05/08/2022
مقال قانوني| المحامي بارق عبدالحسين
حماية المشرع العراقي للشعائر الدينية، الشعائر الحسينيّة أنموذجاً.
إبتداءً لا بد من توضيح معنى الشعائر الدينية لغاً واصطلاحاً، ومن ثم توضيح معنى الشعائر الحسينيّة في المنظور الفقهي.
الشعائر لغاً: جمع (شعيرة)، والشعائر الدينية: مظاهر العبادة وتقاليدها وممارستها، وهي ما ندب الشرع إليه وأمر بالقيام به [١].
أما اصطلاحاً: المعالم للأعمال، و شعائر الله معالمه التي جعلها مواطن العبادة و كل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته، من موقف أو مسعى أو منحر، من شعرت به، أيّ علمت [٢].
وقد تُضاف هذه الكلمة إلى لفظ الجلالة "الله" فيقال شعائر الله، وقد تُضاف إلى غيرها كالدّين أو الإسلام أو المذهب، فيقال الشعائر الدّينيّة أو الإسلاميّة أو المذهبيّة، وقد تضاف إلى معنى دينيّ خاصّ أو شخصيّة دينيّة، فيقال: شعائر الحجّ مثلاً، أو الشعائر الحسينيّة [٣].
ومن الجدير بالذكر قد وردت عبارة "الشعائر" في القرآن الكريم بصورة صريحة وفي عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [٥].
فالشعائر- كما يتضح من معناها- مجموعة من الأمور التي تتمّ إقامتها من قبل جميع طبقات المجتمع وشرائح المجتمع الإسلاميّ، دون اختصاص بفئة دون فئة، أو مجموعة دون مجموعة، يراد منها التركيز على جانب الإعلام الدّينيّ، كنشر الدّين، أو معنى من معانيه، أو حكم من أحكامه، بهدف إعلاء الدّين وإقامة معالمه في النفوس والسلوك الاجتماعيّ [٦].
فالشعيرة الدّينيّة تحتوي على ركنين: ركن النشر والإعلام، وركن الإعلاء والاعتزاز وحفظ الهويّة الدّينيّة [٧].
إما الشعائر الحسينية، فيقول السيد منير الخباز [٨]: هو كل عمل يكون مظهراً للجزع على الحسين (ع) أو يكون مظهراً لمواساة أهل البيت (ع) في مظلوميتهم، أو يكون مظهراً لإحياء أمر آل محمد (ع)، أو يكون مظهراً لإعلاء ذكر الله عز وجل، فإن جميع هذه العناوين مما ورد الندب إليها في النصوص الشريفة حيث ورد في الرواية «كل البكاء والجزع مكروه ما خلا البكاء والجزع على الحسين»، وورد في رواية أخرى «فإنه فيه مأجور»، كما ورد في الزيارة «فنعم الأخ المواسي لأخيه» مما يدل على استحباب المواساة، كما ورد في الرواية عن الإمام الرضا (ع) «أحيوا أمرنا»، وورد في الآية المباركة ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ولكن صدق الشعيرة على جميع ما مضى متقوم بكونه عملاً جماهيرياً لا عملاً فردياً؛ فإن العمل الفردي الخاص ليس مصداقاً لعنوان الشعيرة وإن كان عملاً مستحباً في نفسه لكن صدق الشعيرة عليه متقوم بكونه عملاً عاماً لا عملاً خاصاً [٩].
أما بالنسبة لحماية المشرع العراقي للشعائر الدينية، بشكل عام، وللشعائر الحسينيّة بشكل خاص، فلعلها تتجلى بأبهى صورها في نص المادة (٤٣/ أولاً/ أ) من دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥، إذ تنص: "أتباع كل دين أو مذهب أحرار في ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينيّة".
ويعدّ الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥، الدستور الأول في العالم أجمع الذي نص على حرية ممارسة الشعائر الحسينيّة، على الرغم من وجود نصوص تضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان والمذاهب. ويعود السبب في ذلك إلى التهميش لهذه الشعائر في الحقب السابقة ومنع إقامتها تارةً والتنكيل بمن يقيمها تارةً أخرى، والمتتبع للتاريخ يدرك هذا الأمر جيداً.
كذلك تنص المادة (١٠) منه: العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها.
وكذلك ينص قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ المعدل في المادة (٣٧٢) على:
يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار [١٠]:
١- من اعتدى بإحدى طرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها.
٢- من تعمد التشويش على إقامة شعائر طائفة دينية أو على حفل أو اجتماع ديني أو تعمد منع أو تعطیل اقامة شيء من ذلك.
٣- من خرب أو اتلف أو شوه أو دنس بناء معدّاً لإقامة شعائر طائفة دينية أو رمزاً أو شيئاً آخر له حرمة دينية.
٤- من طبع أو نشر كتاباً مقدساً عند طائفة دينية إذا حرف نصه عمداً تحريفاً يغير من معناه أو إذا استخف بحكم من أحكامه أو شيء من تعاليمه.
٥- من أهان علناً رمزاً أو شخصاً هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية.
٦- من قلد علناً ناسكاً أو حفلاً دينيّاً بقصد السخرية منه.
كذلك قام المشرع العراقي بتأسيس ديوان الوقف الشيعي بالقانون رقم ٥٧ لسنة ٢٠١٢، ومنحه الشخصية المعنوية وجعل ارتباطه بمجلس الوزراء، وجعل إحدى التشكيلات المرتبطة بمركز هذا الديوان هي دائرة إحياء الشعائر الحسينيّة (المادة ٩/ ك).
المصادر:
[١] معجم المعاني، على الموقع:
https://www.almaany.com/
[٢] الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥، ج١، ص٣٣٢.
[٣] معهد سيد الشهداء للمنبر الحسينيّ، الشعائر الحسينية إحياؤها وأبعادها، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠١٥، ص٩.
[٤] القرآن الكريم، سورة الحج، آية ٣٢.
[٥] القرآن الكريم، سورة البقرة، آية ١٥٨.
[٦] معهد سيد الشهداء للمنبر الحسينيّ، المصدر السابق، ص١٠.
[٧] معهد سيد الشهداء للمنبر الحسينيّ، المصدر السابق، ص١١.
[٨] السيد منير الخباز: وهو رجل دين وخطيب ومفكر شيعي، ولد في القطيف - السعودية، وتتلمذ على يد كبار المراجع كآية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) وآية الله العظمى السيد السيستاني (حفظه الله). وله عدة مؤلفات قيمة.
[٩] من سؤال وجه إلى سماحة السيد منير الخباز، منشور على الرابط الآتي: https://almoneer.org/index.php?act=qa&action=view&id=648
[١٠] تم تعديل مبلغ الغرامة في هذه المادة بموجب قانون (تعديل الغرامات الواردة بقانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ المعدل والقوانين الخاصة الأخرى رقم ٦ لسنة ٢٠٠٨)، وصار مبلغ الغرامة في الجنح، بموجب المادة (٢/ ب) منه، لا يقل عن (٢٠٠.٠٠١) مئتي ألف وواحد دينار عراقي ولا يزيد عن (١.٠٠٠.٠٠٠) مليون دينار عراقي.
المحامي بارق عبدالحسين
بكالوريوس قانون - جامعة بغداد
الجمعة ٥ آب ٢٠٢٢ م المصادف ٦ محرم الحرام ١٤٤٤ ھ.