مركز صالح الشناق للدراسات القانونية والشرعية والانسانية

  • Home
  • Jordan
  • Irbid
  • مركز صالح الشناق للدراسات القانونية والشرعية والانسانية

مركز صالح الشناق للدراسات القانونية والشرعية والانسانية القانون والشريعة والدراسات الانسانية

مركز المحامي صالح الشناق مركز يهتم بالدراسات القانونية التي تخدم الفرد والمجتمع ويهتم بالدراسات الشرعية لكافة الشرائع في الكون وبالاخص الشريعة الاسلامية والمسيحية واليهودية باعتبارها ديانات سماوية ويهتم بالدراسات الانساسية مثل العلوم السياسية والاعلام والاقتصاد والاجتماع والمرأة والجندر والمشاكل التي تعاني منها الانسانية

06/10/2022
02/07/2021

دعوى مخاصمة القضاة ضمانة للقضاة

ملخـص
تعدّ دعوى مخاصمة القضاة ذات أهمية باعتبارها استثناءً من الأصل الذي يقرّ للقضاة حصانة خاصة، وعدم مسؤوليتهم عن أعمالهم، حماية لهم من الكيد والتشهير بهم، والنيل من هيبة القضاء، ومع ذلك، وباعتبار أن القضاة من البشر وقد يخطئون أثناء عملهم، ويلحقون الضرر بأحد أط ارف الن ازع، فإنه من العدل والإنصاف، رفع هذا الضرر الناجم عن عمل القضاة وق ار ارتهم، في حالات معينة عن طريق مخاصمتهم.
ولما كانت لهذه الدعوى خصوصيتها فقد وضعت التشريعات قيوداً تحدد فيها نطاقها الموضوعي وشروطها الشكلية بشكل صارم. وبالنسبة للنطاق الموضوعي لدعوى المخاصمة، وضعت هذه التشريعات حالات محددة يخاصم بسببها القاضي، منها ما هو عمدي ويستوجب سوء نيّته وتعمده في ارتكاب الفعل، ومنها ما هو غير عمدي ومع ذلك يمكن ملاحقته بموجبها.
وعرضنا في هذا البحث تلك الحالات، من خلال بيان مفهومها والتطبيقات القضائية بخصوصها في سورية ولبنان، باعتبار أن توافر إحداها هو شرط أساسي لإقامة دعوى المخاصمة وقبولها.

الكلمـات الدالـة: مخاصمة القضاة، النظرية، التطبيق.


المقدم ـة

يعد القضاء، مهمة مقدسة وخطيرة، عليه يرسو الحق ويسود العدل، والقاضي يجب أن يكون من أشرف الناس سلوكاً وأكرمهم خلقاً وأرفعهم علماً وأقدرهم كفاءة لأنه سيقرر مصير حياة وشرف ومال الأشخاص، كما يجب أن يكون مستقلاً لا يخشى لومة لائم ولا يناله طعن أو تجريح إلا بما رسمه القانون.وقد نصت مجلة الأحكام العدلية على شروط ومواصفات القاضي بأنه:
"ينبغي أن يكون القاضي حكيماً فهيماً مستقيماً وأميناً مكيناً متيناً "(1).
وبما أن الخصومة من لوازم الطبيعة البشرية والحياة الاجتماعية، وعندما يختلف الأف ارد ويلجأون إلى القضاء الذي هو الملاذ الأخير، فإذا ما اختل هذا الملاذ الأخير أو ضعف أو ت ارخى أو تباطأ اختلت المثل العليا واختلت العدالة وساد الظلم.
وكون القضاة من البشر فهم اذاً خطاؤون، فإن احتمال ارتكابهم أخطاء مقصودة قائم وبالتالي فإن الأحكام التي

