02/08/2026
... لماذا لا يُكلَّف صاحب الظاهر بإثبات ما يفترضه القانون؟
■من أعمق القواعد التي يقوم عليها نظام الإثبات أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، وهي قاعدة ليست مجرد عبارة تقال في ساحات القضاء، وإنما هي تعبير عن فلسفة قانونية دقيقة تحمي استقرار المعاملات وتصون مراكز الخصوم.
●فالأصل أن من يتمسك بما هو ثابت حكمًا أو ظاهرًا أو مفترضًا قانونًا لا يُكلَّف بإقامة الدليل عليه؛ لأنه يقف في موضع الحماية القانونية، بينما يقع عبء الإثبات على من يدعي خلاف هذا الثابت، لأنه يزعم واقعة جديدة تهدم الأصل وتخرج عن المألوف.
📌 فمن يتمسك بالأصل لا يُطلب منه إثبات الأصل... وإنما يُطلب ممن يدعي خلافه أن يقيم الدليل.
وهذا ما قرره الفقيه الكبير الدكتور حين بيّن أن القانون يحمي الحالة المستقرة، لا لأنها دائمًا تعكس الحقيقة الواقعية، وإنما لأن استقرار التعامل بين الناس يقتضي عدم نقل عبء الإثبات إلى من يتمسك بالوضع الظاهر أو القائم.
🔹 مثال أول: حيازة الشيء》إذا كان شخص يحوز عقارًا ويتصرف فيه باعتباره مالكًا، فالأصل الظاهر أنه صاحب حق عليه، فإذا جاء شخص آخر وقال: "هذا العقار ملكي وليس ملك الحائز"، فلا يكفي مجرد الادعاء، بل يتحمل عبء إثبات الملكية.
■لأن الحائز يتمسك بالظاهر القائم، أما المدعي فيدعي خلاف هذا الظاهر.
🔹 مثال ثانٍ: صحة العقد》الأصل أن العقد الذي صدر من أطرافه صحيح ومنتج لآثاره، فمن يدعي أن العقد شابه إكراه أو تدليس أو غلط جوهري لا يُعفى من الإثبات، لأنه لا يتمسك بالأصل، بل يطلب نقض قرينة الصحة المفترضة للعقد.
🔹 مثال ثالث: الوفاء بالدين》إذا ثبت وجود دين في ذمة شخص بموجب سند صحيح، فإن أصل بقاء الدين قائم، ومن يدعي أنه قام بالسداد فعليه إثبات الوفاء؛ لأنه يدعي واقعة جديدة أنهت الالتزام.
🔹 مثال رابع: سلامة الحكم القضائي》لأصل أن الأحكام القضائية تتمتع بالحجية والاستقرار متى صدرت من جهة مختصة، فمن يطعن عليها بالبطلان أو الانعدام أو مخالفة القانون يحمل عبء بيان وجه الخلل وإثبات سببه.
◇والحكمة من هذه القاعدة أن القانون لا يبدأ من الفراغ؛ بل يبدأ من مركز قائم ومستقر.
《فلو أُلزم كل صاحب حق ظاهر أن يثبت كل لحظة أنه على حق، لتعطلت المعاملات واضطربت الحياة القانونية، ولأصبح الأصل نفسه بحاجة إلى إثبات، وهو ما يناقض طبيعة القانون.
:"من تمسك بالأصل فقد تمسك بالحماية، ومن ادعى خلاف الأصل فقد حمل نفسه عبء الدليل."
فعبء الإثبات ليس عقوبة على أحد، وإنما هو توزيع عادل للمخاطر الإجرائية؛ فمن يريد تغيير المركز القائم عليه أن يقنع المحكمة بسبب هذا التغيير ودليله.
⚖️ في القضاء... ليست العبرة بمن يرفع صوته بالادعاء، وإنما بمن يحمل الدليل على خلاف الأصل.
#المرافعات