21/07/2026
عندما يسبق الدفاع حكم النقض
قبل أيام، وصلتني رسالة من الزميل الأستاذ مازن عبد القادر، أرفق بها صورة مذكرة الدفاع التي قدمها أمام محكمة الاستئناف في قضية الزميل علي أيوب، والتي صدر فيها حكم أول درجة بالحبس ثلاث سنوات.
ولم يكن ما لفت انتباهي في الرسالة هو النتيجة التي انتهت إليها الدعوى، وإنما الجزء الذي خصصه الدفاع لحقيقة المنشورات المنسوبة إلى المتهم، والخلفية الثقافية للمجني عليها، وهو جهد بحثي غير مألوف في مثل هذه القضايا. ومن أسف القول أن محكمة الموضوع لم تقسط هذا الدفاع حقه في الرد والمناقشة، رغم أنه - في تقديري - يمثل أحد أبرز أوجه الدفع بالإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب، متى كان دفاعًا جوهريًا من شأنه - لو صح - أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
وقد قرأت المذكرة بعين الباحث، لا بعين المؤيد أو المعارض، فوجدت فيها اجتهادًا يستحق التوقف أمامه. ولعل أول ما يلفت النظر أن الدفاع لم يبدأ من الوقائع، وإنما بدأ من القانون نفسه، متمسكًا بما قررته الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات، التي أجاز فيها المشرع الطعن في أعمال الموظف العام أو من في حكمه متى كان ذلك بحسن نية، واستهدف المصلحة العامة، ولم يقصد به التشهير أو الإساءة الشخصية. ومن هذا المنطلق، لم يكن البحث في حقيقة المنشورات أو تتبع مصادرها عملًا نظريًا أو ترفًا فكريًا، وإنما كان جزءًا أصيلًا من محاولة إثبات توافر شروط هذا النص، ونفي القصد الجنائي الذي يقوم عليه الاتهام.
ومن هنا، لم يكتف الدفاع بالدفوع التقليدية التي اعتدنا رؤيتها في قضايا النشر، ولم يقصر جهده على إنكار القصد الجنائي أو المنازعة في أركان الجريمة، وإنما اتجه إلى بحث أصل الواقعة نفسها، وتتبع مصادر المعلومات، والخلفية الثقافية والفكرية المرتبطة بها، في محاولة لإثبات أن ما نُشر لم يكن اختلاقًا من المتهم، وإنما كان قائمًا على وقائع ومناقشات عامة تستحق أن تُفحص قبل إصدار حكم بالإدانة.
غير أن ما منح هذه المذكرة قيمة إضافية، ليس ما ورد فيها وحده، وإنما توقيت كتابتها. فقد كُتبت قبل أن تصدر محكمة النقض حكماها المهمان في القضية المتعلقة بوزيرة الثقافة السابقة، وهما الحكمان اللذان لم يقفا عند حدود تطبيق القانون، وإنما حسما - بحجية قضائية - حقيقة النزاع حول نسبة المحتوى الأدبي محل الجدل، فأصبح ما كان محل نقاش قانوني وثقافي عند إعداد المذكرة، حقيقة قضائية مستقرة بعد صدورهما.
وهنا تكمن المفارقة.فالمذكرة لم تكن تستند إلى أحكام محكمة النقض، لأنها لم تكن قد صدرت بعد، وإنما كانت تستند إلى البحث والتحليل وتتبع الوقائع والمصادر، وإلى قراءة قانونية لنص المادة (302) وشروط تطبيقها. ثم جاءت أحكام محكمة النقض لاحقًا لتصبح جزءًا من الحقيقة القضائية المستقرة، ولتمنح الموضوع بعدًا جديدًا لم يكن متاحًا وقت إعداد الدفاع.
وهنا تظهر قيمة الاجتهاد الحقيقي. فليس من الصعوبة أن يستند المحامي إلى حكم استقر عليه القضاء، وإنما الصعوبة الحقيقية أن يستخلص من النصوص والوقائع والمبادئ ما ينتهي إليه القضاء بعد ذلك. وهذه هي الوظيفة الحقيقية للمحامي؛ أن يبحث، وأن يجتهد، وأن يفتح أمام المحكمة طريقًا قد لا يكون قد سلكه أحد من قبل.
ولهذا كان الفارق دائمًا بين الدفاع التقليدي والدفاع المبدع. فالدفاع التقليدي ينتظر ما استقر عليه القضاء ثم يستشهد به، أما الدفاع الحقيقي فيبدأ من النص، ويبحث في الوقائع، ويستخلص المبادئ، ثم يترك للقضاء أن يقول كلمته. وقد يصيب، وقد يخطئ، لكن قيمة الاجتهاد تظل قائمة، لأنه لا يبنى على الظن، وإنما على البحث.
ولعل هذا يذكرنا بحقيقة كثيرًا ما تغيب عن الأذهان، وهي أن المحامي لا يصنع الأحكام، ولكنه قد يصنع الأسئلة التي تدفع القضاء إلى إعادة النظر في القضية من زاوية أخرى. وإذا كان القضاء هو صاحب الكلمة الأخيرة، فإن الدفاع الجاد كثيرًا ما يكون صاحب السؤال الأول.
ومن هنا، فإن جلسة محكمة النقض المنتظرة في قضية الزميل علي أيوب لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد طعن على حكم جنائي، وإنما باعتبارها محطة جديدة لاختبار عدد من المبادئ الراسخة في القضاء المصري؛ وفي مقدمتها حدود النقد المباح المنصوص عليها في المادة (302) من قانون العقوبات، ومدى توافر القصد الجنائي، وواجب المحكمة في مواجهة الدفوع الجوهرية، وأثر ما استقر عليه القضاء لاحقًا في فهم الوقائع التي كانت محل جدل عند نظر الدعوى.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، استباق ما ستنتهي إليه محكمة النقض، فهي وحدها صاحبة القول الفصل، واستقلالها هو الضمانة الأولى للعدالة. لكن من حقنا أن نتأمل قيمة الجهد العلمي الذي يبذله بعض المحامين، وأن ندرك أن المذكرة القانونية ليست مجرد أوراق تودع قلم الكتاب، وإنما قد تكون عملًا بحثيًا يسبق القضاء بخطوة، ثم يأتي الزمن ليكشف مقدار ما أصاب فيه صاحبه.
لهذا توقفت طويلًا أمام رسالة الزميل مازن عبد القادر، ليس لأنها تشيد بمذكرة دفاع، وإنما لأنها أعادت إلى الذهن معنى بالغ الأهمية في العمل القانوني. فالاجتهاد القانوني لا يقاس فقط بعدد الأحكام التي يستشهد بها، وإنما بقدرته على استشراف الحقيقة قبل أن تتحول إلى حكم، وعلى طرح السؤال الصحيح قبل أن يجيب عنه القضاء.
ولذلك ستظل بعض المذكرات جديرة بالقراءة، لا لأنها كسبت الدعوى، وإنما لأنها أضاءت الطريق الذي سار فيه القضاء بعد ذلك، أو اقتربت من الحقيقة التي انتهى إليها. وقد يسبق الدفاع حكم النقض… لا لأنه يعلم الغيب، وإنما لأنه يحسن قراءة النص، ويفتش عن الحقيقة، ويثق أن القضاء سينتهي إليها متى اكتملت أمامه الصورة.