* كلية الحقوق، جامعة الشرق الاوسط، الأردن. تاريخ استلام البحث
1/6/2014، وتاريخ قبوله 8/7/2014.
سيصدرونها ستجانب هدفها في تحقيق العدل والإنصاف مابين الناس وفي الأمة، وتلحق ضر اًرً بأحد أط ارف الن ازع ويعرض القضاء والدولة للخطر، ولرفع هذا الضرر غير المحق عن المتضررين من عمل القضاة وق ار ارتهم، ومن أجل حماية أحد جناحي العدالة من حالات الخطأ والإهمال ومن سهام ضعفاء النفوس والمستهترين، وليبقى القضاء مأمناً لحقوق الناس ودرعاَ يحمي العدل لذلك كانت دعوى المخاصمة كأحد السبل إلى ذلك.
ونذَكر بهذا الصدد بعض ما جاء في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري عندما ولاه القضاء ما يؤكد إمكانية ارتكاب القاضي لأخطاء ترتبط بصفتهم البشرية عندما قال ".... ولا يمنعك قضاء قضية بالأمس ف ارجعت فيه نفسك وهديت فيه لرُشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فإن الحق قديم وم ارجعة الحق خير من التمادي في الباطل... ثم إياك والقلق والضجر والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب اﷲ بها الأجر ويحسن بها الذخر...".
وما مخاصمة القضاة إلا طريق تبنته التشريعات لإ ازلة الحيف والظلم والغبن الذي يصيب المتقاضين نتيجة ضعف القاضي وعدم كفايته لحمل هذه الرسالة السامية وعدم استقلال ضميره وحياده ون ازهته وتجرده.
وتعد دعوى المخاصمة ذات أهمية خاصة كونها استثناء
© 2015 عمادة البحث العلمي/ الجامعة الأردنية. جميع الحقوق محفوظة.
من الأصل حيث أن للقضاة حصانة خاصة ولعملهم أثر كبيرفي حياة الأمم، والأصل أنهم غير مسؤولين عن أعمالهم وفتحباب المخاصمة على مص ارعيه يؤدي إلى الكيد للقضاةوالتشفي منهم ورفع دعاوى المخاصمة بسبب أو بدون سبب فينعكس ذلك على عمل القاضي ويؤدي إلى تثبيط همته وعزيمته والتشهير به.
وفي سورية ولبنان والأردن كان قانون أصول المحاكمات الحقوقي العثماني النافذ آنذاك يعطي المجال للمحكوم عليه ظلماً، بعد استنفاذ طرق الطعن وانب ارم الحكم، أن يلجأ كمتضرر لإبطال الحكم من خلال إقامة الدعوى على الحاكم الذي ظلمه متعمداً فيضمنه الضرر الذي لحقه بسبب ذلك ويستوفي حقه منه، وكان يطلق المشرع العثماني على الدعوى "دعوى الاشتكاء من الحكام "وكان يعتبرها دعوى مدنية تهدف إلى إبطال الحكم والتعويض(2). وحصر المشرع العثماني حالات دعوى المخاصمة استناداً لسببين:" أحدهما أن يكون الحاكم المشكو منه أدخل بحيلة وخدعة فساداً في المحاكمة أو في حكم الإعلام أو أن يكون قد أخذ رشوة، والسبب الأخر أن يكون قد استنكف عن إحقاق الحق"(3).
وبعد صدور قانون أصول المحاكمات في سورية رقم 84 تاريخ 28/9/1953 نظم المشرع أحكام دعوى مخاصمة القضاة وممثلي النيابة العامة في المواد 486 حتى 498، أما في الأردن فلم يأت المشرع الأردني على ذكر أي نص في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1953م يتعلق بدعوى المخاصمة. وأما مشروع قانون استقلال القضاء لسنة 2014م، وفي معرض البحث في أحكام الدعوى التأديبية التي تقام ضد القاضي، حدد في الفقرة ج من المادة 38 منه في أسس المسؤولية المدنية التي قد تقوم بحق القاضي معدداً الحالات التي تقام فيها هذه الدعوى، وهي نفس الحالات التي نصّ عليها المشرع السوري والمصري واللبناني.
أما في لبنان فقد عالج المشرع اللبناني أحكام مخاصمة القضاة في قانون أصول المحاكمات المدنية القديم الصادر في شباط 1933 ثم عدل من أحكام دعوى المخاصمة في قانون التنظيم القضائي الصادر عام 1961. وفي عام 1983 صدر قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد بالمرسوم الاشت ارعي رقم 90/83 وعالج مخاصمة القضاة في المواد 741 إلى 761 منه تحت عنوان " مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين". وبموجب هذا التعديل أصبحت الدولة هي المدعى عليها فقط دون القاضي الذي منحه القانون حق التدخل في الدعوى لإبداء أقواله وطلب الحكم له بالتعويض ضد المدعي عند الاقتضاء(4). وقد تبّنى هذا التعديل بشكل خاص من موقف المشرع الفرنسي على ما سنبين.
أما في فرنسا فقد كانت دعوى المخاصمة داخلة ضمن حالات الاستئناف، ولم يكن القانون يفرق بين الطعن بالاستئناف في حكم القاضي ورفع دعوى المخاصمة ضد القاضي نفسه، وكان القاضي ملزماً بالحضور أمام محكمة الاستئناف للدفاع عن نفسه(5). وفي عام 1540م نظمت دعوى المخاصمة عندما أصدر الملك ف ارنسوا الأول مرسوماً ملكياً فرق فيه بين الاستئناف والمخاصمة، بحيث لا تقبل الدعوى المرفوعة ضد القاضي شخصياً إلا إذا أثيرت مسؤوليته الشخصية، وطبقاً للمادة الأولى منه لا تقبل دعوى إلا إذا أثار الخصم وقائع تثبيت غش القاضي Fraud أو تدليسه Dol أو عذره Concusion أوخطأه الواضح Erreur évidente في الواقع والقانون. ومن ثم تتالت الم ارسيم المنظمة لدعوى المخاصمة والتي نصت على حالات المخاصمة القضاة وٕإل ازمهم بإصلاح الضرر الذي نتج عن أخطائهم(6). وفي عام 1933 أضاف المشرع الفرنسي إلى حالات المخاصمة الواردة بالمادة 505 من قانون الم ارفعات حالة الخطأ المهني الجسيم. كما أضاف بعض الحالات الأخرى في المادتين 112،87 من قانون الإج ارءات الجنائية، الذي كان يسمى وقتئذٍ قانون تحقيق الجنايات، وتشمل حالات انتهاك الإج ارءات التي تهدف إلى حماية حقوق الأف ارد التي قررها القانون(7). وفي عام 1972 تبنى المشرع الفرنسي نظاماً جديداً لمسؤولية القضاة تخلى بموجبه عن النظام التقليدي للمخاصمة واستبدله بنظام جديد أطلق عليه "دعوى الرجوع" (L’action récusoire) التي ترفع على الدوٕلة وليس على القاضي، وحصرها في حالتي الخطأ الجسيم وانكار العدالة. ثم صدر القانون رقم 59-43 بتاريخ 18 كانون الثاني 1979 وبمقتضاه تم تعديل الأمر رقم 58-
1270 الصادر عام 1958 وذلك بإضافة المادة 11/1 التي نصت على أنه:
- لا يسأل قضاة المحاكم المدنية إلا عن أخطائهم الشخصية.
- لا تثار هذه المسؤولية إلا عن طريق دعوى الرجوع على الدولة.
- ترفع دعوى الرجوع أمام الدائرة المدنية بمحكمة النقض.
وهكذا حلت دعوى الرجوع محل دعوى المخاصمة إذا أ ارد أحد الخصوم مقاضاة أحد قضاة المحاكم المدنية، في حين استمرت نصوص دعوى المخاصمة في التطبيق بخصوص غيرهم من القضاة(8).
بعد أن عرضنا معنى دعوى المخاصمة وتطورها وبأنها دعوى خاصة برجال القضاء، حيث أجازت أغلب التشريعاترفع هكذا دعوى من جانب المتقاضين المتضررين من أخطاءالقضاة في حالات معينة. ومع ذلك اختلفت التشريعات فيتحديد هذه الحالات كما اختلف الاجتهاد القضائي في تطبيقهاعلى الوقائع ولاسيما فيما يتعلق بالخطأ المهني الجسيم، ممادعانا إلى البحث في هذه الدعوى من حيث نطاقها الموضوعي دون نطاقها الشخصي وٕإج ارءاتها الشكلية لجهة من يجوز له رفع الدعوى وعلى من يرفعها وما هي المحكمة المختصة للنظر بالدعوى.
وعليه؛ فإن المقصود من نطاق دعوى المخاصمة من حيث الموضوع تحديد الحالات التي يمكن بسببها رفع دعوى المخاصمة ضد القضاة، وسنقصر بحثنا على هذا النطاق.
ولما كانت معظم التشريعات العربية، ولاسيما في سورية ومصر ولبنان وكذلك حديثاً في مشروع قانون استقلال القضاء الأردني لسنة 2014، قد نصت على هذه الحالات في نصوص قانون أصول المحاكمات المدنية، فإنه يمكن القول أن الحالات التي يجوز فيها رفع الدعوى بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة، أي عن الأحكام والق ار ارت والتحقيقات والمطالعات أو عن بعض التصرفات الصادرة عنهم، تتلخص في الغش أو التدليس أو الغدر وكذلك في الخطأ المهني الجسيم وفي إنكار العدالة وفي حالات أخرى ينص عليها القانون عند الحكم على القاضي بالتضمينات.
وسنتناول هذه الحالات في مبحثين نعالج فيهما الحالات العمدية للمخاصمة، وتلك غير العمدية المتمثلة بالخطأ المهني الجسيم.

المبحث الأول
مخاصمة القضاة في حالات التصرفات العمدية

تتجلى الحالات العمدية لمخاصمة القضاة في انح ارف القاضي بكل عمل يباشره مغاي اًرً للعدل ومخالفاً للقانون والنظام تعصباً منه لأحد الخصمين متعمداً ظلم الخصم الآخر أو لمصلحة ما بدافع ومقصد شخصي، ويترتب على هذا العمل تبدل وجه الدعوى وٕإظهارها في شكل يخفي حقيقتها بحيث يتم الحكم وفق مظهرها المذكور خلافاً للحقيقة. وتعد هذه الحالات من قبيل الحالات العمدية إذ يجب أن يتوافر فيها سوء نية القاضي. وتتمثل في الغش والتدليس والغدر والحالات التي يقضي فيها القانون بمسؤولية القاضي والحكم عليه بالتعويضات وأخير حالة إنكار العدالة.

