16/10/2026
** حين تتكرر العقوبة ولا يتحقق الردع **
في إحدى المرافعات، وجدت نفسي أمام مفارقة تستحق التأمل، ليس فقط من زاوية الدفاع عن متهم، بل أيضا من زاوية فلسفة العقوبة ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها.
لقد اعتدنا، نحن المحامين، حين نجد صحيفة السوابق القضائية للمتهم بيضاء، أن نستحضر ذلك أمام المحكمة باعتباره مؤشرا على عدم سبق إدانته، ونلتمس أخذ هذا المؤشر بعين الاعتبار عند تقدير العقوبة.
لكن ماذا نفعل حين نجد أنفسنا أمام الحالة المعاكسة تماما؟
صحيفة سوابق قضائية تمتد إلى اثنتي عشرة صفحة، تتضمن عددا من الجرائم المتشابهة، أو أفعالا تكاد تتكرر .
هنا، لا يعود السؤال مقتصرا على العقوبة التي ينبغي توقيعها، بل يمتد إلى سؤال آخر: إذا كانت العقوبات السابقة لم تمنع تكرار الأفعال، فهل يكفي أن نضيف عقوبة جديدة، أم ينبغي أن نبحث عن أسباب هذا العود؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التقليل من خطورة الأفعال، ولا إعفاء مرتكبها من مسؤوليته الجزائية، وإنما يعني أن العدالة لا ينبغي أن تتوقف عند تسجيل الجريمة ومعاقبة مرتكبها، بل عليها، في حدود القانون والإمكانات المتاحة، أن تتساءل أيضا عن الوسائل الأنجع لمنع تكرارها.
وتزداد أهمية هذا التساؤل حين تتضمن المعطيات الطبية ما يفيد خضوع المعني للعلاج، دون أن يستكمل مساره العلاجي.
ففي مثل هذه الحالة، يصبح من المشروع التساؤل عن إمكانية خضوع المعني للعلاج والتأهيل، بالتوازي مع مراعاة مقتضيات المسؤولية الجزائية وحماية المجتمع.
إن الردع يظل غاية أساسية من غايات العقوبة، غير أن الإصلاح وإعادة الإدماج ومنع العود إلى الجريمة أهداف لا تقل أهمية في بناء سياسة جزائية فعالة.
قد يكون من السهل أن نضيف صفحة جديدة إلى صحيفة السوابق، لكن التحدي الحقيقي هو أن نعمل، بالوسائل القانونية والعلمية المتاحة، حتى لا تكون هناك صفحة أخرى.
فالقضاء لا يواجه الماضي وحده، ممثلا في الأفعال التي ارتكبت، بل يساهم أيضا في رسم الطريق نحو المستقبل، بما يحققه من حماية للمجتمع، واحترام لحقوق الأفراد، وفرص حقيقية للإصلاح.
وهنا تكمن المسألة: ليست العدالة مجرد تكرار للعقوبة كلما تكررت الجريمة، بل هي أيضا بحث مستمر عن السبل التي تجعل العقوبة تحقق غايتها، ويصبح معها الإصلاح ممكنا، والعود إلى الجريمة أقل احتمالا.