16/02/2026
لي صديق ماليزي طلّق زوجته وله منها طفلان؛ تزوجت طليقته بعد الطلاق، وكذلك هو قد تزوج أيضًا. يعيش الطفلان مع الأم (برضا الزوج حتى بعد زواجها)، وهي توصلهم كل صباح إلى المدرسة، في حين يأتي والدهم ليأخذهم بعد انتهاء الدوام للغداء معه ثم يردهم إلى بيت أمهم.
للأب يومان في الأسبوع يبيت أطفاله عنده؛ وللأم بقية الأسبوع، وقد خصصوا يوم الجمعة والأعياد والمناسبات يجتمع فيها الجميع بزيارة في البيت أو لقاء في الخارج (وأقصد بالجميع الأب وزوجته الجديدة، والأم وزوجها الجديد، مع الأطفال وإخوتهم الجدد) في لقاء عائلي بسيط يزرع الأمان في قلوبهم، ويُشعرهم أنهم لم يفقدوا أسرتهم، بل اتسعت الأسرة لتشمل أفرادًا أكثر وقلوبًا أرحم.
هذه ليست قصة من وحي الخيال بل هي حقيقة شهدت عليها بعيني؛ وهذا أمر طبيعي في المجتمع الماليزي وليس بمستغرب؛ وهذا هو الطلاق كما أراده الإسلام، طلاقٌ لا يُفسد المعروف، ولا يطفئ المروءة، ولا يزيل المسؤولية، فالطلاق في الإسلام ليس نهاية للرحمة، بل بداية لنوع آخر منها… رحمة ناضجة، راقية، تتجاوز الخصام، وتضع مصلحة الأطفال أولًا.
قد لا يصدق بعض الناس أن على وجه الأرض من يفعل ذلك، ولكن الحقيقة أن عداوة ما بعد الطلاق لا وجود لها إلا في مجتمعاتنا.
مرحلة ما بعد الطلاق هي مرحلة كاشفة، بها يتضح الكريم من اللئيم، والعاقل من الجاهل، فالطلاق شرعه الله عز وجل ليكون آخر الاختيارات عند استحالة العِشرة بين الزوجين، شرعه ليكون نهاية لعلاقة وليس نهاية للحياة، ولا سببًا للقطيعة والخصومة بين الأسر والأقارب …
لو فهمنا قول الله عز وجل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، لو فهمنا قوله سبحانه: {ولا تنسوا الفضل بينكم} … لكانت أمور الطلاق أبسط من ذلك، فلتوفى الحقوق لأهلها ويبقى الحد الأدنى من العلاقة الطبيعية بين الأقارب أو يبقى على الأقل رابط الأخوة بين المسلمين والمسلمات، ولكن للأسف بسبب بُعد الناس عن الفهم الصحيح للدين أصبحت عبارة "أنتِ طالق" هي البداية لمعركة حامية بين الطرفين، وبوساطة الأهل والأصدقاء تزداد حدة تلك الحرب، ويحاول كل واحد استخدام الطلاق كوسيلة لمحاولة تعطيل حياة الآخر أو الإضرار به نفسيًا أو ماليًا أو اجتماعيًا
أحكي هذا الكلام الآن لأنني تصلني كثير من الاستشارات الأسرية والزوجية والمشكلات المتعلقة بمرحلة الطلاق وما بعدها، وقد زادت في الفترة الأخيرة ومعظمها بكل أسف يدور في إطار صراع وحرب، وحرمان متعمّد، وتشويه متبادل، واستغلال الأطفال كأوراق ضغط، وأمور ليست من الدين ولا الأخلاق في شيء.
فأردت أن أذكّر أن الرجل الذي يلتفّ على طليقته في المحاكم، ويكذب، ويأتي بشهود زور، ويمنع حقوقًا أقرها الشرع، إنما يخاصم ربه قبل أن يخاصم طليقته، ويؤذي أولاده قبل أن يؤذيها.
وأن المرأة الأنانية التي لا تمانع من استخدام أبنائها كوسيلة ضغط في سبيل تحقيق مكاسب دنيوية أو في سبيل انتقام غير مبرر من رجل كان بالأمس أقرب الناس لها ، وتتحايل وتدبر لتمنع رؤيته لهم، فجرمها في حق أبنائها عظيم، وإثمها
عند الله أعظم..
-------منقول