المطلب الأول: الغش أو الخداع
إن التعرض للغش كأحد أسباب مخاصمة القضاة يتطلب بيان تعريف الغش والشروط الواجب توافرها فيه.
أولاً : التعريف بالغش أو الخداع
يقصد بالغش لغة: الخيانة وعدم الفصح. أما مصطلحاً فهو انح ارف القاضي في عمله قاصداً من هذا الانح ارف تحقيق مصلحة تتنافى مع ما يقتضيه واجبه في الحكم بين الناس بالعدل مقترناً باحت ارم القوانين (مادة 77 من قانون السلطة القضائية السوري).
وقد عرّفت محكمة النقض الفرنسية الخداع بأنه:" لا يوجد خداع يبيح المخاصمة، إلا إذا حكم القاضي محاباة لأحد الخصوم، أو بقصد الإض ارر به أو إذا ارتشى من جانب أحدهم"(9).
أما محكمة النقض السورية فقد اقتبست تعريف الغش عن محكمة التمييز اللبنانية في ق اررها الصادر عن الهيئة العام برقم
82/29 تاريخ 29/12/1991 وجاء فيه:
" إن الغش كما عرّفته الهيئة العامة لمحكمة التمييز اللبنانية بقولها إنه يفترض في الخداع أو الغش أن يكون الخطأ الواقع في الحكم مقصوداً وناشئاً عن سوء الإ اردة والنية (الق ارر رقم 92 تاريخ 15/12/1961 والق ارر رقم 11 تاريخ
12/11/1966، مجموعة باز 14 من 85، رقم 11)".
وفي ق ارر آخر عرفت محكمة النقض السورية الغش بأنه:
"انح ارف القاضي في عمله قاصداً هذا الانح ارف لتحقيق مصلحة تتنافى مع ما يقتضيه واجبه، وقد يحدث هذا الانح ارف إيثا اًرً لأحد الخصوم أو نكاية في خصم توجد عداوة بينه وبين القاضي ويجب أن يثبت قصد القاضي هذا الانح ارف أي سوء نيته"(10).
ثانياً : شروط الغش
بما أن الغش يتضمن عملاً غير مشروع يرتكبه القاضي أثناء ممارسته لوظيفته ومخالفةً لمقتضيات العدالة وما يفترض فيه من حيدة ون ازهة وحرص على العدالة.فإنه يلزم لتوافر الغش شرطان يكمل بعضهما البعض وهما سوء النية وقصد تحقيق المصلحة الخاصة.
1- سوء النية:
عند مخاصمة القاضي استنادا إلى غش ارتكبه لابد من إثبات انح ارفه عن مقتضيات العدالة الذي هو مكلف باحت ارمها في كل أعماله، وتوفر سوء نيته من خلال توجيهها عن إد ارك وعمد إلى وجهة أخرى هو مأمور بأن يبتعد عنها. فلابد إذن من توفر الإ اردة الواعية لدى القاضي عند ارتكابه للغش بأن يقدم على عمل ليحرف الدعوى عن مسارها الصحيح والقانوني.
وبالتالي فسوء النية أمر لازم لتوفر الغش.
فإذا انتفى سوء النية فلا يكون هناك غش، كما لو سها
القاضي عن إعادة وثيقة كان قد أخذها لد ارستها مما أدى إلىتغيير نتيجة الحكم لمصلحة أحد الخصوم، فإن هذا لا يعد غشاًلانتفاء سوء النية، وٕإنما يعد من قبيل الخطأ المهنيالجسيم(11).
2- تحقيق مصلحة خاصة:
يجب أن يكون القصد من الفعل الذي قام به القاضي تحقيق مصلحة خاصة لا تمت للعدالة بصلة، إما لتحقيق مصلحة لنفسه، ومقصد شخصي له، وٕإما لصالح أحد الخصوم، وذلك إما بمحاباته وٕإما بالإض ارر بخصمه.
ويمكن أن يقع الغش من القاضي في أي مرحلة من م ارحل الدعوى، فقد يقع في إج ارءات التبليغ فيقبل القاضي مذكرة دعوة مبلغة بشكل غير أصولي رغم تنبيهم لذلك. وقد يتابع النظر في الدعوى ضارباً عرض الحائط بصحة الخصومة وتمثيل أط ارفها قاصداً في كلتا الحالتين، إيجاد حكم قضائي لمصلحة أحد الخصوم إض ار اًرً بالآخر(12).
وقد يرتكب القاضي الغش وهو بصدد إعمال سلطته التقديرية، لأنه ينبغي على القاضي عند استعمال هذه السلطة أن يتوخى روح القانون ومقتضيات العدالة، فإذا انحرف عن ذلك بأن استعملها لتحقيق مصلحة خاصة به أو بغيره يكون قد ارتكب غشاً، ولو لم يكن قد لجأ إلى وسائل احتيالية (13).

المطلب الثاني: التدليس
يعد التدليس إحدى الحالات التي نصت عليها أغلب التشريعات لمخاصمة القضاة، ولد ارسة هذه الحالة لا بد من تعريف التدليس وبيان شروطه.
أولاً : التعريف بالتدليس
التدليس لغةً : هو كتمان العيب حيلة. أما التدليس مصطلحاً فلم يأت قانون أصول المحاكمات المدنية على تعريفه عند تعداد أسباب المخاصمة. على أن المادة 126 من القانون المدني السوري حددت معنى التدليس في معرض جواز إبطال العقد بسبب التدليس بقولها:
"1- يجوز إبطال العقد بالتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد.
2- ويعتبر تدليساً السكوت عمداً عن واقعة أو ملابسة إذا ثبت أن المدّلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعةأو هذه الملابسة ".
يمكن أن نستخلص من هذا النص بأن التدليس هو "خديعة توقع الشخص بدفعه إلى التعاقد"(14). وهو بالتالي الحيلة البالغةالجسامة.
وعليه؛ فإن التدليس الذي يمكن أن يكون سبباً لمخاصمةالقاضي يتجلى بقيامه بإظهار الواقع على غير حقيقته أي إظهار الوقائع الثابتة في ملف الدعوى أو في النصوص التي تنظمها على غير حقيقتها محاباة لأحد الخصوم، مثلاً إيهام الخصم أن أدلته ضعيفة حتى يدفعه للاحتكام إلى ذمة خصمه أو مصالحته، ويكون ذلك باتخاذ ق ارر إعدادي برفض طلب الإثبات بالشهادة مثلاً بواقعة يجوز فيها الإثبات بالشهادة فعندها يخشى الخصم من خسارة الدعوى فيلجأ إلى المصالحة التي اقترحها القاضي ويكون مضمونها غير عادل.
ويختلف الغش عن التدليس في أن التدليس يدخله في الغالب طرقاً احتيالية وي ارد به خديعة أحد أط ارف الن ازع. أما الغش، فلا تصحبه طرق احتيالية، ولا ي ارد به خديعة أحد الأط ارف وٕإنما ي ارد بالغش الإض ارر بأحد الطرفين (15).
ثانياً : شروط التدليس
إن التدليس الذي يستوجب مسؤولية القاضي ومخاصمته هو خطأ مقصود شأنه في ذلك شأن الغش، ويشترط فيه توفر فعل أو امتناع عن فعل ينطوي على حيل ومناو ارت بقصد وسوء نية.
فالتدليس يتضمن أعمالاً وتصرفات يقوم بها القاضي بقصد تشويه الحقيقة والتضليل توصلاً لإصدار الحكم لمصلحة أحد الخصوم الذي لا يكون الحق بجانبه بدافع الحقد والك ارهية أو المحبة والمودة أوالفائدة الشخصية(16).
ويمكن أن يقع التدليس عن طريق الكتمان أي السكوت قصداً عن واقعة تمت أمام القاضي أو كتمان أو ارق أو مستندات لها تأثير في الحكم.
ولعل أقرب مصطلح إلى عمل التدليس هو التزوير المعنوي الذي يتجلى بتحريف الحقائق بحيث يخيل لأحد الأط ارف أمور تدينه مدنياً أو ج ازئياً، في حين أن الوقائع نفسها تشهد بب ارءته، وذلك بقصد تحقيق منفعة للقاضي نفسه أو لأحد المتقاضين(17).
ويرى بعض الفقه المصري(18) أنه لا يوجد فارق يذكر بين الغش والتدليس في مجال مخاصمة القضاة. فكل تدليس يعد غشاً وكل غش يعد تدليساً سواء أكان الغش أو التدليس مصحوباً بوسائل احتيالية أم لا. ويكفي أن يقتصر على النص على أحدهما دون أن يعد ذلك منه تفريطاً .

