18/12/2025
وجوب تحديد الخطأ في الحسابات المصرفية والتجارية
من أبرز أسباب إطالة أمد الفصل في القضايا المصرفية والتجارية أمام المحاكم أن بعض المدّعين لا يحددون بدقة مواضع الخطأ في العمليات أو القيود المحاسبية، بل يلجؤون إلى طلب تعيين محاسب أو مراجع لمراجعة جميع التعاملات بين الطرفين على مدى سنوات طويلة، بقصد اكتشاف الأخطاء وبيان الدائن من المدين.
وهذا المسلك، الذي يتكرر في كثير من الدعاوى، يؤدي عمليًا إلى تعقيد الخصومة وإطالة إجراءات التقاضي، نظرًا لكثرة العمليات المصرفية والتجارية وتشعبها، في حين أن الشريعة الإسلامية والقانون قد قررا قاعدة واضحة مفادها:
الأصل في المعاملات الصحة، وعبء الإثبات يقع على من يدعي خلاف هذا الأصل.
وبناءً على ذلك، فإن المدعي ملزم قانونًا وشرعًا بتحديد الأخطاء التي يدعي وجودها في الحساب المصرفي أو التجاري، سواء بتحديد القيود المحاسبية محل الخطأ، أو العمليات أو المعاملات التي شابها الخلل، حتى تكون وقائع الدعوى واضحة ومحددة، ويسهل على المحكمة الإحاطة بها والفصل فيها بسرعة ويسر.
وقد أكدت المحكمة العليا – الدائرة التجارية – هذا المبدأ، حين قررت أن المدعي يجب عليه تحديد طلباته تحديدًا دقيقًا من حيث النوع والصفة، لأن الدعوى وطلبات الخصوم هي مناط الحكم، ولأن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي، مع مراعاة القواعد الخاصة التي يقررها القانون التجاري والعمل المصرفي بشأن تحديد الأخطاء والغلطات المدعى بها.
---
أولًا: طبيعة الحسابات المصرفية والتجارية
الحسابات المصرفية والتجارية تنظم جميع المعاملات فور وقوعها، وتقيد فيها المبالغ المدفوعة، وبيان أغراضها، وتواريخها، وتظهر من خلالها مراكز الأطراف المالية من حيث الدائن والمدين، مع الاحتفاظ بالمستندات المؤيدة لكل قيد.
وبالنظر إلى أن المصارف والتجار يتعاملون مع أعداد هائلة من العملاء، وتمتد علاقاتهم لسنوات طويلة، فإن هذه الحسابات قد تشمل ملايين العمليات، وتنتج عنها كشوفات حساب ضخمة ومستندات لا حصر لها.
---
ثانيًا: حجية كشوفات الحساب
كشوفات الحساب تعد مرآة حقيقية للمعاملات بين الطرفين، وهي التي تكشف النتيجة النهائية للحساب وتحدد الدائن والمدين.
وبموجب القانون، يلتزم المصرف أو التاجر بموافاة العميل بكشف حساب دوري، فإذا تسلمه العميل ولم يعترض عليه خلال مدة معقولة، اعتبر الكشف صحيحًا، ولا يُسمع بعد ذلك ادعاء وجود خطأ فيه، إلا بدليل محدد وواضح.
---
ثالثًا: الأصل صحة المعاملات وعبء الإثبات
الأصل المقرر في القانون المدني أن العقود صحيحة، وتسري هذه القاعدة على المعاملات التجارية والمصرفية.
وعليه، فإن من يدعي وجود خطأ أو تلاعب أو عدم صحة في الحسابات، يقع عليه عبء إثبات ذلك، ولا يكفي الادعاء المجرد أو التشكيك العام في الحسابات.
---
رابعًا: الادعاء المجمل بوجود أخطاء جهالة فاحشة
الادعاء بأن جميع الحسابات أو المعاملات التي تمت خلال سنوات طويلة غير صحيحة، دون تحديد نوع الخطأ أو موضعه أو تاريخه أو سببه، هو ادعاء مشوب بالجهالة الفاحشة، ولا يصلح أساسًا للفصل القضائي.
كما أن مطالبة المحكمة بتعيين محاسب لمراجعة جميع التعاملات دون تقديم وقائع محددة أو أدلة أولية، يُعد التفافًا على عبء الإثبات، ويؤدي إلى تعطيل الفصل في القضايا وإرهاق القضاء.
والصحيح أن يلتزم المدعي بتحديد الواقعة محل الادعاء، وبيان عناصرها، ونسبتها إلى المدعى عليه، وتقديم ما يؤيدها من أدلة.
فإن ثبت للمحكمة من خلال ذلك وجود مسائل فنية محاسبية دقيقة، جاز لها عندئذٍ الاستعانة بخبير محاسب، لا أن يكون تعيين الخبير بديلًا عن واجب التحديد والإثبات.
---
الخلاصة
الدعوى مناط الحكم، ولا تُقبل الدعوى المجهلة، ولا يُكلف القضاء بالبحث في عموم الحسابات والمعاملات دون تحديد.
ومن يدعي وجود خطأ في حساب مصرفي أو تجاري، فعليه أن يحدده بدقة، ويقيم الدليل عليه، التزامًا بأحكام الشريعة والقانون، وصونًا لهيبة القضاء، وتسريعًا للفصل في الخصومات.
والله أعلم