17/01/2026
وحدة الخصومة القضائية......وتجليات " عدم التجزئة " في إرساء العدالة ⚖️🏛️
إن الخصومة القضائية ليست مجرد صراع بين أطراف بل هي " كيان إجرائي " يجب أن يكتمل بناؤه وفق ضوابط صارمة تضمن استقرار المراكز القانونية وتمنع تضارب الأحكام.......... ومن أسمى هذه الضوابط ما يعرف بـ "مبدأ عدم التجزئة " وهو المبدأ الذي يقضي بضرورة وحدة الخصومة في الحقوق التي لا تحتمل الانقسام صونا لمنطق الحق وحقيقة القضاء .
1- جوهر " عدم التجزئة " في الحقوق المشتركة : هناك حقوق بطبيعتها أو بحكم القانون لا تقبل التفتيت أو البعثرة فالحق المشاع أو حق الامتداد القانوني لعقود الإيجار أو الالتزامات التضامنية هي حقوق تلتئم في وحدة واحدة........ فإذا ما طرح نزاع حول أحد هذه الحقوق أمام القضاء استوجب ذلك حضور كافة أطرافه........... إن إغفال اختصام أحد أصحاب الحق المشترك لا يعد نقصا شكليا فحسب بل هو " بتر " في جسد الخصومة يحول دون المحكمة والفصل في موضوعها إذ لا يستقيم عدلا أن يقضى بحكم يمس غائبا لم يسمع صوته .
٢. وحدة الحقيقة القضائية ومنع تضارب الأحكام : الحكمة الأسمى من وراء مبدأ عدم التجزئة هي "وحدة الحقيقة القضائية "......... فلو سمح القانون بتجزئة الخصومة في الحق الواحد لكنا أمام فوضى قانونية حيث يمكن أن يصدر حكم بطرد أحد الشركاء لكونه غاصبا في حين يصدر حكم آخر في خصومة ثانية بإقرار حيازة شريكه لذات العين.......... لدرء هذا التناقض أوجب المشرع أن تكون الخصومة " جامعة " لكافة ذوي الشأن ليكون الحكم الصادر فيها عنوانا للحقيقة في مواجهة الجميع قاطعا لكل نزاع محتمل .
٣. النظام العام الإجرائي وواجب المحكمة : إن تكامل شكل الخصومة في المسائل غير القابلة للتجزئة يعد من المسائل المتصلة بـ النظام العام ذلك أن سلامة الإجراءات هي الطريق الوحيد لسلامة الأحكام....... لذا لا تملك المحكمة ترف التغاضي عن نقص الخصوم بل يقع عليها واجب إيجابي بالتحقق من استكمال أطراف النزاع........ فإذا ما تبين لها أن هناك أصحاب مراكز قانونية لم يختصموا تعين عليها تكليف المدعي بإدخالهم فإن استعصى المدعي أو تراخى وجب القضاء بـ " عدم قبول الدعوى لرفعها على غير كامل صفة " أو لعدم اكتمال شكلها القانوني .
٤. الحماية القانونية للغائبين وحق المواجهة : تبنى الخصومة على "حق المواجهة" وهو حق لا يمكن إعماله إذا تعمد المدعي انتقاء بعض الخصوم واستبعاد آخرين..... إن استبعاد أحد المستفيدين من الحق ( كأحد ورثة المستأجر الأصلي ) يعد نوعا من " التجهيل القانوني " الذي يأباه العدل.... فالقانون يحرص على أن يكون لكل من سيتأثر بالحكم فرصة في تقديم دفاعه وإلا صار الحكم جائرا يفتقر إلى مقوماته الأساسية كأداة للفصل في المنازعات .
الخلاصة:
" إن العدالة كل لا يتجزأ والخصومة بناء إذا نقص أحد أركانه انهار السقف على رأس صاحبه........ فالحق المشترك يقتضي وقف واحدة أمام القضاء ليبقى الحكم حصنا منيعاً للحقيقة لا سبيلا لخلقِ تناقضات تهدر قدسية الأحكام "