المطلب الثالث: الغدر
يقصد بالغدر في مجال مخاصمة القضاة الطعن خفية في الظهر وٕإخبار الخصم بما سيقدم عليه خصمه ليتلافاه، كأنيتأخر القاضي في إعطاء الق ارر بوضع إشارة الحجز علىالعقار ويخبر الخصم الآخر بطلب الحجز قبل وضع الإشارةليقوم بتهريب العقار. وكذلك الأمر لو عدل القاضي اليمينبشكل يجعلها لا تنصب على الواقعة لإبعاد الإثم الديني عنالمطلوب تحليفه أو تحليفه إياها دون موافقة طالب توجيه اليمين، فمثل هذه التصرفات يعد غد اًرً موجباً لمخاصمة القاضي ويبرر قبول دعوى المخاصمة.
وقد أعطى المستشار أنس كيلاني مثلاً عن الغدر "...
تحصيل ض ارئب أو رسوم وما سوى ذلك من العوائد من أحد المواطنين غير موجبة عليه أو تزيد عما هو متوجب عليه"(19).
أما محكمة استئناف المنصورة فقد قررت أن الغدر " يتحقق إذا أدخل القاضي أو وكيل النيابة في ذمته فائدة مادية إض ار اًرً بالخ ازنة العامة أو بالأف ارد"(20).

المطلب ال اربع: إنكار العدالة
إن من أولى واجبات القاضي إحقاق الحق والقضاء بين الناس، وتعطي كافة الدساتير والقوانين لكل شخص حق مارجعة القضاء لتثبيت حقوقه وصيانتها، إذ يمتنع عليه أن يقتضي حقه بنفسه. وبالتالي ليس للقاضي أن يتخلص من هذا الواجب وملزم بالبت في طلب المتقاصين , وٕإلا عدّ منك اًرً للعدالة ومستنكفاً عن إحقاق الحق.
و تعد حالة إنكار العدالة أو الاستنكاف عن إحقاق الحق من الأحوال التي تقبل فيها مخاصمة القضاة، والتي نصّت عليها أغلب التشريعات العربية، وتتمثل في امتناع القاضي عن الإجابة على استدعاء قدم له أو عن الفصل في قضية جاهزة للحكم(21).
أولاً : الامتناع عن الإجابة على استدعاء ما
يعد الامتناع عن الإجابة على استدعاء أحد أسباب مخاصمة القضاة، ويقصد بالاستدعاء الطلب المقدم للقاضي في معرض ممارسته لوظيفته القضائية أو الولائية ويطلب إليه فيه البت بأمر معين ضمن دائرة اختصاصه، وله حق الاستجابة للطلب أو رفضه باعتبار ذلك من واجباته الوظيفية ولكن لا يجوز له الامتناع عن الرد عليه، فإن فعل كان ذلك خطأً يجيز لمقدم الاستدعاء مخاصمته كون ذلك خارجاً عن الأمور التقديرية التي تعود لمطلق سلطته(22).
وبناءً على ما تقدم، ينصرف الاستدعاء إلى الشكوى والدعوى والإخبار والطعن العادي بالاستئناف والتدخل وطلب الإدخال والطلب العارض والإدعاء المتقابل والتصحيح والتفسير والتنفيذ وطلب الحجز وٕإخلاء السبيل والح ارسة. ولا يجوز للقاضي في جميع هذه الحالات أن يمتنع عن الإجابة على الاستدعاء أياً كانت حجته حتى ولو كان غير مستوفٍ الرسم عنه لأنه في هذه الحال يكون من صلاحيته رده شكلاً (23).
ويعتبر بعض الفقه أن "امتناع القاضي الجواب على الاستدعاء أو العريضة المقدمة إليه أو عن اتخاذ ق ارر رجائي (ولائي) طلب منه، استنكاف عن إحقاق الحق، سواء أكان بالرفض أو بالقبول"(24).
ولا يقتصر الأمر على الطلبات القضائية بل يتعداه لما تختص به المحكمة من أمور ولائية خاصة بتنظيم الوثائق، كاختصاص قاضي الصلح تنظيم وثيقة حصر الإرث القانوني أو اختصاص المحكمة الشرعية بإعطاء الإذن للنائب الشرعي بإمضاء ما يستوجب الإذن(25).
ويثبت الامتناع بإعذار القاضي أو ممثل النيابة العامة للرد على الاستدعاء خلال مهلة محددة ويكون الإعذار بإنذار القاضي بواسطة الكاتب بالعدل للرد على الاستدعاء خلال مهلة محددة من تاريخ تبلغه الإنذار، ويعدّ ذلك شرطاً مسبقاً لإقامة دعوى المخاصمة بحق القاضي(26).
ثانياً : امتناع القاضي عن الفصل في قضية جاهزة للحكم
يعدّ امتناع القاضي عن الحكم بدون سبب مبرر مستنكفاً عن إحقاق الحق ومنك اًرً للعدالة يجيز مخاصمته.
وقد ميّز المشرع اللبناني بين حالتين يعدّ فيهما القاضي مستنكفاً عن إحقاق الحق، الأولى أن يمتنع القاضي عن الحكم بحجة غموض النص أو انتفائه، والثانية أن يتأخر بغير سبب عن إصدار الحكم(27).
فإذا امتنع القاضي عن الحكم في ن ازع، حتى ولو كان موضوع الدعوى غير معالج في نص القانون أو أن النصوص المعالجة له غير واضحة أو غامضة، كان منك اًرً للعدالة؛ إذ يتوجب على القاضي أن يفسر النص عند غموضه، وأن يجتهد معتمداً على المبادئ العامة والعرف والعدالة والإنصاف(28).
