26/04/2026
قداسة الحقوق وعقبة الاجراءات
العدل هو الله
فالعدل اسم من اسمائه الحسنى وبعض صفاته العلا
والقضاء سنة محكمة وفريضة متبعة ، والتقاضي حق مقدس ، لم ينكره الخالق حتى على ابليس اللعين حينما امتنع غرورا عن السجود اذ أمر بذلك ، ولم يحرمه ادم وحواء فى حال التلبس red handed فى المعصية. التقاضى قيمة ادركها الانسان منذ الدهر الاول قبل ان تشترع الشرائع وتسن القوانين وتنشا الدول وتسود الامبراطوريات. فكانت المنافسات تحسم بقرار فرد او جماعة للتوصل لاختيار الفائز. واحتكم الناس فى المسابقات الى من يرضون من الحكماء، وتداعو الى الصلح فى المنازعات على يد من اعتقدو صلاحه للتوفيق بين الخصوم بالعدالة والانصاف.
ثم نشات الدول وتطورت اجهزة الحكم وتعددت وظائف الدولة وتشعبت مهامها وتعقدت اختصاصاتها، فادرك الانسان اهمية الفصل بين السلطات separation of powers ، فاستقل القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ولم تعد وظيفته قاصرة على الفصل فى المنازعات التقليدية بين الخصوم فحسب وإنما تطورت لتشمل تفسير الدستور والقوانين والنظر فى دستورية التشريعات وامتدت لحماية الحقوق والحريات ومنع تضارب الاختصاص والقوانين والدفاع عن حكم القانون rule of law .
ولكن، ولكى تكون وظيفة السلطة القضائية منضبطة واحكام القضاء نافذة كان لزاما وضع قواعد اجرائية تضمن حماية الحقوق الموضوعية للمتقاضين ، افرادا طبيعيين او أشخاصا اعتباريين، وتحدد القيود الزمنية لرفع الدعاوى وتبين اختصاصات المحاكم فى درجاتها المختلفة ، وتشرح شروط رفع الدعاوى وقبول الطلبات والاعتراضات والنقض من حيث الشكل والموضوع فى جميع مراحل التقاضى من المحاكم الدنيا الى المحاكم العليا ( النقض او التمييز او المحكمة الدستورية ) حسب النظام التشريعي القائم. ومن وظيفة القواعد الاجرائية بيان طرق الاثبات الجائزة قانونا ووسائل الاثبات وأنواع الوثائق والمستندات وشروط قبول البينة او استبعادها admissibility and exclusion of evidence .
نجمل القول بان القاعدة الاجرائية وان كانت تقيد ، بطريقة غير مباشرة ، ممارسة الحق الموضوعى الا انه لا يمكن ان تلغيه او تعدله او تمنع الوصول اليه. لذلك وضع القانون ضوابط تحد من التعسف فى استعمال الاجراءات للالتفاف على الحقوق وتضمن تكافؤ الفرص بين الخصوم وتمنع الغش الذى قد يلجأ اليه من لا يستحق للاستيلاء على حق الغير بلا وجه حق. على سبيل المثال، تتوافر بعض قوانين الاجراءات المدنية ، ومن بينها القانون السودانى على أحكام تجعل للمحكمة ، فى مختلف درجات التقاضى، سلطة مراجعة حكمها اذا وقع من الخصوم غش أثر فى الحكم. وتتسم هذه النصوص بمرونة كافية لضمان تحقق العدالة ، فعلى الرغم من انها تحدد اجلا لتقديم طلب المراجعة ، غير ان هذا الاجل يرتبط بوقت كشف حالة الغش وليس من تاريخ صدور الحكم محل المراجعة.
