08/09/2026
تدني رواتب القضاء لا يمنح أحدا رخصة لرفع رسوم التقاضي
لو كان راتب القاضي منخفضا، فهذه مشكلة يجب أن تحلها الدولة... لكن لماذا يدفع ثمنها المواطن من حقه في التقاضي؟!
أقولها اليوم بوضوح، وبلا مواربة، وبصفتي محاميا بالنقض:
أنا مع تحسين أوضاع القضاة والمستشارين، وضد تحويل المتقاضي إلى ممول لهذا التحسين.
القاضي يستحق حياة كريمة تليق برسالته والمستشار يستحق راتبا يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لكن المواطن أيضا يستحق أن يدخل المحكمة دون أن يشعر أنه يدخل مؤسسة لا يستطيع تحمل تكلفتها.
القضاء ليس فندقا والمحكمة ليست شركة استثماريةوالعدالة ليست خدمة "Premium" لا يحصل عليها إلا من يستطيع الدفع و المواطن عندما يرفع دعوى لا يذهب إلى المحكمة بحثا عن رفاهية.
هو يذهب لأنه يقول:
هناك حق ضاع... وأنا أريد استرداده
وقد يكون هذا الحق شقة أو أرضا أو ميراثا أو أموالا جمعها طوال عمره أو تعويضا عن ظلم وقع عليه فهل يعقل أن يصبح أول سؤال يواجهه:
هل تستطيع دفع رسوم التقاضي؟
هنا يجب أن نتوقف لأن الدولة عندما تنشئ مرفقا للعدالة، فهي لا تنشئه للأغنياء فقط والعدالة الحقيقية لا ينبغي أن تقف عند حدود القدرة المالية للمتقاضي.
أنا لا أقبل أن تتحول الرسوم القضائية إلى سور مرتفع يفصل المواطن عن حقه ولا أقبل أن يصبح الفقر سببا غير مكتوب في سقوط الحقوق من يملك المال يستطيع أن يقاضي... ومن لا يملك، فليبحث عن حل آخر؟!
لا
هذه ليست العدالة التي نريدها إن كانت رواتب القضاة والمستشارين لا تتناسب مع مكانتهم ومسؤولياتهم، فليتم إصلاح منظومة الأجور وإن كانت المحاكم تحتاج إلى مليارات للتطوير، فلتوفر الدولة التمويل وإن كان مرفق العدالة يحتاج إلى موارد إضافية، فلتضع الدولة سياسة تمويل عادلة لكن لا تجعلوا المواطن الذي جاء يطلب حماية القانون هو الحلقة الأضعف في المعادلة لا تجعلوا من إيصال الرسوم أول حكم يصدر في الدعوى وأقولها أيضا بكل احترام:
القاضي نفسه لا ينبغي أن يقبل أن تتحول هيبة منصته إلى مبرر لإرهاق المتقاضي لأن هيبة القضاء ليست في ارتفاع الرسوم.
هيبة القضاء في أن يقف أمام القاضي أغنى رجل وأفقر رجل، ثم يكون القانون وحده هو الحكم بينهما نحن كمحامين لا ندافع عن المتقاضي ضد القضاء نحن ندافع عن حق المتقاضي في الوصول إلى القضاء.
وهناك فارق هائل بين الاثنين.
احترام القضاء واجب وتقدير القضاة واجب لكن نقد السياسات والإجراءات التي تمس حق المواطن في التقاضي ليس جريمة، ولا انتقاصا من أحد.
بل هو جزء من المسؤولية المهنية والوطنية وأنا كمحام بالنقض لا أرى أن دوري ينتهي عند كتابة صحيفة دعوى أو مذكرة دفاع.
دوري أيضا أن أقول عندما أرى أمرا يحتاج إلى مراجعة:
العدالة يجب أن تكون متاحة... لا أن تكون متاحة لمن يستطيع تحمل تكلفتها فقط.
القاضي له حق في راتب عادل والمواطن له حق في عدالة عادلة والدولة هي التي يجب أن تضمن الاثنين.
أما أن ندفع المواطن إلى الاقتراض حتى يستطيع أن يطالب بحقه، ثم نقول له بعد ذلك:
لماذا لم تطالب بحقك؟
فهذا تناقض لا يليق بفكرة العدالة نفسها.
وفي النهاية...
أنا لا أطلب عدالة رخيصة.
أنا أطلب عدالة لا يتحدد ثمنها بقدرة الإنسان على الدفع ولا أهاجم القضاء.
أنا أريد للقضاء أن يظل عظيما في أعين الناس ولا أنتقص من القضاة.
أنا أطالب الدولة أن تمنحهم ما يستحقون دون أن تجعل المواطن هو من يدفع الفاتورة.
لأن هناك حقيقة يجب ألا ننساها:
المواطن عندما يقف أمام منصة القضاء لا ينبغي أن يسأل: هل أستطيع تحمل رسوم العدالة؟
بل ينبغي أن يكون سؤاله الوحيد:
هل أنا صاحب حق؟
فإذا كان صاحب حق...
فليجد باب المحكمة مفتوحا.
#العدالة
#القضاء
#المحاماة
#مصر