أما بالنسبة للحالة الثانية التي ذكرها المشرع اللبناني فتتعلق بتأخر القاضي بغير سبب عن إصدار الحكم، وهذه الحالة تختلف عن الأولى بأن القاضي لم يصل لمرحلة الامتناع المطلق، ولكنه يتأخر أو يماطل في اتخاذ ق ارره النهائي بشأن الدعوى المعروضة عليه، وتختلف أيضاً، بضرورة عدم وجود سبب يبرر هذا التأخير، أما إن وجد هكذا سبب، كتأخر بهدف التدقيق أكثر، أو إج ارء تحقيقات إضافية وكافية تساعد القاضي في تكوين قناعته حول مصير الدعوى التي ينظر فيها، فلا مجال في هذه الحالة لاعتباره مستنكفاً عن إحقاق الحق ومنك اًرً للعدالة وبالتالي مخاصمته(29).
أما بالنسبة لموقف المشرع السوري فقد اقتصر سبب مخاصمة القاضي على امتناعه عن الفصل في قضية جاهزةللحكم، والمقصود بهذه الحالة قضاة الحكم دون ممثلي النيابةالعامة، لأنهم لا يملكون صلاحية الحكم في الدعاوىالمعروضة على القضاء ويقتصر دورهم على رفع الدعاوىالج ازئية العامة وحضور جلسات محاكم الاستئناف الج ازئية أوالجنايات ومشاهدة الأحكام والطعن بها عند الاقتضاء، وهمملزمون بإتباع الأوامر الخطية الصادرة إليهم من رؤسائهم وفيقمتهم وزير العدل.
وتقتصر هذه الحالة في التشريع السوري على كون القضية جاهزة للحكم، ويقصد بجهوز القضية للحكم انتهاء الم ارفعة بين الخصوم. وعلى ذلك، بمجرد ختم الطرفين أقوالهما تكون الدعوى جاهزة للحكم، وهذا الحكم قد يكون حاسماً للن ازع أو قد يكون تحضيرياً أو إعدادياً ، وفي كلتا الحالتين لا يجوز للقاضي أن يمتنع عن إصدار حكمه، فإذا ما ت ارخى في إصداره وأجّل ذلك المرة تلو المرة بصورة غير مقبولة، جاز لأي من أط ارف الدعوى أن يختصمه بداعي الامتناع عن الحكم فيها، كل ذلك شريطة إنذار قضاة المحكمة بواسطة الكاتب بالعدل.
ولا بد من التأكيد أن مثل هذه الحالة لم تقدم بها أي دعوى مخاصمة بحق قاض. وٕإنما اقتصرت الحالات على التقدم بشكوى إلى إدارة التفتيش القضائي لمساءلة القاضي عن مثل هذا الخطأ على أنه خطأ مسلكي، يرتب مسؤوليته المسلكية، وقد فرضت عقوبات بحق العديد من القضاة في سورية، استناداً لمثل هذه المخالفة، وصلت إلى حد الإنذار والنقل من مكان عمله إلى محافظة أخرى، أو تأخير الترفيع لسنة.
ولا بد من الإشارة بهذا الصدد إلى أن نفس الحكم يطبق على الدعاوى التي تنظر وتحسم في غرفة المذاكرة أو تدقيقاً، حيث لا توجد مواعيد للجلسات ولا رفع الأو ارق للتدقيق أو للحكم، فإنه بمجرد تسجيلها في دفتر أساس المحكمة وتسليمها للقاضي عن طريق الكاتب تعدّ جاهزة للحكم، بعد تبليغها للأط ارف وٕإجابتهم عنها أو انقضاء مهلة الإجابة القانونية، إن كان لذلك مقتضى، سواء أكانت الدعوى مقدمة لقاضٍ فرد أو محكمة موضوع أو محكمة طعن. وبالتالي فإن ما يسري بخصوص الامتناع عن الفصل في القضايا العلنية ينطبق على القضايا المنظورة بغرفة المذاكرة أو تدقيقاً (30).
وخشية الكيد للقاضي سواء من خلال الشكوى الإدارية أو من خلال دعوى المخاصمة، وضع الفقه بعض الضوابط لاعتبار القاضي منك اًرً للعدالة لرفضه الفصل في الدعوىالمعروضة عليه، وتتمثل هذه الضوابط فيما يأتي:
1- لا يشترط أن يظهر امتناع القاضي بطريقة إيجابية تتمثل في رفضه الصريح للفصل في الدعوى أو الإجابة علىالاستدعاء أو العريضة، وٕإنما يكفي لقيام هذا السبب مجرداتخاذ القاضي موقفاً سلبياً يتجسد في عدم بذله لجهده ولو لميصرح بذلك(31).
2- لا يعد القاضي منك اًرً للعدالة إذا كان قد تعرض للفصلفي الدعوى أو الطلب بأي شكل. كأن يقضي برفض الدعوى أو الطلب أو يحكم بعدم قبوله أو بعدم اختصاصه أوبالبطلان، أو بأي حكم آخر(32).
3- لا يشترط أن يتعمٕد القاضي إنكار العدالة بالامتناع عن الفصل في الدعوى، وانما يتحقق ذلك بمجرد تحقق واقعة الامتناع عن الفصل في الدعوى الجاهزة للحكم، بصرف النظر عن قصد القاضي في ذلك أو عدم قصده.
4- لا يكفي الامتناع في ذاته، وٕإنما لابد أن يكون الامتناع ليس له ما يبرره قانوناً. فلا يوجد إنكار للعدالة إذا كان امتناع القاضي له ما يبرره من الناحية القانونية أو من الناحية العملية، كأن يحلّ بالقاضي عارض شخصي يحول بينه وبين القيام بوظيفته، كالمرض مثلاً، أو أن تكون الدعوى المعروضة عليه تثير مشاكل قانونية معقدة أو متعددة في أط ارفها بشكل يتطلب وقتاً طويلاً لتحقيقها وكشف جوانبها واستظهار وجه الحقيقة فيها.
وينطوي تحت ذلك، فيما لو أحالت إحدى غرف محكمة النقض إلى الهيئة العامة لمحكمة النقض طلب عدول عن الاجتهاد، وتأخرت الهيئة العامة بالبت بالطلب، وبالتالي الغرفة المختصة في الفصل بالدعوى، فإنها لا تعد منكرة للعدالة ولا تستوجب المخاصمة (33).

