17/09/2025
(38) "العشاء الأخير لكارل ماركس" لفيصل الأحمر
التقاطعات الثقافية للخطاب السردي، بين تخييل الروائي وعقلانية الفلسفي---- (الجزء الأول).
#أولاً- النوع والموضوع:
في رواية فكرية الموضوع، ذهنية الأسلوب، وواقعية المرجع الزمني والمكاني والشخوصي، يرافق القارئ عبر تعاريج مكانية ونفسية، زيارة الفيلسوف ماركس للجزائر وهي رحلة ممتدة على مدى زمني مقداره 73 يوما، على امتداد 190 صفحة. وعلى امتداد مكاني تتجاوز حركة البطل ماركس فيه (فندق فيكتوريا بين شارعي: مصطفى بن بولعيد وشارع إزلي)، وحديقة التجارب بالحامة.
وتغوص الرواية في تفاصيل الآراء الجذرية لأفكار ماركس حول دور رحلة الجزائر في آواخر حياة هذا الفيلسوف، حيث استقصت الرواية الكثير من المغالطات والإشكالات التي حامت حول أفكار ماركس الكبرى. وتحديداً موقفه من الاستعمار وصراع الطبقات والدين، وهي أفكار استوضحتها الرواية وكشفت الكثير من المغالطات المحمولة جهلاً على مواقف ماركس الإنسانية من هذه القضايا، وكشفت على وجه التحديد، دور الحكومة الاستعمارية الفرنسية في حجب الحقيقة عن ماركس، وإحاطته بمجموعة من ساستها ومثقفيها (وعلى رأسهم القاضي فيرمي) من أجل تبني ماركس للفكر الامبريالي الفرنسي ودعمه للمخطط الاستعماري لشعوب إفريقياً، آملة أن يكون لإبعاد ماركس عن الجزائريين وحقيقة الوضع اللاإنساني للاستعمار تجاه تلك الشعوب، أثراً في مؤلفاته وفلسفته، لكن ماركس يتفطن للحصار المخملي والجدران السميكة التي بنيت حوله أثناء زيارته والتي حالت دون معرفته لحقيقة ما يمارسه الاستعمار، وعند تفطنه لذلك بدأت إجراءات تسريع ترحيله قبل اطلاعه على بربرية الاستعمار، وخوفاً من أن يكون لذلك الاكتشاف أثراً في مؤلفاته، فرحل كما جاء مغمض العينين، لكن، برؤية ساخطة على الفرنسيين ومتسامحة مع شعب لم يسمح له الحصار المخملي المضروب حوله من اكتشافه.
#ثانياً- العنوان والغلاف:
بخلفية حمراء، حيث لا جدال حول الدلالة اللونية للأحمر في العقيدة الشيوعية، والانتماءات الماركسية، والنظم والمنظمات الاشتراكية، حيث يفضل تصميم الغلاف (دون أي جزم لربط تصميم الغلاف بإرادة الكاتب) أن يطرح الدلالة المباشرة الخالية من أي رمزية، خاصة حين تهيمن على الغلاف، تلك الصورة النمطية الشهيرة للفيلسوف كارل ماركس، بحجم يحتل ثلثه تقريباً، وهو باللباس الكلاسيكي للنوم، ما يحيل على وضعية مرضية يهيمن عليها الوضع السريري وحالة المكوث في الغرفة، وهو في حالة جلوس على كرسي، وهي حركة تشير إلى السكون والثبات والمكوث أكثر مما تحيل على حركة خارجية والنشاط.
وتناظر هذه الصورة التصميمية المباشرة، ما يعكس ما سنجده داخل النص من حالة ركود تام لجسم ماركس، مع ثلاث حركات خارجية فقط. قادته الأولى والثانية إلى حديقة الحامة، والثالثة إلى قصر الحاكم الفرنسي، لتناول عشاءه الأخير قبل عودته من الرحلة إلى لندن. مما يشي على أن صورة الغلاف الثابتة، إنما كانت موجهة داخلياً نحو النص وليست خارجية للتعبير عن فكر أو إيديولوجيا، وهو ما يجعل دلالتها السطحية هناك، مراوغة تصميمية ذكية، تستظهر الخارجي والسطحي وتستبطن باطن نصي صعب الحركة مشلول النشاط يوازي تماماً، وضعية الشخصية البطلة المكبلة جسدياً وفكرياً والمحاصرة وجودياُ (من طرف الموت المحدق بها)، وذهنياً(يهيمن ذكرى زوجته السيطرة على أفكاره حد الهوس) وجسمانياً (من طرف عملاء الحكومة الاستعمارية الفرنسية التي استغلت مرضه لتحيطه ببطانة من المخبرين الذين يعزلونه عن الشعب الجزائري وعن واقع الاستعمار وعن العالم).
