07/08/2026
🚨 هل توسعت محكمة النقض في مفهوم التفتيش الوقائي حتى اختلط بالتفتيش الإجرائي؟ قراءة نقدية في ضوء الفقه وقضاء النقض👎
يثير هذا السؤال واحدة من أدق الإشكاليات في قانون الإجراءات الجنائية، والتي لا تزال تلقي بظلالها على الأحكام القضائية حتى اليوم.
فمن المسلم به فقهًا أن هناك فرقًا جوهريًا بين التفتيش الإجرائي والتفتيش الوقائي، ليس في التسمية فحسب، وإنما في الغاية، والأساس القانوني، وحدود كل منهما.
فالتفتيش الإجرائي هو إجراء من إجراءات التحقيق، غايته البحث عن أدلة الجريمة، ولذلك يجيز البحث الدقيق في ملابس الشخص ومتعلقاته، ولا يباشر إلا في الأحوال التي حددها القانون.
أما التفتيش الوقائي فليس غايته البحث عن دليل، وإنما حماية القائم بالضبط أو حماية المتهم نفسه، وذلك بالتأكد من عدم حمله سلاحًا أو أداة يمكن استخدامها في الاعتداء أو إيذاء النفس. ولهذا يقتصر نطاقه على القدر الذي تفرضه الضرورة الإجرائية، ولا يمتد إلى البحث التفصيلي في الجيوب أو فض الأوراق واللفافات أو فتح العلب المغلقة.
ولهذا استقر الفقه الجنائي على أن سند التفتيش الوقائي ليس المادة (46) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1950( المقابلة للمادة 49 من قانون الإجراءات رقم 174 لسنه 2025)، وإنما نظرية الضرورة الإجرائية.
الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية 1998 ،الدكتور عوض محمد عوض التفتيش في ضوء قضاء النقض 2011، الدكتور محمد زكي أبو عامر الإجراءات الجنائية 2013،الدكتورة فوزية عبد الستار شرح قانون الإجراءات الجنائية 2010،الدكتور ياسر الأمير فاروق القبض في ضوء الفقه والقضاء دار المطبوعات الجامعية 2011.
غير أن قضاء محكمة النقض اتخذ اتجاهًا مختلفًا.
فقد اعتبرت محكمة النقض أن التفتيش الوقائي يستند إلى المادة (46) من قانون الإجراءات الجنائية، (المقابلة للمادة 49 من قانون الإجراءات رقم 174 لسنة 2025) ورتبت على ذلك التوسع في مفهومه، حتى انتهت في بعض الأحكام إلى اعتبار إخراج لفافات ورقية من جيب المتهم وفضها، أو فتح علبة سجائر عثر عليها بجيبه، تفتيشًا وقائيًا، رغم أن هذه الإجراءات تجاوزت غاية الوقاية، وتحولت إلى بحث عن دليل الجريمة.
ففي أحد الأحكام، رفضت محكمة النقض الطعن ببطلان التفتيش رغم أن الضابط أخرج لفافتين صغيرتين من جيب المتهم وفضهما حتى عثر بداخلهما على مواد مخدرة، واعتبرت أن تقدير مدى التزام القائم بالتفتيش الوقائي بحدوده يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع. (الطعن رقم 49020 لسنة 85 قضائية – جلسة 26/2/2017).
وفي حكم آخر، أقرت صحة ضبط قطعة مخدر داخل علبة سجائر كانت بجيب المتهم، واعتبرت أن ذلك من قبيل التفتيش الوقائي. (الطعن رقم 38642 لسنة 85 قضائية – جلسة 9/12/2017).
كما أيدت في حكم ثالث صحة ضبط ثلاث لفافات مخدرة بين طيات ملابس متهم صدر ضده حكم غيابي، على أساس أن التفتيش كان وقائيًا. (الطعن رقم 73369 لسنة 74 قضائية – جلسة 1/11/2012).
وفي تقديري، فإن هذا الاتجاه محل إعادة نظر.
ذلك أن التفتيش الوقائي لا يبرر البحث الدقيق في الملابس، ولا فض اللفافات، ولا فتح العلب المغلقة؛ لأن الغاية منه تنتهي بمجرد التأكد من خلو الشخص من سلاح.
أما إذا امتد الإجراء إلى البحث عن المخدر أو أي دليل آخر، فإنه يتحول إلى تفتيش إجرائي، يجب أن يخضع لضوابطه وأسبابه القانونية، ولا يجوز وصفه بأنه وقائي لمجرد تبرير صحته.
بل إن محكمة النقض لم تكن بحاجة إلى هذا التكييف في بعض الأحكام؛ إذ كان يمكنها – على سبيل المثال – أن تؤيد صحة التفتيش استنادًا إلى صدور أمر بضبط وإحضار، باعتباره في حقيقته أمرًا بالقبض يبيح التفتيش الإجرائي، دون الخلط بين نوعين مختلفين من التفتيش.
ويرجع هذا الخلط – في تقديري – إلى استمرار ترديد مبادئ قضائية نشأت في ظل قانون تحقيق الجنايات الملغي، حين لم يكن يوجد نص يجيز التفتيش عند القبض.
أما بعد صدور قانون الإجراءات الجنائية سنة 1950، فقد أصبح المادة (46) المقابلة للمادة 49 من قانون الإجراءات لسنة 2025 هي الأساس القانوني للتفتيش الإجرائي عند القبض، ولم تعد هناك حاجة إلى إضفاء وصف "التفتيش الوقائي" على إجراءات هي في حقيقتها تفتيش قضائي كامل.
إن التفرقة بين التفتيش الوقائي والتفتيش الإجرائي ليست خلافًا نظريًا، وإنما ضمانة جوهرية لحماية الحرية الشخصية، ومنع التوسع في إجراءات تمس خصوصية الأفراد خارج الحدود التي رسمها القانون.
✍️ د. ياسر الأمير فاروق
من كتاب: "التحقيق الجنائي"