وثبوت الغش يكفى لابطال الحكم اذ لا يمكن ان يكون القضاء عادلا وحكمه منصفا بحجة التمسك بالاجراءات اذا اصر على بقاء حكم لمصلحة خصم ثبت كذبه ونجم نفاقه وبان خداعه فالقاضي ملزم وظيفيا بتطبيق حكم القانون ، واخلاقيا بالانحياز الى الحق ، وورعا بمراعاة الله وتحكيم الضمير وانصاف المظلوم. وللقضاء السودانى على وجه التحديد سجل مشرق فى تلمس السبل الممهدة لحماية الحق وتجنب المسالك الاجرائية الوعرة اذا كان مآلها يحول بين الحق وصاحبه، خصوصا فى مراحل النقض والتمييز والمراجعة وفحص الاحكام امام المحكمة العليا، ذلك ان حكم المحكمة العليا عنوان الحقيقة لا يقبل الطعن بعد ذلك الا امام الله سبحانه تعالى
الحكم العدل
البصير المطلق عن القيود
الجبار المنتقم المتكبر
لذلك أكدت المحكمة العليا السودانية فى قرار سابق لها يشكل فى رأينا مبدأ من أنصع المبادىء التى قررتها محكمة عليا ليس فى بلادنا فحسب ، بل على امتداد المعمورة يمثل ركيزة من ركائز حماية الحقوق الموضوعية والدستورية للمواطنين ، و يضع القواعد الاجرائية فى قالبها السليم الذى يجعلها لا تطغى على سلطان الحق وقواعد الانصاف، نقتطف بعض ما جاء فى هذا المبدأ:
"اذا كان من المحتمل ان نفسر قصد المشرع فى نص المادة 325 اجراءات بأن الحق الدستورى المراد حمايته ذو طبيعة شخصية ، وهذا ما يتنافى مع المألوف والمرعى من الاجراءات السليمة فى التشريع ، كما يتنافى مع مبادىء العدالة وحكم القانون وهو افتراض غير جائز ، فان الدائرة الدستورية لن تتردد فى الالتفات عنه لأنه ما من تشريع اجرائى وهو يهدف الى تنظيم الوسائل التى تحقق بها كفالة الحقوق الموضوعية ولذا ينبغى ان ينأى عن القيود ينبغى ان يحول بين المحكمة والنفاذ الى الحقوق الموضوعية للمواطنين الا ما كان منه صريحا وامرا يرقى تجاوزه الى تجاوز الحدود الدستورية المقررة للمحكمة " بموجب نصوص الدستور نفسه.
المرجع: م ع / ق د/ 2/ 1406
اسماء محمود محمد طه واخرين ضد حكومة السودان
الجدير بالذكر ان قواعد الاجراءات ذاتها تتضمن احكاما صريحة تجيز لمحاكم الاستئناف ان تسمح بتقديم ادلة جديدة اذا كانت محكمة الموضوع قد رفضت قبول دليل كان عليها ان تقبله، او رأت ان تقديم هذا الدليل ضرورى للفصل العادل فى الدعوى . أكثر من ذلك يجوز لمحاكم الاستئناف اعادة صياغة نقاط النزاع بناء على الأدلة الثابتة فى المحضر. ولا شك ان الضابط فى كل ذلك هو حرص المشرع الدستورى والقانوني على احترام الحق الموضوعى محل الخصومة وتيسير منافذ الولوج اليه وكراهة الاعتصام بالقواعد الاجرائية طالما بانت منارات الحق الابلج فهو الاولى بالحماية وهو الغاية التى تحقق مبادىء العدالة وقواعد الانصاف وحكم القانون.
اذا تعمق القارىء فى منطوق رسالة الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى الوالى ابوموسى الاشعرى رضى الله عنه لادرك عمقا بعيدا من ابعاد المبدأ الذى يجعل حكم المحكمة العليا "عنوان الحقيقة"
"فافهم إذا أدلي إليك ؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له … ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس - فراجعت فيه عقلك ، وهديت لرشدك - أن ترجع إلى الحق ؛ فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل…الفهم الفهم ، فيما تلجلج في صدرك ؛ مما ليس في كتاب ولا سنة ، ثم اعرف الأشباه والأمثال ، وقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أشبهها ؛ بالحق…"
صدق من قال:
"العدالة هى الحقيقة المتحركة"
وافلح من امن بحكمة :
"لن تكون عادلا مالم تكن انسانا"
وفاز من عمل بمقالة:
"العدالة ثمينة جدا، لذلك فهى تكلف غاليا"
"العادل فائز ، والمتعسف هالك"
واخيرا ، يبقى "العدل هو اعطاء كل ذى حق حقه"
العدالة ليست نصوصا جامدة فى قوانين الإجراءات، بل هى حقوق مصونة فى ضمير القاضى اليقظ ، وقديمة فى شرع الله العادل الذى لن يظلم عنده احد ولا يخدعه طامع لا يستحق
عبود
السبت 25 ابريل 2026