19/08/2026
صدى الكفتين: من نُصوص قاعات المحاضرات إلى زحام الواقع
"في قاعات الدرس، كان القانون هندسةً مقدسة... وفي أروقة المحاكم، أصبح فنّاً في الصمود وسط العواصف."
الفصل الأول: طمأنينة اليقين
أعوامٌ طوال قضيتها بين جدران كلية الحقوق، حيث كانت رائحة الورق القديم وأحبار الكتب القانونية تغمرني بالسكينة. على زاوية طاولتي الخشبية، استقر مجسم صغير لميزان العدالة المصنوع من النحاس الأصفر. كنت أتأمله طويلاً، كمن يقرأ تعويذة أمان.
كفتاه كانتا متساويتين تماماً، في تناغم هندسي يبعث على اليقين المطلق بأن الحق يعلو ولا يُعلا عليه.
في الكتب، كانت القواعد واضحة: الجريمة يعقبها العقاب، والعقد شريعة المتعاقدين، والعدالة غاية يسهل إدراكها بمسطرة النصوص القانونية.
كنت أؤمن بسذاجة محببة أن الكون مصمم بذات العدالة الثابتة التي يمثلها ذلك المجسم الهادئ.
الفصل الثاني: ارتطام بالواقع العملي
حين غادرت مقاعد الدراسة وحملت حقيبتي إلى أروقة المؤسسات، لم أكن أعلم أنني أودع عالماً افتراضياً نقياً لأدخل ميداناً تعصف به المصالح والتعقيدات البشرية.
تكدست ملفات القضايا كالجبال على مكتبي الجديد، وتحولت النصوص القانونية البحتة إلى معارك ضارية تحكمها الثغرات، والمماطلات، وموازين القوى الخفية.
صدمتني التفاصيل الصغيرة التي لا تُكتب في الكتب؛ فالحقيقة في ساحات القضاء لا تظهر دائماً بذات البساطة التي تصورها أساتذتنا.
صرت أنظر إلى مجسم الميزان على طاولتي العملية، لأجده قد فقد اتزانه؛ كفتاه تميلان باستمرار نحو كفة على حساب أخرى، محملتين بثقل النفوذ، أو تعقيدات الأدلة، أو بطء الإجراءات.
الخاتمة: الحكمة المتأرجحة
لم يعد الميزان في عيني ذلك الرمز المثالي الساكن، بل تحول إلى حقيقة واعية. أدركت أن العدالة في الحياة العملية ليست معطىً جاهزاً، بل هي جهاد مضنٍ ومستمر يبذله المحامي والقاضي الشريف لكي يعيدوا الميلان نحو الاعتدال قدر المستطاع، في عالم يصر دائماً على الاختلال.
فالبراءة وحدها لا تكفي لصنع عدالة، والنصوص القانونية وحدها لا تحمي حقاً إن لم يمتلك الحقوقي القدرة على قراءة مابين السطور، والتحمل في وجه الضغوط، وفهم النفس البشرية بضعفها وقوتها.
الحياة العملية لا تسرق الأحلام، بل تصقلها؛ وتحول الحقوقي من حالم ينظر إلى ميزان مثالي مرسوم على الورق، إلى مقاتل شرس يبحث عن "العدل الممكن" في عالم متأرجح.