19/03/2026
“فرصة للعلاج قبل الفصل”
لم يعد مقبولًا في بيئة العمل الحديثة أن يُختزل التعامل مع تعاطي المخدرات في قرار سريع بالرفد، كما لو أن المشكلة سلوك عابر يمكن إنهاؤه بالإقصاء. هذا النهج، رغم ما يبدو فيه من حزم، يتجاهل حقيقة أساسية باتت مستقرة علميًا وقانونيًا، وهي أن الإدمان حالة مرضية مركبة، لا يمكن معالجتها بمنطق العقوبة وحدها. الموظف الذي يصل إلى مرحلة التعاطي لا يكون عادةً في وضع طبيعي يتيح له الاختيار الحر بين الخطأ والصواب، بل يكون واقعًا تحت تأثير عوامل نفسية أو اجتماعية أو حتى مهنية دفعت به إلى هذا المسار، وهو ما يستدعي مقاربة أكثر عمقًا من مجرد إنهاء خدمته.
قرار الرفد، وإن كان يحقق مظهرًا من مظاهر الانضباط داخل المؤسسة، إلا أنه في كثير من الأحيان ينقل المشكلة خارجها دون أن يحلها. الموظف المفصول يفقد مصدر دخله، ويواجه ضغطًا أسريًا واجتماعيًا متزايدًا، وقد يجد نفسه في دائرة أكثر خطورة من التعاطي والانحراف، بما ينعكس سلبًا على المجتمع ككل. في المقابل، فإن منح فرصة للعلاج لا يُعد تساهلًا أو تهاونًا، بل هو خيار عقلاني يعالج أصل المشكلة بدلًا من مظاهرها، ويعيد دمج الموظف كعنصر منتج بدلًا من دفعه إلى الهامش.
المعادلة الحقيقية لا تكمن في الاختيار بين الحزم أو الرحمة، بل في تحقيق التوازن بينهما. فلا يمكن بأي حال القبول بوجود موظف متعاطٍ داخل بيئة عمل حساسة أو السماح بتكرار السلوك دون مساءلة، لكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن يكون الفصل هو الخيار الأول. الحل الأكثر اتزانًا يتمثل في ما يمكن تسميته “قرار الفرصة”، وهو إطار منضبط يمنح الموظف إمكانية الخضوع لبرنامج علاجي معتمد، تحت رقابة واضحة، وبشروط صارمة تضمن الالتزام. هذه الفرصة ليست حقًا مطلقًا، بل هي التزام متبادل: المؤسسة تمنح الدعم، والموظف يلتزم بالعلاج والتعافي، وفي حال الإخلال أو التكرار، يصبح اتخاذ إجراءات أشد حسمًا أمرًا مشروعًا.
هذا التوجه لا يحقق فقط مصلحة الفرد، بل يخدم المؤسسة نفسها. الموظف الذي يُمنح فرصة حقيقية للعلاج غالبًا ما يعود بدرجة أعلى من الالتزام والانتماء، ويصبح أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه عمله. كما أن المؤسسات التي تتبنى هذا النهج تعزز صورتها كبيئة عمل إنسانية ومسؤولة، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرارها وقدرتها على جذب الكفاءات. أما على مستوى المجتمع، فإن تقليل حالات الفصل المرتبطة بالتعاطي يسهم في الحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية المرتبطة بالبطالة والتهميش.
غير أن ترك هذه المسألة لاجتهادات كل مؤسسة على حدة يخلق تفاوتًا كبيرًا في المعالجة، ويفتح الباب لقرارات قد تكون متشددة أو تعسفية في بعض الأحيان، أو متساهلة بشكل يضر ببيئة العمل في أحيان أخرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي واضح يضع إطارًا عامًا ملزمًا يحقق هذا التوازن. المطلوب من مجلس النواب ليس مجرد تشديد العقوبات أو توسيع حالات الفصل، بل إعادة صياغة الفلسفة القانونية ذاتها، بحيث يتم الاعتراف صراحةً بأن الإدمان حالة تستوجب العلاج قبل العقاب، مع تقنين نظام “الفرصة الأولى” كمرحلة إلزامية تسبق أي قرار بالفصل، ما لم يكن هناك خطر جسيم أو ضرر محقق.
هذا النظام ينبغي أن يتضمن ضوابط دقيقة، تضمن جدية العلاج، وتحمي في الوقت ذاته صاحب العمل من أي تعسف أو استغلال. كما يجب أن يُبنى على أسس من السرية واحترام الخصوصية، بما يشجع الموظفين على الإقبال على العلاج دون خوف من الوصم أو فقدان الوظيفة. وفي المقابل، يجب أن يكون واضحًا أن هذه الفرصة ليست بلا حدود، وأن تكرار التعاطي أو رفض العلاج يفتح الباب لاتخاذ إجراءات صارمة تصل إلى إنهاء الخدمة.
إن تبني هذا النهج لا يمثل فقط تطويرًا في السياسة التشريعية، بل يعكس تحولًا في رؤية الدولة لدورها في إدارة الأزمات الاجتماعية داخل سوق العمل. فالقانون لم يعد مجرد أداة للردع، بل أصبح وسيلة للإصلاح وإعادة التأهيل، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في التشريعات المقارنة. وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المجتمعات، يصبح من الضروري أن تتبنى الدولة سياسات أكثر إنسانية دون أن تتخلى عن الحزم، وأن تدرك أن حماية بيئة العمل لا تتحقق فقط بإقصاء المخطئ، بل أحيانًا بإنقاذه.
في النهاية، فإن منح الموظف فرصة للعلاج ليس ضعفًا في الإدارة ولا تساهلًا في الانضباط، بل هو تعبير عن فهم أعمق لطبيعة الإنسان وتعقيداته. هو قرار يجمع بين العقل والقلب، بين حماية المؤسسة والحفاظ على الإنسان، وبين الردع والإصلاح. وإذا كان الهدف من القانون هو تنظيم المجتمع وتحقيق استقراره، فإن القانون الذي يمنح فرصة للشفاء، هو في الحقيقة قانون يحمي الجميع