المطلب ال اربع: الحالات التي يقضي فيها القانون بمسؤولية القاضي
أورد المشرع السوري في قانون أصول المحاكمات والمصري في قانون الم ارفعات وكذلك المشرع الأردني في مشروع قانون استقلال القضاء م/38/1/ج، الحالات التي تقام فيها دعوى المخاصمة على أساس المسؤولية المدنية، ومن بينها: الأحوال التي يقضي فيها القانون بمسؤولية القاضي والحكم عليه بالتضمينات (بالتعويضات). على أن المشرع اللبناني أطلق على هذه الحالة تسمية "ورود نص خاص في القانون" (مادة م 741/5 من قانون أصول المحاكمات).
وحيث أنه لم يعدد القانون مثل هذه الحالات بل جعلها مطلقة، إلا أنه يستفاد من النص أنها تشمل جواز مخاصمة القاضي في كل مرة يحكم فيها بمسؤوليته إضافة إلى تضمينه قيمة الأض ارر التي ألحقها بالمتقاضي المتضرر.
وعليه، سنعرض شروط تحقق هذه الحالات، وتطبيقاتهاالعملية.
أولاً : شروط الحالات
إن إمكانية مخاصمة القاضي استناداً إلى الحالة التييقضي فيها القانون بمسؤوليته والحكم عليه بالتعويضات، منوّطبتحقق شرطين:
الشرط الأول: الحكم بمسؤولية القاضي:
تنصّ قوانين السلطة القضائية وحسب مسماها، أن يحال إلى مجلس القضاء الأعلى أو المجلس التأديبي، القضاة الذين يخلون بواجباتهم أو يسيئون بقول أو عمل أو كتابة لك ارمتهم الشخصية أو ك ارمة القضاء أو يخالفون القوانين والأنظمة العامة(34). على أن ملاحقة القاضي ج ازئياً وفق القانون السوري فهو منوّط بالهيئة العامة لمحكمة النقض للنظر في القضايا الج ازئية التي تم الإذن بتحريكها ضد القاضي، وتكون أحكامها مبرمة غير قابلة لأي طريقة من طرق الم ارجعة (مادة
116/17 من قانون السلطة القضائية السوري).
وعليه؛ فإن هذا الشرط يكون محققاً إذا تم تحريك الدعوى بحق القاضي وصدر حكم يتضمن إدانته وثبوت مسؤوليته، من قبل الجهة القضائية المختصة بذلك.
الشرط الثاني: الحكم على القاضي بالتعويض
لا يكفي لتوفر حالة المخاصمة المذكورة أعلاه على تحريك الدعوى العامة بحق القاضي، وملاحقته أمام الهيئة العامة لمحكمة النقض أو المجلس التأديبي، بل لا بد من وجود مدعٍ شخصي في هذه الدعاوى الج ازئية، وأن يحكم على القاضي بتعويض المدعي الشخصي عن الأض ارر التي لحقت به نتيجة الجرم الذي ارتكبه.
والسؤال الذي يثار بهذا الصدد هو، مادام قد حكم للمدعي الشخصي بالتعويض فما فائدة دعوى المخاصمة التي تقوم على المسؤولية المدنية التقصيرية؟
الجواب بسيط أنه وٕإن حكم للمدعي الشخصي بالتعويض إلا أن ذلك لا يمنع من أن يطالب وأمام هيئة قضائية أخرى، بإبطال الحكم مع التعويض، ليصار إلى إنصافه في ن ازعه القضائي.
ثانياً : التطبيقات العملية
يعدّ من قبيل الأفعال غير المشروعة التي يحكم فيها بمسؤولية القاضي مع التعويض،حسب القانون السوري واللبناني، دخول المنازل وتفتيشها بغير شبهة ارتكاب جرم أو الاشت ارك فيه أو التدخل به أو حيازة أشياء تتعلق بالجرم أوإخفاء شخص مدعى عليه. أو عدم م ارعاة النائب العام أوقاضي التحقيق أصول إصدار مذك ارت الدعوة والإحضار والتوقيف(35). على أن الأقرب لهذه الحالة والذي يمكن تطبيقهيتمثل في جرم الرشوة.
لم ينص المشرع السوري أو المصري أو الأردني على
الرشوة كأحد أسباب المخاصمة، بينما نجد أن المشرع اللبناني قد أورد الرشوة كإحدى الحالات التي يمكن استناداً إليها مخاصمة القضاة (المادة 741 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني).
والرشوة تعد جرماً يرتكبه القاضي عندما يحصل على هدية أو مبلغٍ مالي أو أي منفعة أخرى ليقوم بعمل منافٍ لمقتضيات عمله وواجباته، مخالفاً ما يفترض فيه من ن ازهة وحيدةٍ وحرص على العدالة.
والأصل أن تتم محاكمة القاضي بجرم الرشوة لدى المرجع القضائي المختص(36). ويحق للمتضرر أن ينصّب نفسه مدعياً شخصياً مطالباً بالتعويض لدى هذا المرجع تبعاً لدعوى الحق العام. كما يحق له أن يتقدم بدعوى المخاصمة للمطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق به وٕإبطال الحكم إن كان لذلك مقتضى. على أنه إذا أقيمت دعوى الحق العام بحق القاضي وتقدم المتضرر بدعوى المخاصمة، باعتبارها دعوى مدنية أساسها المسؤولية التقصيرية، فيتوقف الفصل فيها إلى حين البت بالدعوى العامة عملاً بقاعدة الج ازئي يعقل المدني.
وبالرجوع إلى مجموعة الأحكام القضائية المنشورة في لبنان لم نجد تطبيقاً لدعوى مخاصمة رفعت بسبب الرشوة، ونرى أن السبب في ذلك يعود إلى صعوبة اتهام الخصوم للقاضي بالرشوة لما في ذلك من حرج قد يدفع أغلبهم إلى الإحجام عن رفع مثل هذه الدعوى،هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن السبب يعود إلى صعوبة إثبات مثل هذا الفعل مثله مثل الغش والتدليس. لذلك يلجأ وكيل المدعي بالمخاصمة إلى البحث عن سبب أخر للوصول إلى إبطال الحكم وهو"الخطأ المهني الجسيم" وسنعرضه لاحقاً بالتفصيل.

