03/09/2025
القرار الاقتصادي والحضور الحزبي فجوة تحتاج إلى جسر سياسي
بقلم المحامي مهند النعيمات
https://www.altaj.news/article/532831
في خضم التحولات التي يشهدها الأردن على صعيد التحديث الاقتصادي تبرز إشكالية غياب الأحزاب السياسية عن دائرة التأثير الفعلي في صياغة البرامج التنفيذية هذا الغياب لا يبدو أنه مجرد تفصيل إداري أو نتيجة ظرف عابر بل يعكس فجوة عميقة في العلاقة بين القرار الاقتصادي من جهة والحضور الحزبي كمكون سياسي من جهة أخرى
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن ترسيخ الحياة الحزبية وتوسيع المشاركة السياسية يظل الدور الحزبي في الملفات الاقتصادية محدودا إن لم يكن مغيبا هذه المفارقة تطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الحكومة والأحزاب هل هي علاقة تكاملية تبنى على الشراكة أم تنافسية تدار بمنطق الحذر والتحفظ
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقتصر على تحليل النوايا بل تتطلب تفكيكا دقيقا للعوامل السياسية والإدارية التي أسهمت في تكريس هذا الفصل واستشرافا للفرص التي يمكن أن تعيد بناء الجسر بين الطرفين بما يحقق التوازن المطلوب بين الشرعية السياسية والاستقرار الاقتصادي
من بين هذه العوامل يمكن الإشارة إلى وجود توجه مركزي في إدارة الملفات الاقتصادية حيث ينظر إليها باعتبارها شديدة الحساسية ما يدفع بعض الجهات إلى تفضيل إبقاء القرار الاقتصادي ضمن نطاقها المباشر هذا التوجه قد لا يكون بالضرورة رفضا للأحزاب لكنه يعكس حرصا على ضبط التوازنات القائمة وتجنب إدخال أطراف قد تمثل مصالح متباينة
في الوقت ذاته قد يكون هناك تخوف غير معلن من أن مشاركة الأحزاب قد تفتح الباب أمام النقد أو كشف ثغرات في السياسات المعتمدة خاصة أن الأحزاب بطبيعتها تمثل طيفا واسعا من المصالح والرؤى هذا التخوف قد يدفع بعض الجهات إلى تجنب إشراكها بشكل فعال ليس بالضرورة بدافع الإقصاء بل ربما بدافع الحذر من الضغوط أو الإحراج السياسي
ولا يمكن إغفال أن بعض المؤسسات لا تزال تتبنى ثقافة بيروقراطية تقليدية ترى في الأحزاب مجرد عناصر بروتوكولية تستدعى في المناسبات دون تأثير حقيقي في القرار هذه النظرة قد تكون ناتجة عن تراكمات تاريخية أو عن ضعف في التواصل المؤسسي بين الطرفين
من جهة أخرى قد توجد قوى غير معلنة ترى في بروز الدور الحزبي تهديدا لنفوذها السياسي أو الاقتصادي وتسعى للحفاظ على الوضع القائم عبر الحد من التشاركية الحزبية هذه القوى لا تعلن موقفها صراحة لكنها تؤثر في مسار القرار من خلف الستار وتفضل بقاء الأحزاب في موقع المتفرج لا الشريك
ولا يمكن تحميل المسؤولية كاملة للجهات الرسمية فبعض الأحزاب نفسها تعاني من ضعف في التنظيم أو غياب آليات واضحة للمشاركة الفاعلة ما يجعل من السهل استبعادها تحت مبرر عدم الجاهزية أو غياب الخبرة العملية في الملفات الاقتصادية
إن تغييب الأحزاب عن المشاركة في صياغة البرامج التنفيذية لرؤية التحديث الاقتصادي هو نتاج مزيج من الحذر السياسي والثقافة الإدارية التقليدية وتوازنات النفوذ لكن هذا النهج لم يعد ملائما لمرحلة الإصلاح والتحديث التي تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة ومكوناتها السياسية
فمن الضروري أن تعيد الأحزاب تنظيم أدواتها وتطوير خطابها وبرامجها بما يؤهلها لتكون طرفا فاعلا في صياغة القرار لا مجرد متلق له فالمشاركة السياسية لا تمنح بل تنتزع عبر الحضور الجاد والمبادرة المدروسة والقدرة على تقديم البدائل الواقعية
المطلوب اليوم هو إرادة سياسية واضحة تفتح المجال أمام الأحزاب لتثبت قدرتها على المساهمة في بناء السياسات العامة وتقديم رؤى اقتصادية متكاملة تعزز الاستقرار وتكرس الشرعية السياسية أما بقاء الأحزاب على هامش القرار فسيبقي الرؤية معرضة للتجاذب ويحولها إلى شعارات بلا أثر
بقلم: مهند نعيماتفي خضم التحولات التي يشهدها الأردن على صعيد التحديث الاقتصادي تبرز إشكالية غياب الأحزاب السياسية عن دائرة التأثير الفعلي في صياغة...