03/10/2025
الاعتراف في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي: دراسة في المواد (217-218)
يُعد الاعتراف من أعرق وأخطر وسائل الإثبات الجنائي، لما يتركه من أثر بالغ في تكوين قناعة المحكمة. وإدراكاً من المشرّع العراقي لخطورة هذه الوسيلة واحتمالية تعرضها للتلاعب أو الإكراه، فقد وضع ضوابط دقيقة لكيفية التعامل مع الاعتراف،
أولاً: سلطة المحكمة في تقدير الاعتراف (المادة 217 )
أناط المشرّع بالمحكمة سلطة تقديرية واسعة في الأخذ بالاعتراف أو رفضه، سواء أُدلي به أمامها مباشرة، أو أمام قاضي التحقيق، أو أمام محكمة أخرى. وتتجلى هذه السلطة بشكل أخص في الحالات التي يعدل فيها المتهم عن اعترافه، حيث يبقى للمحكمة الحق في تقديره وقبوله متى اطمأنت إلى صحته.
كما أجاز النص للمحكمة أن تعتد بالاعتراف المدلى به أمام المحقق، شريطة أن يثبت لديها بقرينة معقولة أن عدم عرضه أمام القاضي كان لسبب سائغ، كضيق الوقت أو لظرف استثنائي، وهو استثناء ضيق لا يجوز التوسع في تفسيره.
ثانياً: شرط خلو الاعتراف من الإكراه (المادة 218)
أكد المشرّع على أن الاعتراف لا قيمة له قانوناً إذا كان وليد إكراه مادي أو معنوي، فحرية الإرادة هي قوام الاعتراف الصحيح، وأي إخلال بها يجرده من حجيته القانونية. وعليه، فإن الاعتراف الذي ينتزع بالعنف أو التهديد لا يصلح أن يكون أساساً للإدانة، وذلك اتساقاً مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ثالثاً: الدلالة القانونية
يتضح من خلال هذين النصين أن:
* الاعتراف ليس دليلاً قاطعاً بحد ذاته، بل يخضع لتقدير المحكمة في سياق الأدلة الأخرى المقدمة.
* حماية المتهم من الضغوط والإكراه تمثل ضمانة جوهرية لتحقيق العدالة الجنائية.
* تتسم سلطة المحكمة في تقدير الاعتراف بالمرونة، إلا أنها مقيدة بوجوب التحقق من مشروعيته وسلامته.
الخلاصة
يتضح أن المشرّع العراقي لم يمنح الاعتراف حجة مطلقة، بل تعامل معه كدليل قابل للتقدير، يرتهن بسلامة الظروف المحيطة به وبمدى توافقه مع سائر الأدلة، وهو بذلك يوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة الجريمة وحماية حقوق المتهم وحرياته الأساسية.
بقلم المحامي ميثم فرحان
إنجاز للمحاماة