المبحث الثاني
مخاصمة القضاة في حالة الخطأ المهني الجسيم

يعد الخطأ المهني الجسيم أهم وأبرز سبب تقوم عليه غالبية دعاوى المخاصمة، ولأن معظم دعاوى المخاصمة التي قدمت واقترنت بنتائج إيجابية كانت تستند إلى هذا السبب، وأدى إلى تطور دعوى مخاصمة القضاة سواء في الاجتهاد الفرنسي أم اللبناني أم في الاجتهاد القضائي السوري بشكل خاص، فإننا نرى وجوب البحث في هذه الحالة بشيء من التفصيل.
وعليه ولد ارسة هذا الحالة الهامة لدعوى المخاصمة لا بد من معالجتها، من حيث التعريف بالخطأ المهني الجسيم وبيانالتطبيقات القضائية لفكرة الخطأ المهني الجسيم.
المطلب الأول: التعريف بالخطأ المهني الجسيم
أولاً : التطور التاريخي لفكرة الخطأ المهني الجسيم
ظهر مصطلح "الخطأ المهني الجسيم" لأول مرة –بخصوص مخاصمة القضاة عام 1540م في المرسوم الذيأصدره الملك ف ارنسوا الأول كأحد أسباب مخاصمة القضاةتحت تسمية الخطأ الواضح Erreure évidente ثم أطلق عليه اسم الخطأ الظاهر Faut manifeste في الأمر الملكي الذي أصدره الملك هنري الثالث سنة 1579 م. ثم تم إغفاله في القوانين والم ارسيم اللاحقة واستبعد الخطأ المهني الجسيم من حالات المخاصمة حتى في قانون الم ارفعات الذي صدر سنة 1806م. وكان القضاء الفرنسي لا يقبل دعوى المخاصمة إلا إذا توافر سبب من الأسباب الواردة على سبيل الحصر، ولم يكن من بينها الخطأ المهني الجسيم.
وعندما أصدر المشرع الفرنسي قانون حماية الحريات الفردية في 7 شباط عام 1933م، استحدث بعض التعديلات الهامة في نظام التحقيق الجنائي، قصد بها حماية الحقوق الفردية للمواطنين ضد تعسف سلطات التحقيق أثناء نظر الج ارئم ومعاقبة مرتكبيها، فأضاف إلى حالات المخاصمة الخطأ المهني الجسيم وبعض الحالات الأخرى التي تنتج عن مخالفة سلطات التحقيق للضمانات التي جاء بها هذا القانون(37).
أما في لبنان فقد تم إضافة الخطأ المهني الجسيم إلى أسباب المخاصمة، عند صدور قانون التنظيم القضائي سنة 1961م تمشياً مع التطور الحديث، ومجا ارة لاقت ارحات مفتشية العدلية ونقابة المحامين ولتمنيات رجال القانون. وعندما صدر قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد بالمرسوم الاشت ارعي رقم 90 تاريخ 16/9/1983 أكد المشرع اللبناني على الخطأ المهني الجسيم كأحد الأسباب التي يخاصم لأجلها القاضي وتولى تعريفه.
أما في سورية والأردن فقد كان قانون أصول المحاكمات الحقوقية العثماني مطبقاً فيها وكان ينص على دعوى الاشتكاء من الحكام ولم يكن يذكر الخطأ المهني الجسيم كحالة من حالات هذه الشكوى، وعندما صدر قانون أصول المحاكمات السوري رقم 84 في 28/9/1953جاء في المادة 486/م ذكر الخطأ المهني الجسيم كإحدى الحالات التي يقبل فيها مخاصمة القضاة. كما نجد أن مشروع قانون استقلال القضاء لسنة2014 الأردني قد نص على الخطأ المهني الجسيم كإحدىحالات قيام مسؤولية القاضي المدنية.
وفي مصر لم يكن الخطأ المهني الجسيم مذكو اًرً كإحدىحالات مخاصمة القضاة ثم استمد المشرع المصري أحكامدعوى مخاصمة القضاة من القانون الفرنسي، وأضاف علىحالات المخاصمة الخطأ المهني الجسيم في قانون الم ارفعاتالمدنية والتجارية الصادر عام 1949، وبعدها أكد قانونالم ارفعات المدنية والتجارية الصادر برقم 13 لسنة 1961 على الخطأ المهني الجسيم كسبب تقبل لأجله دعوى مخاصمةالقضاة(38).
ثانياً : تعريف الخطأ المهني الجسيم
عرّفت المادة 741 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني الجديد الخطأ المهني الجسيم بأنه:
"الخطأ الذي يفترض أن لا يقع فيه قاض يهتم بواجباته الاهتمام العادي "
أما التشريعات السورية والمصرية والفرنسية فلم يرد فيها تعريفاً محدداً للخطأ المهني الجسيم، وترك هذا الأمر للاجتهاد القضائي والفقه.
فقد استقر قضاء محكمة النقض الفرنسية على تعريف الخطأ المهني الجسيم بأنه:
"ذلك الخطأ الذي يرتكب تحت تأثير غلط فاضح ما كان ليرتكبه القاضي لو أنه اهتم بواجبات وظيفته اهتماماً عادياً"(39).
أما محكمة فرساي Versailles فقد عرّفته بأنه: "الخطأ ذو الخطورة الواضحة، الذي يتساوى بسبب فداحته مع الغش أو الخداع"(40).
أما محكمة النقض السورية فلم تشأ أن تترك الخطأ المهني الجسيم بدون تعريف، وٕإنما ذهبت إلى وضع تعريف يحدد ماهية الخطأ المهني الجسيم وعملت على استق ارره حيث عرّفته بأنه:
"الخطأ الفاحش الذي لا يقع فيه من يهتم بعمله اهتماماً عادياً "(41).
وأكدت غرفة المخاصمة في محكمة النقض على هذا التعريف بأن الخطأ الجسيم:"هو التجاهل لمبادئ أساسية في القانون يجب ألا يقع فيه القاضي الذي يهتم بعمله اهتماماً عادياً، فهو في سلم الخطأ أعلى الدرجات فهو الخطأ الفاحش والجهل الفاضح بالمبادئ الأساسية للقانون أو الإهمال غير المبرر للوقائع الثابتة في الدعوى " (نقض أساس رقم 387 ق ارر 68 تاريخ 13/2/1996).
مما تقدم من التعاريف، نستنتج ما يلي:
1 - يعد خطأ القاضي جسيماً، ولو لم يكن سيء النيّة عندما صدر عنه، أي قاصدًاً إيقاع الضرر بأحد الخصوم، وبالتالي فإن أي انحراف عن مبادئ القانون الأساسية أو أي إهمال غيرمبرر للوقائع الثابتة بملف الدعوى، ولو دون تعمد أو قصد أوسوء نيّة، يشكل خطًأً مهنياً جسيماً، ذلك لأن وجود سوء النيّة أوالتعمد لدى القاضي يجعله خطأه بمثابة الغش(42).
2- يجب أن يكون خطأ القاضي جسيماً،(43) وعليه فإنالخطأ العادي والطفيف يستبعد من حالات المخاصمة، فليسكل خطأ ارتكبه القاضي في ممارسة أعماله يستوجب
المسؤولية والتعويض. ذلك أن الأخطاء غير الجسيمة لا يسأل عنها القاضي مهما نجم عنها من ضرر للمتقاضين(44).
وقد جرى القضاء الفرنسي على اعتبار أن الخطأ في تطبيق القانون وتفسيره أو أي خطأ آخر يمكن تصحيحه عن طريق الطعن، كإساءة القضاء Le mal jugé، لا يعد خطًأً جسيماً، وعلى الخصوم أن يطعنوا في حكم القاضي بطريق الطعن المناسب، وٕإلا سقط حقهم في تصحيحه، وعلة ذلك أن فتح باب المخاصمة يعني إعطاء الخصوم فرصة للطعن في شخص القاضي بدلاً من الطعن في الحكم نفسه.
وترتيباً على ذلك لا يعد خطأ جسيماً خطأ القاضي في تفسير مستندات الخصوم أو عقودهم. وكذلك إذا اعتقد القاضي بحسن نيته في صحة أو شرعية إج ارء معين أمر به (45). على أن الهيئة العامة لمحكمة النقض الفرنسية أصدرت ق ار اًرً بتاريخ 23 شباط 2001 أثار ضجة كبيرة في فرنسا، اعتبرت فيه أنه لا لزوم للخطأ الجسيم لقبول مخاصمة القضاة، بل يكفي أن يكون الخطأ عاديا ◌ (46).
وب أرينا أن موقفً محكمة النقض الفرنسية يعود إلى حصر المسؤولية عن خطأ القاضي بالدولة التي تلزم بالتعويض لمن لحق به ضرر نتيجة الحكم المخاصم، بموجب دعوى الرجوع. وقد لا تتمكن الدولة من الرجوع على القاضي فيما دفعته من تعويض إن لم يكن يتصف خطأ القاضي بالخطأ المهني الجسيم.

