارات السياسية، ومن حق الدولة وقواتها المسلحة أن تضرب بيد من قانون على كل من يظن أن سماءنا وأرضنا مستباحة.