11/12/2025
لم تزل القرارات الحكومية في كثير من الأحيان تفاجئ الرأي العام بنصوص تحمل في طياتها ما يكفي لفتح أبواب الطعن قبل أن تجف أحبارها، وكأن الجهة مصدِّرة القرار تُصِر على أن تضع بين سطوره بذور العوار القانوني الذي يقوض استقراره. فبدلاً من أن تكون التشريعات والقرارات الإدارية أداة لتحقيق الانضباط والوضوح، إذا بها تأتي محمَّلة بثغرات تكشف غياب الدراسة المتأنية، وتُظهر تعجلاً يناقض أبسط مبادئ المشروعية والشفافية، فيتحول القرار من وسيلة تنظيمية إلى عبءٍ قانوني يُثقل كاهل الدولة والمتعاملين معها.
ويأتي قرار لجان التقييم الإيجاري للشقق السكنية طبقاً للقانون رقم 164 لسنة 2025 نموذجاً واضحاً لهذا النهج المرتبك. فقد فوجئ كثير من المواطنين والمختصين بأن اللجان انحرفت عن المعايير الفنية التي ألزمها بها القانون، وأقامت تقديراتها على معيار واحد يكاد يكون منعزلاً عن بقية العناصر الجوهرية: تميز الموقع.
إن الموقع، مهما كان تأثيره، ليس سوى عنصر واحد من منظومة متكاملة نص عليها القانون، تبدأ من حالة العقار الإنشائية والمعمارية، وتمر بمستوى المرافق والصيانة، وتنتهي بمساحة الوحدة ومستوى تشطيبها. إغفال هذه العناصر الجوهرية وحصر التقييم في عامل واحد يجعل القرار معيباً ويفتقر إلى الحد الأدنى من المشروعية.الأخطر من ذلك أن هذا الأسلوب يفتح الباب أمام التفاوت غير المبرر بين وحدات عقارية متجاورة أو متساوية في المساحة والحالة، في حين تُعامل كلها معاملة واحدة اعتماداً على موقع الحي أو الشارع. وبذلك يتحول التقييم من عمل فني هندسي قائم على معايير دقيقة، إلى مجرد ملحوظة جغرافية تُسقط عن العقار صفاته الحقيقية.
إن المطلوب ليس الهجوم على القرارات بقدر ما هو الدعوة إلى تصحيح المسار وإعادة الالتزام بنصوص القانون وروح العدالة التي أرساها. فالتقييم الإيجاري العادل لا يقوم على انطباعات عامة أو مؤشرات غير مكتملة، بل على دراسة موضوعية دقيقة تُراعي حالة كل عقار على حدة، وتوازن بين الحق والواجب، وتحمي المواطن والدولة معاً.
ولعلَّ إعادة النظر في هذه القرارات، وإصدار تقييمات جديدة تبني على المعايير الفنية الصحيحة، هو الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة في آليات التنظيم العقاري، وتقليل سيل الطعون الذي بات نتيجة حتمية للقرارات المعيبة.مجرد راي احمد عامر المحامي بالنقض