03/08/2025
اللي بيطلب من المحامي يروح المحكمة بالبدلة صيف شتا، حر ولا زمهرير، من غير ما يشوف هو داخل المحكمة ازاي، يبقى مش بس مش شايف الحقيقة، ده بيكمل على الإحباط اللي عايش فيه المحامي كل يوم.
المحامي اللي بيصحى من الفجر، يجهز ورقه، يشوف قضاياه، يتأكد من طلباته، ويخرج من بيته يتقلب في الشوارع وهو بيتمرمط بين حر الشمس وزحمة المرور، راكب ميكروباص ولا تاكسي، ولو محظوظ معاه عربيه، يقعد يلف يدور على ركنه، يرمي عربيته في آخر الدنيا ويمشي مشوار بالعافية عشان يوصل المحكمة، ولما يوصل يلاقي نفس المأساة... الزحام، السلالم، الدورانات، الملفات في إيد، والتليفون بيرن في التانية، ولسه عنده مرافعة في دايرة، وتقديم طلب في تانية، واستلام صورة حكم في تالتة، ويجري عشان يحضر تحقيق ولا يقابل وكيل نيابة، وكل ده وهو بيعرق، بيتصبب، بيحاول يلم نفسه، يتكلم بمنطق، ويدافع عن موكله كأنه آخر نفس في المعركة.
واللي بيقارن بين المحامي ووكيل النيابة أو القاضي، لازم يكون منصف قبل ما ينطق، لازم يبص للظروف مش بس للملابس.
وكيل النيابة، راكب عربية حديثة، مكيفة، بيخرج من بيته في هدوء، مفيش حد بيزن عليه، مفيش طرف خصم بيتصل بيه يسبه، بيخش المحكمة من بوابة مخصصة، الغفير بيشيله الشنطة، وبيفتح له باب الأسانسير، يوصله للمكتب، يلاقي المكتب نضيف، مرتب، ريحة عطر، والتكييف شغال، القهوة بتتقدم له، الغفير واقف له على الباب مستني يشوف هيتفضل سعادته يبدأ بإيه.
أما المحامي، بيخش المحكمة زي المطار، تشريفة ولا كرامة، ممنوع يدخل من الباب الرئيسي، الغفير يوقفه، ويفتش شنطته، ويعامله كأنه داخل بضاعة مهربة، وبعد كل ده، يقف يتوسل علشان يخش بدائرته أو يسلم طلب لموظف مش فاضي، واللي يرد عليه وهو ملوش مزاج، ولا كأن المحامي ده شريك في العدالة.
والمحامي في النهاية بيقف قدام القاضي، يحاول يتكلم، يترافع، يعرض دفوعه، ولسانه بيحترق من الحر، ووشه بيعرق، وجسمه تعبان، ودماغه مشوشة، بس بيكمل، لأنه عارف إن ورا الموكّل، ورا الحق، ورا مهنة بتحترق كل يوم عشان العدالة.
وساعات، والله ساعات، المحامي بيطول في المرافعة مش بس عشان يقنع، لا، ده علشان يقف شوية تحت التكييف اللي في غرفة المداولة، يبرد جسمه، يجفف هدومه اللي اتبلت من العرق.
هو ده المحامي، مش بس بدلة وشياكة، ده معركة يومية، ميدان صراع، تعب جسدي ونفسي، ومهنة مش للي بيدور على وجاهة، لكن للي عايز يضحي ويفهم معنى الكفاح. فبلاش تنظير من فوق، وبلاش مقارنات ظالمة، وبلاش نصايح ظاهرها شياكة وجوهرها خنقة. اللي مش هيكون سند للمحامي، ماينفعش يكون عبء عليه كمان. خلونا نشوف الواقع بعين الإنصاف، مش بعين الفوتوشوب.