03/01/2026
من حصاد سنوات العمل بالمحاماة...
[إن العبد لا يتكلم إلا إذا تألم!]
تلك كانت مقدمة للدفع المبدى ببطلان الإقرار المنسوب لأحد المتهمين لأنه وليد الإكراه المادي والمعنوي .
حين برّرت الفلسفة التعذيب… وحرّمته الشريعة.
ليست كل فلسفة عقلانية بالضرورة إنسانية. فقد قدّم أرسطو، في كتابه «السياسة»، نموذجًا صارخًا لانفصال العقل عن الكرامة، حين قرّر فكرة «العبد بالطبع»، واعتبر أن بعض البشر خُلقوا ليُقادوا لا ليقودوا ، وذلك بعدما قسم الناس إلى أحرار وعبيد.
وبناءً على هذا التصور، أجاز أرسطو تعذيب العبيد لحملهم على الاعتراف بالجرائم، وعدّ التعذيب وسيلةً مشروعة للإثبات القضائي، لا جريمة أخلاقية. فالعبد – في نظره – أداة ناطقة، لا تُوثق إرادته إلا بالإكراه.
في المقابل، جاءت الشريعة الإسلامية لتؤسس عدالة من طراز مختلف، قوامها تكريم الإنسان لذاته، لا لوظيفته أو طبقته. فقررت أن الاعتراف لا يُعتدّ به إلا إذا صدر عن إرادة حرة، وحرّمت التعذيب تحريمًا قاطعًا، وعدّته ظلمًا وعدوانًا مهما كانت التهمة.
وبينما جعلت الفلسفة الأرسطية النتيجة مبررًا للوسيلة، قيّدت الشريعة العدالة بالأخلاق، وربطت السلطة بالمسؤولية، والقضاء بالرحمة.
وهكذا يتضح أن تحريم التعذيب لم يكن وليد الحداثة، بل سبقته الشريعة الإسلامية بقرون، حين أعلنت قاعدة لا تقبل المساومة:
العدل لا يُقام بالظلم، والكرامة لا تُجزّأ، والإنسان أغلى من القانون.