أما نص العنوان، فيكفيه الإحالة إلى عنوان لوحة ليوناردو دافينشي الأخيرة (العشاء الأخير)، والتي تحيل مباشرة إلى علاقة فكرية معقدة جداً بين ماركس والدين، أو بالأحرى ظاهر تعامله مع الدين، وواقع تجاوبه معه سلوكياً.
حيث يماهي العنوان في شطره الثاني بين النبي عيسى المسيح، وبين المسيح، حينما يحذف اسم المسيح (بعد عبارة "العشاء الأخير") ويعوضه باسم كارل ماركس، توافقاً مع التسمية الشائعة بأن ماركس هو نبي الشيوعية، أو مسيح الشيوعية. وما العشاء الأخير للنبيين (الديني واللاديني)، سوى الموكب الجنائزي الذي كان يحضره لهما قومهما، اللذان احبتهما فيه الأغلبية المستضعفة (العمال والكادحين) ونقمت عليهما الأغلبية المهيمنة (البورجوازيون الشرسون والنبلاء)، ليكون العشاء الأخير محاكمة دموية مغلفة باستضافة راقية وفخامة مصطنعة من طرف جلاديهما، وهكذا كانت ضيافة ماركس من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية، التي خنقت زيارته بعشاءات متتالية كان فيها عدد الحراس المتنكرين المتناوبين عليه أكثر من عدد اللقيمات التي غذت جسده العليل.. وكان ختامها عشاء المحاكمة والخلاص الأخير من عبء زيارته الثقيلة لإحدى أكبر بؤر الفضائح الأخلاقية للفاتحين الأوربيين وجالبي الحضارة للشعوب المتخلفة؟؟
#ثالثاً- أزمنة النص:
في زمن السرد، أو زمن القصة (كما يسميه جينيت وهو الزمن المرجعي للقصة) تدور أحداث الرواية في نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد، أثناء زيارة الفيلسوف الألماني كارل ماركس إلى الجزائر التي دامت من 20 فيفري إلى 2 ماي من سنة 1882، أي على مدى 73 يوماً. وهو مدى زمن الأحداث الدائرة في الرواية. بعدما نصحه أصدقاؤه (وعلى رأسهم فريدريش أنجلز) برحلة علاجية بشمس وهواء شمال إفريقيا وتحديداً الجزائر. بعد أن اشتد به مرض (الالتهاب الرئوي)، الذي تسبب في وفاته بعد عام و12 يوما بالتحديد بعد عودته من الجزائر إلى لندن عبر باريس في 14 مارس 1883.
ومن المهم جداً في قراءة هذا النص الإشارة إلى أن زيارة ماركس للجزائر قد تمت بعد 5 أشهر بالتحديد من وفاة زوجته جينيفر(أو جيني) وستفالن، في 2 ديسمبر سنة 1881، متأثرة بمرض بمرض (التهاب الكبد السرطاني). وتوفي بعد هذه الرحلة القصيرة بسنة و12 يوماً.
بينما كان زمن الخطاب المسيطر هو زمن الشخصية الداخلي، الذي غلب عليه زمن الذاكرة أو الاسترجاع المطول وليس الفلاش باك. ولهذا الاسترجاع مبرراته وأدواته الكثيرة، أبرزها أن موضوعه واحد، وهو ذكرى زوجة ماركس ( جيني) المتوفية قبل 5 أشهر، التي لم تفارقه (صورتها وهمساتها) لحظة واحدة أثناء زيارته الاستشفائية للجزائر، والرافد الثاني لهذا الزمن الداخلي هو كراسة مذكرات زوجته التي كتبتها قبيل وفاتها، فاصطحب الكراسة معه، حيث فتحها معنا في الصفحات الأولى وأنهى قراءتها معنا في آخر صفحة من الرواية، فكانت مذكرات (جيني التي سيطالعها القارئ كاملة كنص موازٍ مع قراءة الرواية) هي الخط الناظم لهذه الرواية، الذي لا ينقطع من بداية الرواية إلى نهايتها.... (يتبع الجزء الثاني في المقال القادم ... ).
----------------------- محمد الأمين بحري --------------------
*- فيصل الأحمر: رواية [العشاء الأخير لكارل ماركس]، منشورات دار العين، القاهرة، ط1- 2024، (عدد ابصفحات:(190).