المطلب الثاني: التطبيقات القضائية للخطأ المهني الجسيم
يمكن أن يظهر الخطأ المهني الجسيم في عدة مظاهر تعود بمجملها إلى محورين هما الخطأ في مبادئ القانون والإهمال.
أولاً : الخطأ المهني الجسيم في مبادئ القانون
يقصد بالخطأ المهني الجسيم في مبادئ القانون، تجاوز النصوص القانونية النافذة أو ما ينزل منها منزلتها كالاجتهاد القضائي الذي استقرت عليه الهيئة العامة لمحكمة النقض.
ويشترط في مخالفة مبادئ القانون أن يكون النص آم اًرً وأنتكون المخالفة منصبة على نص قانوني نافذ لم يتم إلغاؤه أونسخه بقانون جديد أو تقيده بنص قانوني خاص.
وعليه، يشمل الخطأ المهني الجسيم في مخالفة مبادئالقانون مخالفة الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليهاونصوص القانون الداخلي والاجتهاد القضائي المستقر ومخالفةالق ار ارت الصادرة نفعاً للقانون ومخالفة الحكم الناقض...
وسنعرض التطبيقات العملية لهذه المخالفات على التوالي:
1- مخالفة الدستور:
يسمو الدستور على جميع التشريعات واحت ارمه مبدأ واجب، فهو ذو نصوص آمرة والأساس التشريعي لكافة القوانين، وأي تشريع يخالف قواعده يفقده المشروعية ويغدو انح ارفاً على الدستور، الذي يشكل العقد الاجتماعي والمرجع الأسمى للأف ارد والهيئات في دولة القانون. وبالتالي يتوجب على القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار في مجال عمله إل ازمية الدستور وسموه على أي نص قانوني يخالفه، فإن لم يفعل كان مرتكباً لخطأ مهني جسيم.
وٕإذا كان يمتنع على القضاء التصدي لدستورية القوانين مباشرة فإنه ليس هناك ما يمنع القضاة لعدم تطبيقها لا بل يجب عليهم ذلك، إذا بدت مخالفة الدستور ومبادئه(47).
وقد أقرت الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية عدة ق ار ارت في هذا المجال، منها مثلاً : الق ارر رقم 454/150 تاريخ 1996 الذي جاء فيه:
"إذا حظرت القوانين على المحاكم سماع الدعوى المتعلقة بنقل ملكية السيارة، فإن تلك النصوص غير واجبة التطبيق لأنها تحجب عن الإنسان حق التقاضي وهو من الحقوق الأساسية للمواطن التي تعمل الدولة على صيانتها عملاً بالمادة 12 والفقرة 28 من دستور الجمهورية، وجرياً على ما أقرته الهيئة العامة لمحكمة النقض في ق اررها رقم 16/43 تاريخ
8/5/1978 مجلة المحامون 1972 صفحة 327".
وقد جاء في هذا الق ارر والمعطوف عليه ما يلي: " إن حرمان الأف ارد من حق التقاضي يتعارض مع المبادئ القانونية العامة والحقوق الطبيعية للإنسان والمبادئ الدستورية المستقرة في ضمير الجماعة البشرية مما يجعل القاضي غير ملزم بتطبيق نص يتعارض مع الحق المذكور"(48).
2- مخالفة الاتفاقيات الدولية:
إن نصوص الاتفاقيات الدولية المصادق عليها سواء أكانت إقليمية أو ثنائية أو دولية ملزمة للقاضي شأنها في ذلك شأن أي نص تشريعي داخلي نافذ، وفي حال وقع تعارض بين الاتفاقية ونص قانوني داخلي وجب على القاضي أن يرجح نص الاتفاقية باعتبارها نصاً استثنائياً مخصصاً للقانون الداخلي، فإن لم يلتزم بذلك الترجيح سواء في التفسير أو التطبيق كان مخطئاً خطأً مهنياً جسيماً .
3- مخالفة نصوص القانون:
يتجلى عمل المحكمة الأساسي في تطبيق القانون وتفسيرهتفسي اًرً صحيحاً يتفق مع واقع الدعوى المطروح أمامها وٕإعطاءالتكييف القانوني السليم الذي يتفق مع موضوعها، على ضوءما يعرض أمامها من وثائق ودفوع، ومن حقها استخلاصالوقائع وتفسير القانون على الوجه الذي يت ارءى لها، شريطةً أنيكون هذا الاستخلاص سائغاً وواضح الاستدلال ومعتمداً علىأدلة , وأن يكون هذا التفسير ضرورياً للفصل في الدعوى وألا يخرج التفسير عن مضمون النص بقصد استبعاد تطبيقه على واقعة الن ازع وألا يكون مشوباً بفساد الاستخلاص أو الاستنتاج أو التدليل، لأن الخطأ المهني الجسيم لا يشمل الخطأ في تأويل النصوص القانونية التي تحتمل التأويل أو الخطأ في التقدير في استخلاص النتائج، فإذا خرجت المحكمة عن مبادئ التفسير المذكورة فإن عملها يكون موسوماً بالخطأ المهني الجسيم.
وقد استقر اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية وغرفة المخاصمة في محكمة النقض على ما تقدم، إذ جاء في ق ارر لغرفة المخاصمة رقم 239 تاريخ 19/2/1983 ما يلي:
"إن عدم م ارعاة المبادئ الأساسية في تفسير القانون وتطبيقه ينطوي على خطأ مهني جسيم"(49).
وبالمقابل جاء في ق ارر آخر لنفس غرفة المخاصمة بمحكمة النقض السورية أن: " لا يخاصم القاضي بشأن ما يصدر عنه من تفسير أو اجتهاد للنصوص القانونية التي يطبقها متى كان الاجتهاد سائغاً وواقعاً في حدود المبادئ الأساسية لتفسير النص القانوني وتأويله حتى ولو كان الاجتهاد والتفسير خاطئين " (50). وبالمفهوم المخالف فإن القاضي يخاصم إن لم يكن اجتهاده سائغاً وواقعاً في حدود المبادئ الأساسية لتفسير النص القانوني.
4- مخالفة الاجتهاد القضائي:
أ- مخالفة ق ار ارت الهيئة العامة لمحكمة النقض:
تعدّ ق ار ارت الهيئة العامة لمحكمة النقض بمنزلة القانون فلا يجوز مخالفتها وهي واجبة الإتباع، في جميع المحاكم ومخالفتها يعدّ خطأً مهنياً جسيماً . وقد أكدت الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية ذلك في ق ارر لها برقم 328/167 تاريخ 6/11/1994 جاء فيه:
"... ومن حيث أن الهيئة العامة لمحكمة النقض قد اتخذت ق ار اًرً في حكمها رقم أساس /90/ ق ارر /47/ تاريخ 30/12/1992 يلزم المحاكم في أحكامها بتطبيق المبادئ القانونية التي تقرها الهيئة العامة لمحكمة النقض، وهي إن أغفلت ذلك وصف قضاؤها بالخطأ المهني الجسيم وتعرض الحكم للإبطال. ومن حيث أن ق ار ارت الهيئة العامة لمحكمةالنقض إنما هي بمنزلة القانون وغايتها توحيد الاجتهاد وبمايؤمن للعدالة موقعاً حصيناً من تشتت الاجتهاد الواقع. ومنحيث أنه لا يجوز مخالفة ق ار ارت الهيئة العامة بأي حال منالأحوال... باعتبار أن ق ارر الهيئة العامة يرقى إلى مرتبةالقانون ومخالفة القانون في الأحكام أمر غير مقبول..."(51).
وعلى ذلك يجب إتباع ق ارر الهيئة العامة وعدم مخالفتهتحت طائلة المساءلة بارتكاب الخطأ المهني الجسيم حتى ولو تعارض مع ق ارر لمحكمة النقض(52).
وٕإذا صدر عن الهيئة العامة لمحكمة النقض ق ارٌرٌ فأرسى مبدأً قانونياً، ثم تم العدول عنه فلا يجوز للقاضي الحكم بمقتضى الق ارر الذي تم العدول عنه، وٕإنما يجب الأخذ بالق ارر الجديد، فإن لم يفعل كان ذلك خطأً مهنياً جسيماً .
‌ب- مخالفة ق ارر محكمة النقض غرفة المخاصمة:
يترتب على المحكمة التي أبطل ق اررها من قبل غرفة المخاصمة أو الهيئة العامة لمحكمة النقض إتباع ق ارر محكمة المخاصمة عند نظرها الدعوى مجدداً بعد تجديدها من الخصوم، فإن خالفت هذا الق ارر كان ذلك خطأً مهنياً جسيماً منها(53).
وقد أكدت ذلك غرفة المخاصمة في محكمة النقض السورية في ق ارر لها رقم 953/372 تاريخ 4/6/1995 جاء فيه: " إن الحكم الصادر عن محكمة النقض غرفة المخاصمة واجب الإتباع ولو خالف اجتهادات أخرى صادرة في مواضيع مماثلة وٕإن عدم إتباعه يشكل خطأً مهنياً جسيماً ".
‌ج- مخالفة الاجتهاد المستقر لغرف محكمة النقض:
يستفاد من نص المادة 50 من

Address

اربد/عمان
Irbid

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مركز صالح الشناق للدراسات القانونية والشرعية والانسانية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share