02/08/2026
تلقيت رسالة كريمة من المستشار بهاء المري حول السردية التحليلية التي تناول فيها جانبًا من مرافعتنا في قضية الأستاذ طلعت السادات عام 2006، متوقفًا عند أحد أهم عناصر المرافعة القضائية وأكثرها تأثيرًا: السرد في خدمة الحِجاج.
والحقيقة أن استعادة هذه المرافعة بعد ما يقارب عشرين عامًا لا تستدعي فقط ذكريات قضية شغلت الرأي العام آنذاك، وإنما تكشف أيضًا عن قيمة المرافعة باعتبارها فنًا مركبًا لا يقوم على النص القانوني وحده، وإنما تتداخل فيه الحجة القانونية مع الوقائع والتاريخ والسياسة والقيم الإنسانية، في إطار سردي قادر على إعادة تشكيل زاوية النظر إلى القضية.
وقد أحسن المستشار بهاء المري في التقاط هذه الزاوية؛ إذ لم يتعامل مع المرافعة باعتبارها مجرد مجموعة من الدفوع والأسانيد القانونية، وإنما قرأها باعتبارها بناءً سرديًا حجاجيًا، يعيد من خلاله المحامي ترتيب الوقائع، وتحديد سياقها، وتوجيه دلالاتها، وصولًا إلى التأثير في وجدان وعقل المحكمة
ولايسعنى فى هذا المقام إلا بتوجيه الشكر الخالص والعرفان لسيادة المستشار الجليل بهاء المرى
السرد في خدمة الحجاج في مرافعة الأستاذ أحمد جمعة في قضية طلعت السادات (2006)
يتجلى التداخل بين السرد والحجاج بوضوح في مرافعة الأستاذ أحمد جمعة في قضية طلعت السادات؛ إذ لم يبدأ دفاعه بعرض الأركان القانونية للجريمة أو مناقشة النصوص المنظمة لها، وإنما بدأ بإعادة تعريف طبيعة القضية من خلال بناء سردية سياسية وتاريخية أراد أن يضع الدعوى في إطارها.
فقد استهل مرافعته بقوله:
"نحن لسنا بصدد محاكمة قانونية لجريمة مادية فعلية، وإنما بصدد محاكمة رأي بشَري لرأي بشَري آخر..."
تكشف هذه البداية عن وظيفة السرد في توجيه الحجاج؛ فالدفاع لا يناقش الواقعة من داخل الإطار الذي قدمته جهة الاتهام، وإنما يعيد تحديد طبيعة النزاع، فينقله من مجال الفعل المادي إلى مجال حرية الرأي والتعبير.
وبذلك تصبح العبارة الافتتاحية نقطة تأسيس للرواية الدفاعية؛ إذ تحدد منذ البداية الطريقة التي يريد الدفاع أن تُقرأ بها القضية.
ثم يدعم هذه الرواية باستدعاء نماذج تاريخية، فيقول:
"ويذكرنا ذلك بأبشع فترة في تاريخ البشرية، وهي فترة سقوط الأندلس، إذ كانت محاكم التفتيش تمثل بجثث ضحاياها للخلاف في الرأي والعقيدة."
كما يقول:
"إن أمثلة محاكمة الرأي في تاريخنا تتجلى أيضًا في أيام الخليفة العباسي المأمون، ومحاكمة الفقهاء والتنكيل بالإمام ابن حنبل..."
ولا يستدعي الدفاع هذه الوقائع التاريخية لمجرد الاستطراد الثقافي، وإنما يوظفها داخل البناء الحجاجي؛ إذ يقيم رابطًا بين نماذج تاريخية لمحاكمة الأفكار والقضية المعروضة أمام المحكمة، ليؤسس نتيجة مفادها أن الخطر الحقيقي يتمثل في الانتقال من محاكمة الأفعال إلى محاكمة الآراء.
