14/03/2026
أين القانون الدولي الإنساني من ما يجري في لبنان ؟
القانون الدولي الإنساني وُضع ليكون درع المدنيين في أوقات النزاعات، ميثاقاً عالمياً يتجاوز الحدود والأديان والانقسامات السياسية، غير أنّ هذا الدرع في لبنان اليوم مكسور، فالمسألة ليست في وجود القانون بل في تطبيقه، والجواب المؤلم هو أنّه لا يُطبَّق.
وعلى المستوى الدولي تضطلع الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من الهيئات الإنسانية بمراقبة الانتهاكات والتذكير بأنّ المدنيين ليسوا أهدافاً وأنّ التهجير القسري ليس وسيلة مشروعة وأنّ مبدأ التناسب ليس خياراً بل التزاماً، فيما إسرائيل وحزب الله وسائر الأطراف المسلحة والسياسية ملزمون قانوناً باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، لكن المسؤولية بلا آليات تنفيذ تبقى وعداً فارغاً.
إنّ شلل القانون الدولي الإنساني في لبنان اليوم يعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة: تصاعد الأعمال العدائية حيث القصف العشوائي والضربات المتبادلة عبر الحدود دمّرت أي آلية للضبط، وتجزئة السلطة حيث يعمل حزب الله خارج سيطرة الدولة مما يعقّد قدرة لبنان على فرض القانون داخلياً، وأزمة النزوح حيث أكثر من سبعمائة ألف مدني بينهم مئتا ألف طفل نزحوا خلال أيام قليلة وهو بحد ذاته انتهاك لروح القانون الدولي الإنساني .
وكل بيت مدمَّر وكل عائلة مشرَّدة وكل طفل محروم من الأمان هو شهادة على فشل التطبيق، فالقانون الدولي الإنساني ليس نظرية بل التزام حيّ، وإهماله يحوّل الحرب من مأساة إلى كارثة. إنّ حرب لبنان ليست أزمة وطنية فحسب بل اختبار لمصداقية القانون الدولي الإنساني نفسه، فإذا لم يُطبَّق هنا في قلب نزاع يشرّد مئات الآلاف فأين يمكن أن يُطبَّق؟ وعلى النواب ممثلي الأمة أن يتحمّلوا مسؤولياتهم التاريخية، فهم الذين مدّدوا لأنفسهم سنتين في ظل هذه المأساة، بينما الشعب الذي انتخبهم ينزح ويُهجَّر ويُحرم من أبسط حقوقه، وهذا التمديد في ظل الكارثة يثير التعجب والدهشة ويضعهم أمام مساءلة أخلاقية وقانونية كبرى.
وعلى المجتمع الدولي أن يتجاوز البيانات إلى العقوبات والتحقيقات والملاحقات، أما المجتمع الأهلي (من كنائس ومساجد وجامعات وإعلام ) فعليه أن يرفع صوت القانون الإنساني حتى يصبح من المستحيل تجاهله. إنّ القانون الدولي الإنساني ليس ترفاً بل هو الحد الأدنى من النظام الأخلاقي في زمن الحرب، وغيابه في لبنان اليوم جرح ليس للبنانيين وحدهم بل للإنسانية جمعاء، والصمت يعني قبول تعليق القانون حين يكون أشد حاجة إليه، أما الكلام والمطالبة والتنفيذ فهي واجب كل قانوني وصانع قرار ومواطن.
كما أنّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد في تقاريرها أنّ هذه الاتفاقيات تشكّل القواعد الأساسية التي تحدّ من وحشية الحرب وتفرض احترام المدنيين والعاملين في المجال الطبي والإنساني.
أما على المستوى الأممي، فقد أصدرت مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) والأمم المتحدة (UN News) والمفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) تقارير حديثة تحذّر من الكارثة الإنسانية في لبنان، حيث وصفت الوضع ”بالعاصفة الكاملة” التي دمّرت حياة المدنيين وأدت إلى نزوح جماعي، وطالبت بتحقيقات مستقلة ومحاسبة جميع الأطراف.
كذلك، تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنّها تعمل على دعم الخدمات الطبية المنقذة للحياة في لبنان رغم القصف والإخلاءات القسرية.
مكتب المحامية ماري كيروز هو مكتب محاماة لبناني يتمتع بخبرة قانونية تمتد لأكثر من 15 عاماً في تقديم الخدمات والاستشارات القانونية للأفراد والشركات في مختلف المناطق ا...