ثم ينتقل من السرد التاريخي إلى بناء السرد السياسي للقضية، فيقول:
"فكلنا يعلم أن طلعت السادات غدا شخصًا غير مرغوب فيه لدى المسؤولين بداية من ترشحه لرئاسة الجمهورية، ثم تأييده لأيمن نور منافس الرئيس مبارك..."
وهنا يعيد الدفاع ترتيب الوقائع من منظور مختلف؛ فبدلًا من أن تكون العبارات محل المحاكمة نقطة البداية، يجعلها نتيجة لمسار سابق من المواقف السياسية، وبذلك يبني حجته على أن القضية مرتبطة بسياق سياسي أوسع.
ثم ينتقل إلى الجانب الإجرائي، ويستخدم السرد لتدعيم طلب التأجيل، فيقول:
"من المسلم به أن حق المتهم يعلو على حق الهيئة الاجتماعية قاطبة، ومن حقه أن يختار دفاعه وطريقة إبدائه..."
ثم يستعين بالقصة القرآنية:
﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين﴾
ويعقب بقوله:
"أما نحن فلم تجبنا المحكمة بشيء، والحمد لله فليس طلعت السادات شيطانًا وليست المحكمة ربًا أو إلهًا."
وهنا يظهر بوضوح انتقال السرد من مجرد عرض الوقائع إلى أداء وظيفة حجاجية؛ فالقصة القرآنية لا تستخدم لإثبات واقعة قانونية، وإنما لتقوية حجة إجرائية وإضفاء بُعد أخلاقي وإنساني على طلب الدفاع.
التحليل:
يكشف هذا النموذج أن الحجاج في المرافعة القضائية لا يقوم على النصوص القانونية وحدها، وإنما يتشكل أيضًا من خلال بناء سردي يحدد زاوية النظر إلى القضية.
فالمحامي لم يبدأ بعرض الدفوع القانونية، وإنما أنشأ أولًا إطارًا تفسيريًا للقضية، مستعينًا بالسرد التاريخي والسياسي والديني، ثم جعل حججه القانونية تتحرك داخل هذا الإطار.
ومن ثم، فإن السرد في المرافعة القضائية لا يؤدي وظيفة جمالية أو إنشائية فحسب، وإنما يؤدي وظيفة حجاجية؛ فهو يوجه فهم المحكمة للوقائع، ويربط الأدلة بسياقها، ويمنح الحجة القانونية قدرة أكبر على الإقناع.
خاتمة:
تكشف دراسة المرافعات القضائية من منظور سردي أن الخطاب القضائي لا يقوم على تطبيق القاعدة القانونية وحدها، وإنما يقوم أيضًا على الطريقة التي تُعرض بها الوقائع وتُنظم بها الأدلة وتُبنى بها الشخصيات.
فإذا كان القانون يحدد الإطار، والدليل يثبت الواقعة، فإن السرد يمنح هذه العناصر معناها، ويربط بينها في رواية قانونية متماسكة. ومن هنا أصبحت المرافعة القضائية بناءً سرديًا حجاجيًا تتفاعل فيه الوقائع والأدلة والقيم من أجل الوصول إلى الإقناع.
ولا يعني ذلك أن السرد يحل محل القانون أو الدليل، وإنما يعني أن الحقيقة القضائية لا تصل إلى المحكمة في صورة وقائع مبعثرة، بل من خلال خطاب يعيد تنظيمها ويكشف علاقاتها ودلالاتها.
ومن ثم، فإن دراسة "سردية المرافعات القضائية" لا تمثل خروجًا بالقانون إلى مجال الأدب، وإنما تكشف جانبًا أصيلًا من طبيعة العمل القضائي ذاته؛ لأن العدالة لا تُبنى بالنصوص والأدلة فقط، بل كذلك بالطريقة التي تُعرض بها الرواية القانونية أمام القضاء.
القاضي / بهاء المري
جمهورية مصر العربية.